بقلم الأستاذ سعيد فودة حفظه الله
كنت قد علقت قبل أكثر من عشرة سنوات على القاعدة رقم 85 من قواعد التصوف للشيخ زروق، والتعليق موجود في منتدى الأصلين لمن أحب الاطلاع عليه. وننشر الآن تعليقا على موضع آخر من كلام الشيخ المتشرع الملتزم بقواعد الدين المعتبرة الشيخ زروق، ومن المعلوم أن بعض المتصوفة يعدون الشيخ زروق من ظاهرية الصوفية كناية عن عدم رضائهم كلامه…!؟
……………………………………………
تعليق على كلام الشيخ زروق في عدة المريد الصادق
وقال الشيخ زروق في عدة المريد الصادق: في فصل 77 :
“في التظاهر بالأمور الغريبة من الشطحات والطامات وغيرها.
وهي أمور تبدو على أصحاب الأحوال من الصادقين في مبادئ الفتح والتلوين، لا تناهي التمكين فلذلك قيل: التلون مجون، والتمكن معرفة، وأين الحال من الصفة، وغالب أمرها إنما تصدر عمن سلك من طريق العلم أو طريق التجريد، أي: سلك على طريق العمل والتأدب، لأن فيضان نور المعرفة على حسب بساطه، وكل ذلك إناء يرشح بما فيه، وتحقيق ذلك يطول، لكن هذا صوابه.
لكن هناك طوائف من الناس استظهروا بهذه الأمور عن حقائقهم:
-إما لغلبة وارد فمعذورون بالغلبة غير مقتدى بهم، وهو حال الغالب، كالحلاج ومن جرى مجراه.
-وإما للتنبيه على موارد الواردات كحال الحاتمي ومن جرى مجراه، ولا عذر له في ذلك، إلا من حيث إنه يقول: إنما تكلمت بخاص في خاص، يفهم ما أريد مما أوردُ، ولكل قوم اصطلاح، والعبارة تقريب لمن يفهم المقصود، ولو بالنقيض، فيبقى عليه حفظ الربوبية والنبوءة في التوقيعات.
فيقول: قد عرف ذلك من أصل مذهبنا، والألفاظ مؤديات وقد أدت أعظم مما يبدي المنكر من التعظيم لأهله، كما أشار إليه ابن الفارض
وعنى بالتلويح يفهم ذائق=وغنى عن التصريح للمتعنت
فيجاب عن ذلك: بأن التوقير واجب ظاهرا كوجوبه باطناً، وغلبة الحال لا يتعرض لها بغير نفي الاقتداء، فلا يجوز لأحد أن ينقل كلامهم ولو فهمه، إلا على وجه لا يصح فيه نقد، لاتساع نظر الناس اليوم في الطريق، وتداولها الجاهل والعالم وإسراع النفوس لاعتقاد ظاهرها، أو أن من ينقلها معتقد ذلك، وكل من أولع بذلك وجعله هجيراه، فالفلاح منه بعيد.
وقد سئل شيخنا أبو عبد الله محمد بن القاسم القوري رضي الله عنه، عن ابن العربي الحاتمي فقال: أعرف بكل فنٍّ من أهل كل فنّ، فقيل له: ما سألناك عن هذا، قال اختلف فيه من الكفر إلى القطبانية، قيل له: فما ترجح. قال التسليم.
قلت: وذلك لأن ظهوره بترجيحه ربما أغرى الضعفاء على اتباعه، والاغتناء به فهلكوا، والتعرض للتكفير خطر من حيث إخراج مسلم بشبهة.
وقد قال الشيخ أبو بكر بن فورك رضي الله عنه: الغلط في إدخال ألف كافر بشبهة الإسلام أولى من إخراج مسلم بذلك. ذكره في الشفاء فانظره.
ولقد رأيت من الناس كثيراً لا يرون الفقير إلا من يستظهر بذلك، ومن يحفظ حرمة الله ورسوله يسمونه يابساً، ويقولون: لا خير عنده، وهو لو فتح باب الكلام في حقائق الحقائق ما شموا له رائحة، أعاذنا الله مما ابتلاه به بمنه وكرمه”اهـ.
[انظر: عدة المريد الصادق، ص239-240].
