نقل الشيخ السجلماسي عن الشهرستاني أن الجاحظ تفرّد عن القدرية بمسائل، منها موافقة طبيعة أصحاب النار للنار، بحيث لا يخلدون فيها معذبين، قال الشهرستاني: «قوله [الجاحظ] في أهل النار إنهم لا يخلدون فيها عذابًا، بل يصيرون إلى طبيعة النار». اهـ.

كما ذكر السجلماسي أنّ الإمام العضد الإيجي نقل هذا القول أيضًا عن الجاحظ، وقد نقلتُ سابقًا قول الإمام العضد: «أجمع المسلمون على أن الكفار مخلدون في النار أبدًا، لا ينقطع عذابهم»، وهذا يدل على أنّ قول الجاحظ لا عبرة به لمخالفته للإجماع، كما أنه مخالف لصريح القرآن الكريم والسنة النبوية.

وقد نقل الإمام الأشعري إجماع أهل الإسلام على أن عذاب الكفار في النار دائم لا انقطاع له، ثم ذكر مَن شذّ عن هذا الإجماع كالجهم والعلاف، وذكر فرقة اسمها «البطيخية» تقول بموافقة مزاج أصحاب النار للنار، قال الإمام الأشعري: «وقال قوم: إن أهل الجنة ينعمون فيها، وإن أهل النار ينعمون فيها؛ بمنزلة دود الخل يتلذذ بالخل، ودود العسل يتلذذ بالعسل، وهم البطيخية». اهـ.

وقال في موضع آخر: «وزعمت البطيخية أن أهل الجنة في الجنة يتنعمون، وأن أهل النار في النار يتنعمون، بمنزلة دود الخل يتلذذ بالخل، ودود العسل يتلذذ بالعسل». اهـ.

قال ابن حزم عن هذه الفرقة: «فليسوا من أهل الإسلام، بل كفار بإجماع الأمة». اهـ.

والقول بموافقة طبيعة أصحاب للنار وتنعمهم فيها، هو قول الشيخ ابن عربي كما بينتُه سابقًا، ومن نصوصه في هذه المسألة قوله في الفتوحات (8/224): «فأعطاهم في جهنم نعيمَ المقرور والمحرور؛ لأن نعيم المقرور بوجود النار، ونعيمَ المحرور بوجود الزمهرير، فتبقى جهنم على صورتها ذات حرور وزمهرير، ويبقى أهلها متنعمين فيها بحرورها وزمهريرها، ولهذا أهل جهنم لا يتزاورون، إلا أهل كل طبقة في طبقتهم، فيتزاور المحرورون بعضهم في بعض، ويتزاور المقرورون بعضهم في بعض، لا يزور مقرور محرورًا، ولا محرور مقرورًا. وأهل الجنة يتزاورون كلهم؛ لأنهم على صفة واحدة في قبول النعيم». اهـ.

أقول: وفي هذا ردٌّ على مَن يزعم أنّ الشيخ ابن عربي هو أوّل مَن قال بموافقة مزاج أهل النار للنار وتنعّمهم فيها، وأنّ الأئمة لم يستشنعوا هذا القول، فها نحن نرى الأئمة ينقلون هذه المقولة عن بعض الفِرق البائدة، ويصرّحون بمخالفتهم للإجماع وشذوذهم عن أمة الإسلام، ولا يعتبرون كلامهم ولا يعدّون قولهم مبطلًا للإجماع الثابت المستند إلى الأدلة القطعية.

ونلاحظ أيضًا أن هناك مَن قال بهذا القول الشاذ من غير العرفاء، فليس القول بهذه المقولة مجرد كشف أو أذواق أو اصطلاح خاص لا يفهمه أحد، بل هو فكرة معروفة عند بعض الفرق، وتبناها بعض المشاهير في التاريخ، وقد ردّ عليهم الأئمة، وبيّنوا فساد قولهم ومخالفته لصريح القرآن والسنة وإجماع الأمة، ولم يزعم هؤلاء أنها رمز لا يدركه إلا العرفاء، أو كشف لا يعرفه إلا المكاشفون.