قال الشيخ السجلماسي: «إلى إجماع الأمة الدال على بقاء النصوص السابقة على معانيها، والمفيد للقطع باستعمالها في مدلولاتها اللغوية، والرافع لكل احتمال يتطرق إليها في ذلك، فمن رام خلاف الحق في ذلك فقد راغم الكتاب والسنة وإجماع الأمة». اهـ.

ثم نقل كلام ابن حزم في تقرير الإجماع على دوام النار ودوام عذابها، وهذا الإجماع حكاه ابن حزم في كتابه المشهور «مراتب الإجماع»، الذي نقل فيه إجماعات ليست بالقليلة، وقسّمه إلى أكثر من خمسين بابًا، وقد نوزع في بعض هذه الإجماعات، لكنّه خصّص بابًا مستقلًا للإجماع الذي وصفه: (يكفر مَن خالفه بإجماع)، وذلك لأنّ مستند هذه الإجماعات قطعي معلوم من الدين بالضرورة.

قال السجلماسي: «قال أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم القابسي، في كتاب مراتب الإجماع، ما نصه: (بَابٌ من الإجماع فِي الاعتقادات، يكفر من خَالفه باجماع: اتَّفقُوا ان الله عز وَجل وَحده لَا شريك لَهُ خَالق كل شَيْء غَيره). إلى أن قال [ابن حزم]: (وأن الجنة حق، وأنها دار نعيم أبدًا، لا تفنى ولا يفنى أهلها، بلا نهاية، وأنها أعدت للمسلمين والنبيين المتقدمين وأتباعهم، على حقيقة ما أتوا به قبل أن ينسخ الله تعالى أديانهم بدين الإسلام. وأن النار حق، وأنها دار عذاب أبدًا، لا تفنى ولا يفنى أهلها أبدًا، بلا نهاية، وأنها أعدت لكل كافر مخالف لدين الإسلام، ولمن خالف الأنبياء السالفين قبل مبعث رسول الله ﷺ وعليهم الصلاة والتسليم، وبلوغ خبره إليه) اهـ بلفظه».

ثم تكلّم السجلماسي عن ميزة كتاب مراتب الإجماع واعتماد العلماء عليه.

ثم بدأ في الكلام عن الإجماع وأنواعه، ونقل قول الأبياري في شرح البرهان، ونصّه: «فإن قيل: فما الضابط لما يكفر به؟ قلنا: قد أكثر الناس في ذلك، فالذي يصح عندنا يرجع إلى ثلاثة أمور:

أحدها: ما يكون نفس اعتقاده كفرًا، كإنكار الصانع وصفاته التي لا يصح أن يكون صانعًا إلا بها. إما بالتصريح بالإنكار، أو بالمصير إلى أمر يمنعه اعتقاده من الاعتراف بالصانع، ويلزمه ذلك من جهة التناقض وجحد النبوات، فإن ذلك كفر بلا خلاف.

الثاني: ما ورد الشرع بأنه لا يصدر إلا من كافر، كعبادة النيران والسجود للصنم، وما يضاهي ذلك.

الثالث: إنكار ما علم من دين الأمة ضرورة، كإنكار سورة من القرآن، وجحد الصلوات الخمس، وبالجملة إنكار ما علم بالضرورة والبديهة. وقد بينا أن السبب الذي منه كفر، إنما هو من جهة أن النقل المتواتر يحصل علمًا بإسناد القضية إلى الرسول ﷺ. فإذا وقع الجحد بعد ذلك بأنه ليس من الشريعة، كان ذلك آيلاً إلى تكذيب الشرع، ومكذب الرسول كافر». اهـ.

ثم قال السجلماسي: «وسيأتي كلام القاضي أبي بكر الباقلاني -رضي الله عنه- في تكفير من أنكر ما علم من الدين ضرورة».اهـ.

أقول: إن الإمام الباقلاني في كتابه «إكفارالمتأولين» من أشد الناس احتياطًا في مسألة التكفير، وقد نقل عنه الزركشي ترك تكفير المخطئ في الأصول من أهل القبلة كالمجسمة، قال في البحر المحيط: «وأما المخطئ في الأصول والمجسمة: فلا شك في تأثيمه وتفسيقه وتضليله. واختلف في تكفيره. وللأشعري قولان. قال إمام الحرمين وابن القشيري وغيرهما: وأظهر مذهبيه ترك التكفير، وهو اختيار القاضي في كتاب ” إكفار المتأولين”». اهـ.