أقول: ومن المعلوم مكانة الشيخ زروق بين الصوفية، فهي مكانة عظيمة معروفة، وإن كان بين المتصوفة من يصفونه بأنه من ظاهرية الصوفية، فكلامه المتقيد بالشريعة لا يرضون به، وطريقته المضبوطة لا تعجبهم، ولعلنا نكتب في ذلك مقالاً.
وما نريد التركيز عليه، ولفت أنظار القراء المهتمين إليه، هو كيفية معالجته لما صدر من طائفتين من الصوفية:
الطائفة الأولى التي صدرت على ألسنتهم كلمات إشكالية
كمثل الحلاج الذين غلبهم الحال، فصدرت عنهم كلمات، حملها كثير من الأعلام على حسن الظنّ، لأنها بناء على غلبة الحال، لم تجر على ألسنتهم ليبنوا مذهبا في مقابل مذهب أهل السنة، يخالفونهم فيه في القواعد الأساسية، بل إننا نحسن الظنّ فيهم، لما ذكره العلامة الشيخ زروق. ولذلك حكم عليهم بأنهم معذورون، أي نعذرهم لصدور ذلك عنهم لغلبة الحال، وعدم قصد المعاني الظاهرة من كلماتهم المخالفة في ظاهرها للشريعة، وإن أمكن تأويلها، ولكن الكلام على ظاهر الكلام.
فإن كانوا معذورين، من حيث صدور الكلام عنهم، فهل يجوز لغيرهم نقل هذا الكلام وحكايته على سبيل الموافقة، أو نشره بين الناس وخصوصا العوام، لتنتج إشكالات:
-فبعضهم قد يفهم منها المعنى الظاهر، وهو مخالف كما تعلم، فإن اتبعه العامي ضلَّ فيكون إطلاع العوام عليه ونشره بينهم سببا في ضلالهم.
-وبعضهم قد يتعذر عليه فهمه أو قد يفهمه ولكن يتعذر عليه الخضوع له لما يشعر به من مخالفة الشريعة! فيقع في حيرة، ويشرع إما في طلب التأويل وسيكون بعيداً، ويعسر عليهم فهمه كما عسر عليهم فهم أصله، أو يشرع في الحكم على من قاله بمقتضاه الظاهر، وهو ما لا يحسن أيضا نشره بين العوام.
فهذا هو حكم الشيخ زروق من أمثال الحلاج الذين يجري على ألسنتهم كلمات لغلبة الحال.
الطائفة الثانية التي صدر عنها كلام إشكاليٌّ
وهذا النوع هو الذي تكلم بأمثال هذه الكلمات قاصدا تأسيسها، والتنظير لها، كما فعل الحاتميّ، وهذا المعنى الذي يظهر لنا من قول الشيخ زروق :”للتنبيه على موارد الواردات”اهـ، أي محاولة تفسيرها وتعليلها، وهذا يعطي لها مشروعية وقاعدة نظرية لقبولها على ما هي من ظاهر فاسد أو محل إشكال على أقل تقدير.
ومن كان هذا حاله فقد حكم عليه الشيخ زروق بأنه: “لا عذر له في ذلك، إلا من حيث يقول: إنما تكلمت بخاص في خاص، يفهم ما أريد مما أورد، ولكل قوم اصطلاح…إلخ” اهـ.
أي إن الأصل أن من يتكلم نحو كلام ابن عربي فهو غير معذور، ولا ابن عربي معذور أيضا.
ولكن قد يتعلل ابن عربي ومن يتابعه، بأن كلامهم هذا ما قصدوا به إلا الكلام لخاصة الناس، لا لعامتهم، ويقولون إن هؤلاء الخاصة يعرفون اصطلاحنا ولا يترتب على ذلك ما تخاف منه من المفاسد.
ولكن الشيخ زروق يقول مع ذلك: إنهم مع احتجاجهم بهذا القول، إلا أنه يبقى عليهم توقير ظاهر الشريعة، كما يجب عليهم توقير باطن الشريعة، وما يقولونه من كلام محل إشكال، ليس فيه توقير ظاهر الشريعة، هذا إن سلمنا أنه موافق للشريعة في الباطن! وهذا محل دعوى قد لا تسلم عند الأكثرين كما هو ظاهر.
فيبقى الاستنكار على أمثال ابن عربي متوجهاً على رأي الشيخ زروق.
هل يسوغ نشر هذا الكلام بحجة غلبة الحال؟
وإذا قيل: إنما أشعنا ذلك وأظهرناه لغلبة الحال، ولم نكن في ذلك مختارين راغبين بأن يطلع العوام والخواص على كلامنا!
وأجابهم الشيخ زروق بقوله: حتى لو سلمنا أن ذلك الكلام الذي ظاهره باطل جرى عليهم لغلبة الحال، كما قلتم! إلا أننا ينبغي أن نلتزم في هذه الحال أن جريان ما ظاهره مخالف للشريعة لغلبة الحال لا يصح لغيرهم نقله، ولا الاقتداء بهم فيه! والذي نراه أن كثيرين من أتباعهم يقررون كلامهم، ولا يلتفتون أصلا إلى هذا الاعتذار المذكور، فلا يقولون: إن ذلك الكلام كان لغلبة حال، بل كثير منهم يقول: إن ما تنكرون ظاهره بحجة أنه مخالف للشريعة هو في الحقيقة الحق الصريح الذي لم تكشف عنه عقولكم ولا نفوسكم المحجوبة، ولما ظهرت لأمثال الصناديد من العرفاء الكاملين كابن عربي، وجب علينا نشر ما قرره من درر ونفائس ونشره بين الناس كلما استطعنا ذلك، نعم لو رأينا أن الناس غلب عليهم الرفض والاستنكار، فلنا عذر عدم نشره إلى حين تغير الأحوال.
الإشكال وقع أصلا في معاني كلامهم لا في نياتهم ومقاصدهم
وهذا الطريق لا يخفى أنه غير مرضي عند أهل الشريعة، لأن الخلاف أصلا جرى في معاني كلامهم الظاهرة منه، وأنها مخالفة للشريعة ولذلك جرى عليهم الإنكار، وبعض أهل العلم الذين يحسنون الظن بهم ادعوا أنه مدسوس عليهم، وبعضهم قال لا بد من تأويله ليصبح موافقا للشريعة، وهكذا، فكل هذه المسالك متفقة أصلا على مخالفة الظاهر منه للشريعة كما لا يخفى، فأن يقول أتباع هؤلاء إن هذا الظاهر هو عين الحق والصدق، ولا علينا إن نشرناه وأعلنا عنه كلما سنحت لنا الظروف، هذا التصرف قلب للحقائق وإعلان ظاهر بمخالفة أهل الحقّ.
وهناك حالة أخرى جوز الشيخ زروق نشر كلامهم عندها، وهي أن يكون النقل والكلام “على وجه لا يصح فيه نقد” أي لا يكون له ظهور في مخالفة الشريعة ومذهب أهل الحق. وهذا شرط ظاهر سببه، ولكنا نعلم أن نقل كلامهم مقيدا بهذا الشرط عسر جدا إن لم يكن محالا، لأنه لو أمكن ذلك فمعناه إمكان التأويل له عن قربٍ، وهل الاختلاف إلا في ذلك!
والشيخ زروق علل اشتراطه لهذا الشرط بقوله: “لاتساع نظر الناس اليوم في الطريق، وتداولها الجاهل والعالم وإسراع النفوس لاعتقاد ظاهرها، أو أن من ينقلها معتقد ذلك”اهـ. ولعمر الحق إن هذا الكلام يدل على صدق الشيخ زروق والتزامه العظيم بالشريعة، وهذا هو التصوف الحق الذي نؤيده ونعمل جهدنا على نشره ولفت أنظار الناس إليه.
الأمور الباطلة التي تترتب على نقل كلامهم والسكوت عليه أو المنع من نقده!
فكثير من الناس في زمان الشيخ زروق كما هم في زماننا تسارع أوهامهم إلى التقاط هذه المعاني الباطلة، لأسباب ليس هذا المحل مناسبا لذكرها، ولكن منها أن هذه النفوس تلتف إلى الغرائب، وتحسب أن في كل أمر غريب دلالة على صدقه وحقيته فتسارع إلى التقاطه والتمسك به واتهام الآخرين الرافضين له بالقصور في النظر، وعدم القدرة على العدل وضيق الصدر عن الآخرين! إلى غير تلك التهم الجاهزة.