ونقل صاحب كتاب «تطبيقات المآل في علم الكلام» مجموعة نصوص من مخطوط إكفار المتأولين، تدل على الاحتياط في مسألة التكفير، ينبّه فيها الباقلاني على خطورة الاسترسال في الإلزامات وإطلاق التكفير، إلا أن السجلماسي نقل عن الباقلاني نصًا مهمًا في تكفير العلّاف لقوله بانقطاع عذاب أهل النار، قال الباقلاني: «ويجب إكفار أبي الهذيل بقوله بقطع نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، وتناهي مقدورات الله تعالى حتى لا يكون قادرًا على تجديد نعمة، ولا على كشف بلية، ولا تصح إليه رغبة، ولا تقع منه رهبة؛ لأن النبي ﷺ وقف الأمة توقيفًا اضطرت عنده، بأنّ جهنم محيطة بالكافرين، وأن الله تعالى يديم الثواب لأهل الجنة، والعذاب للكافرين، ومن قال خلاف ذلك فقد كذب الرسول ﷺ، والإجماع على كفر من كذب النبي ﷺ». اهـ كلام الباقلاني.

كما نَقَل عن الباقلاني تكفير الجهم للعلة نفسها، قال الباقلاني: «وكذلك يجب القضاء على إكفار جهم بن صفوان لقوله إن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، لأن التوقيف ورد بإدامة الجنة والنار، علم ذلك من دين النبي ﷺ بالضرورة، فمن أنكره بعد استفاضته، والعلم به، وإجماع الأمة على أن ما ذهب إليه كفر، فواجب القضاء على كفره». اهـ بلفظه.

أقول: وفي كلام الباقلاني من الفوائد: أن دوام عذاب الكفار مما علم من الدين بالضرورة، وهو موافق للنص الذي نقلته عنه سابقًا، وأن الإجماع على ذلك إجماع قطعي، وأن خلاف العلاف والجهم لا يعتد به ولا يعتبر في إبطال الإجماع؛ لأنّ مستند هذا الإجماع قطعي.

قال السجلماسي: «فخرج من هذا سقوط قول العلاف وقول جهم، وأنه لا يعتبر بهما في مخالفة الإجماع، كما لا يعتبر في مخالفته بالجهال والكفار». اهـ.

أقول: وهذا فيه إبطال لما يتوهمه بعض المتعالمين من أن خلاف الجهم والعلاف ونحوها معتبر في مخالفة الإجماع! ولم يزل الأئمة على مرّ القرون يحكون هذا الإجماع الذي نقله السجلماسي، وأكتفي بنقل ثلاثة نصوص في ذلك:

الأول: قال الإمام أبو الحسن الأشعري: «قال أهل الإسلام جميعاً: ليس للجنة والنار آخر، وأنهما لا تزالان باقيتين، وكذلك أهل الجنة لا يزالون في الجنة يتنعمون، وأهل النار لا يزالون في النار يعذبون، وليس لذلك آخر». اهـ. فهذا الإجماع نقله الإمام الأشعري عن «أهل الإسلام جميعا»، وليس عن فرقة معيّنة، وهو صريح في أنّ أهل النار لا يزالون في النار يعذبون، فهم مخلّدون في النار بقيد التعذيب، وهذا يعني أنّ النار مخلدة لا تفنى، وأنّ عذابها لا ينقطع، كل هذا بإجماع أهل الإسلام، ومخالفة هذا الإجماع ليست معتبرة، بل هي شذوذ وخروج عن الإجماع الشرعي.

الثاني: قال الإمام الفخر الرازي: «اتفقت الأمة على أن مَن مات على الكفر فإن الله يعذبه أبدًا». اهـ. وهذا إجماع لأمة الإسلام على أن الكافر معذب أبدًا، فمن خالف فلا يعتبر خلافه.

الثالث: قال الإمام عضد الدين الإيجي: «أجمع المسلمون على أن الكفار مخلدون في النار أبدًا، لا ينقطع عذابهم». اهـ. وهذا تصريح بإجماع «المسلمين» على تأبيد العذاب على الكفار في النار.