وبعض الناس يحسب أن من ينقل هذا الكلام الذي ظاهره مخالف للشريعة معتقد به، لكفاية النقل عنده من غير اعتراض على الرضا من الناقل، وهو مسلك ظاهر مسوغ كما ترى في عرف الناس، وإلا فلو كان معارضا لما ينقله للفت النظر إلى فساده ولو بكلمة. فإن لم يفعل عدَّ الناس هذا المنقول مذهبا له، فإن كانوا يحسنون الظن بالناقل ربما تابعوه في اعتقاد ما ينقله، وهذا هو الذي يحذرنا منه الشيخ زروق.
حكم الشيخ زروق على من جعل ذلك الكلام هجيراه، هل يفلح؟
ويبالغ الشيخ زروق فينقل لنا حالة رآها في زمانه وهي بصورة أعظم وأجلى متحققة في زماننا، فقال: “وكل من أولع بذلك وجعله هجيراه، فالفلاح منه بعيد”. اهـ. ما شاء الله على هذا الكلام المنور، الدال على سلامة البصيرة وسدادها، والتزام ظاهر وباطن بالشريعة.
إن الشيخ زروق يحلل أحوال الناس كما ترى، بحكمة بالغة ودقة متناهية، فيقرر أنه إذا عرف أن هذه الظواهر التي نحن في صدد الكلام عليها وتحليل عوارضها، وما يدور حولها من إشكالات، إذا عرف أنها باطلة أو مخالفة للشريعة، فوجدنا بعض الناس مع ذلك يبالغ في الحرص عليها، وتأكيدها ومحاولة ترويجها، والتشنيع على كل من ينكرها على قائلها، أو ناقلها بلا اعتراض! فلنعلم أن هؤلاء الناس الذين هذا حالهم قل أن يفلحوا! والفلاح هنا هو التزام الطريق الحق من فهم الشريعة، وترتب النتائج المؤيدة للإسلام والتزام أحكام الله تعالى، والفلاح هنا هو النجاح باعتبار مذهب أهل الحق، وهذا لا يكون إلا بالتزام الفهم الصحيح للإسلام، والشيخ زروق يحكم على من يبالغ بالتقاط تلك العبارات والترويج لها، وأولع بها أنه لا يفلح أو أن الفلاح منه بعيد.
ذكر قصة الشيخ القوري والتعليق عليها مرة أخرى
ثم ذكر الشيخ زروق قصة شيخه القوري مع الذي سأله عن ابن عربي، فقال: “وقد سئل شيخنا أبو عبد الله محمد بن القاسم القوري رضي الله عنه، عن ابن العربي الحاتمي فقال: أعرف بكل فنٍّ من أهل كل فنّ، فقيل له: ما سألناك عن هذا، قال اختلف فيه من الكفر إلى القطبانية، قيل له: فما ترجح. قال التسليم”. اهـ
أقول: أما مقولة أن ابن عربي أعرف بكل فنٍّ من أهله، فقد مضى التعليق عليها، فلا نعيد.
وقوله إن ابن عربي اختلف فيه من الكفر إلى القطبانية، لا بد من ملاحظة أن هذا الاختلاف اختلاف بين المعتبرين في العلم، وليس اختلافا بين عامة الناس، فإنه غير معتبر. وأهل العلم عندما يقول بعضهم فيه إنه كافر أو قال بقول كفر، لا يصح لمن يسمعه أن يستخف بهذا القول الصادر عن أهل العلم، ولا يصح له أن يتجاهله كأنه لم يكن، وكذلك، عندما يسمع قول أهل العلم يصفونه بالقطبانية فكذا لا يصح للسامع أن يستهين بذلك، بل عليه أن يعرف أن هؤلاء الذين حكموا عليه بالقطبانية رأوا فيه ما يستحق به هذا الوصف، كما هو حال من قابلهم وأنكر عليه.
ذكر الاختلاف في الحكم على ابن عربي من دون استنكار على الفريقين
وعندما نرى الشيخ القوري يذكر هذا الاختلاف بدون استنكار على أي من الفريقين فعلينا أن نعرف أن لكل واحد منهما دليل على ما يقول. إلى درجة أن الشيخ القوري لما يعرفه من مآخذهم مال إلى التسليم، بأن لا يحكم عليه بالقطبانية، ولا بالكفر، فابتعد عن رأيي الفريقين، واختار التسليم، والمراد بالتسليم تسليم الحكم عليه بالقطبانية أو بالكفر لله تعالى، فهو أعلم بحاله.
بعض الآثار السيئة المترتبة على إظهار الكلام دون نقده مع تحسين الظن بصاحبه
وقد وافق الشيخ زروق على الاختيار الذي مال إليه القوري، فقال معللا اختيار شيخه: “وذلك لأن ظهوره بترجيحه ربما أغرى الضعفاء على اتباعه، والاغتناء به، فهلكوا فيه، والتعرض للتكفير خطر من حيث إخراج مسلم بشبهة” اهـ. أي إن إظهار ذلك الكلام الذي صدر عن أمثال ابن عربي، وعنه خصوصاً ربما يتسبب في جعل بعض الناس الضعفاء يتبعونه، يحسبون إظهاره علامة على صوابه، والأمر ليس كذلك، ولذلك حكم الشيخ زروق بأن من ساير ابن عربي في هذه الأمور واعتقدوا سلامتها، واعتمدوا عليها في اعتقادهم وطريقهم، فإن مصيرهم الهلاك. والحكم عليهم بالهلاك مبني كما هو ظاهر بأن ما يظهر مما قاله ابن عربي باطل لا يجوز اتباعه فيه.
نقول ذلك ونبينه لعله يكون حافزا لمن يمنعون الناس من التصريح بالخطأ والانحراف في أقواله، ويدعون أن تخطئته في هذه الأقوال هو قدح في النوايا، وقدح في الأولياء ونحو ذلك، ومن الظاهر أن ذم القول متفق عليه، ولكن محل الإشكال في تعدية حكم القول للقائل كما لا يخفى. فالحكم على القول لا ينبغي لأحد من أهل السنة الاعتراض عليه.
الميل إلى التكفير فيه خطر
وبين الشيخ زروق أن الميل نحو التكفير فيه خطر أيضا، لعل هناك ما يمنع التكفير مما لا نعرفه، ولأن الأصل هو الحكم بإسلام هؤلاء الأشخاص. ولكن ذلك كله لا يعني بأي وجه من الوجوه عدم تغليطهم في أقوالهم المنقوله عنهم والموجودة في كتبهم مما يخالف أهل السنة، وقد صار ذلك ظاهراً.
المنع من التكفير لا يستلزم تصحيح المتابعة ولا المؤازرة ولا تصحيح ترويج تلك الأقوال
والمنع من التكفير لا يستلزم تصحيح المتابعة ولا المؤازرة ولا تصحيح ترويج أقواله لا باطنا ولا ظاهراً خلافا لما نراه في أيامنا هذه ممن يدعي أنه من العرفاء أو الذين يحسنون الظنّ بالناس، ومن المعلوم أن إحسان الظن بهم لا يستلزم تصحيح أقوالهم محل الإشكال، فمن سار في هذا المسار فليعلم أنه على خطر.
نقد حال بعض الصوفية الذين لا يحتفون إلا بمن يستظهر بنحو ذلك الكلام الإشكاليّ
ثم قال الشيخ زروق: “ولقد رأيت من الناس كثيراً لا يرون الفقير إلا من يستظهر بذلك، ومن يحفظ حرمة الله ورسوله يسمونه يابساً، ويقولون: لا خير عنده، وهو لو فتح باب الكلام في حقائق الحقائق ما شموا له رائحة، أعاذنا الله مما ابتلاه به بمنه وكرمه”اهـ
سبحان الله كأن الشيخ زروق يصف بعض من في زماننا من المتصوفة الذين يحبون نشر ما يخالف آراء أهل السنة، ويميلون كل الميل إذا أنكر على هذه الكلمات منكرٌ، ولو لم يتعرض لأصحابها، مع أنا رأينا أن هذا طريق معتبر لا يصح الاعتراض عليه.
إن الشيخ زروق يخبرنا بما هو أكثر من ذلك فيقول: إن بعض الفقراء، أي المتصوفة صاروا لا يحكمون على أحد بأنه من الفقراء إلا إذا تظاهر بأمثال هذه الكلمات ونصر أصحابها، وذمَّ من ينتقدها! وهذا المسلك خلاف ما قرره أعلام أهل السنة كما اتضح.
كثرة من يتظاهر بتلك الأحوال والمعارف الإشكالية وتعديهم على المخالفين لهم بغير حقٍّ
ويقول الشيخ زروق: لقد صار كثير!! من الناس يحكمون على من يحفظ حرمة الله ورسوله ويسمونه يابساً، هكذا هو تعبير الشيخ زروق، وبعضهم يسميه قشري، لا يعرف إلا القشور، وبعضهم يسميه ظاهريّاً، وبعضهم تعدى لسوء أدبه فحكم عليه بأنه وهابيّ! والحال أنه لم ينادِ إلا بحفظ مقام الشريعة وحفظ حرمة الله ورسوله، أيصح أن يسمى هذا بهذه الأسماء والصفات إلا عند من سفه نفسَه أو استخف بغيره، أو تعصب لمن يقلده بدون دليل ولا بينة إلا بناء على الهوى والتقليد!
وأيضاً: صار هؤلاء الذين يتشبثون بهذه الكلمات التي يظهر منها ما يخالف الشريعة يحكمون على من نقدهم أو أنكر عليهم بأنه لا يأتي منه خير، وينفرون الناسِ منه، وهذا لا يفعله إلا كل متعدٍّ والله تعالى هو حسيبه في الآخرة.
ويبين الشيخ زروق حقيقة هؤلاء المتعالمين الذين يصفون من حفظ حرمة الله ورسوله بأنهم يابسون فهم لو فتح لهم باب الكلام في حقائق الحقائق ما شموا له رائحة، إذن هم متظاهرون ملبسون.
تعدي الفقراء (الصوفية) على من ينكر عليهم
واستباحة دمائهم وأعراضهم والانتصار عليهم بغير حقٍّ
وقال الشيخ زروق في عدة المريد الصادق ص237: “وقد جرت عادة فقراء هذا الزمان بسب المنكرين والانتصار عليهم من غير حقٍّ، وربما انتهى بهم الأمر إلى حدٍّ يستبيحون به دماءهم وأموالهم وأعراضهم، فيدخلون بذلك في زمرة المارقين، وربما كانوا به من الذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وحق الفقير إقباله على شأنه وإعراضه عن مواضع الشبه، وعدم مقابله الخلق فيما يأتون به، لأن ذلك لا ينقضي ويؤدي إلى وجود التشويش دائماً”اهـ.
وهذا الحال للأسف هو الذي صرنا نراه من الذين يدعون الذبَّ عن أولياء الله والصوفية، وإن كان الذي يعترض على بعض كلماتهم معترضا على كلمات خالفوا في ظاهرها أهل السنة والجماعة اتفاقا بين الفريقين، فاستباحة أعراض المنتقدين والمعترضين بلا دليل خروج عن الشريعة، وتأليب الناس عليهم بغير حق خروج وانحراف عن الشريعة، فضلا عن الكذب عليهم واتهامهم بما لم يقولوه أو إلزامهم بما لا يلزمهم.
ونحن نحذر الذين ينتقدون هؤلاء الناس أمثال ابن عربي وغيرهم من أن يكون انتقادهم لهم لهوى في أنفسهم، وعليهم أن يضبطوا أنفسهم وأحوالهم في هذا العمل لئلا ينحرفوا عما أمرهم الله تعالى به، فيجب أن يكون كلامهم منضبطا، مضبوطا بالشريعة، لا يتجاوزون ذلك ولا يسيرون وراء المتشابهات عن الاعتراض بل يعتمدون الظاهرات من العبارات التي تؤيدها غيرها، ولا يتمسكوا بمجرد كلمة قيلت هنا أو هناك إلا إذا كانت صريحة أو ظاهرة جدا في الغلط. والله سبحانه الموفق للجميع.
وليس لنا إلى غير الله حاجة ولا مذهب
سعيد فودة
كتبتها في العشرين من رمضان الخير 1441هـ
الموافق لعام 2020م.
