بقلم الأستاذ العلامة سعيد فودة حفظه الله
بعد بيان أن المراد بالعقيدة الظاهرة أي المعلنة للعوام.
والعقيدة الباطنة أي المبددة في ثنايا كتاب الفتوحات المكية وفي غيره من الكتب، وأن ابن عربي ذكرها لخواص الخاص لا للعوام ….
وبعد تصريح ابن عربي أن العقيدة المذكورة أول الكتاب للعوام والرابعة المبددة جعلها لخواص الخاصة وأنها المصرحة بالحق والصدق.
وبعد بيان أن الذي بدَّدَه في ثنايا الفتوحات مشتمل على ما هو مبطل لبعض ما نص عليه أهل السنة والنصوص الشرعية…
بعد ظهور ذلك كله…
وبعد أن تبين للمعترض أن حمل لفظ الباطن -الذي وصفنا به عقيدته المبدده التي جعلها لخواص الخاصة- على مصطلح الباطنية المستلزم للكفر والزندقة في ذهنه وفي بعض الاستعمالات العرفية لا يصح وأنه مغالطة بينة منه…
وبعد أن تبين أنه لا يجوز للمعترض المتسرع أن يبني على فهمه المتعسف هذا ليتهمنا بأنا نريد تكفير ابن عربي…أو نكفره بالفعل.
ماذا فعل:
ما زال يصر على أننا ننسب لابن عربي القول بالعقيدة الباطنية هكذا مع أننا لم نستعمل هذا اللفظ أصلا، ومع علمه بأنه بإصراره على استعمال هذا اللفظ يريد أن يجعل القراء يستحضرون ما يلازمة عادة في بعض الاستعمالات من الزندقة والكفر ليلصق لنا القول بالتكفير غصبا عنا…
هذا كله مع معرفته بأننا نصرح بعدم التكفير، وبوجود طريقة بينة ظاهرة لفهم كلامنا الذي تعسف في ليِّ اطرافه وتكلف تحريفَه ليحمله على ما يشاء ويهوى…وقد بينا كيفية ذلك في مقا لخاص مطول…
على أن كلامنا واضح أصلا كما تم بيانه…وبعد تنبيهنا إياه وتنبيه بعض إخوتنا له كذلك على بطلان فهمه وسوء اتهاماته لنا ولكنه أبى وأصر وعاند…واتهمهم بأنهم الذين يبررون لي ليخرجوني من هذا المأزق الذي يتوهمه، والذي ما اصطنعه واخترعه إلا هو بسوء فهمه أو قبح قصده…
ثم ماذا؟
يأتي ليقول: ولكنك تصر على أن بعض ما أودعه ابن عربي في ثنايا الكتاب يخالف ما أظهره في أوله مما يزعم أنه عقيدة أهل السنة.
ونقول له: واستمع لما نقول
1-إن كان ما ذكره في أول الكتاب موافقا لعقيدة أهل السنة بالفعل ولم يكن مجرد كلمات مجملة محتملة.
وكان ابن عربي قد ذكر في أثناء كتابه بالنص -كما صرحت أنت- ما يخالف أهل السنة.
فهو بالضرورة مخالف لما ذكره في أول كتابه، كما هو مخالف لأهل السنة.
2-وإن لم يكن ما أودعه في أول الكتاب موافقا بالضرورة لعقيدة أهل السنة بل هو ألفاظ مجملة تحتمل الموافقة والمخالفة، وكان ما ذكره في ثنايا كتابه مخالفا في بعضه قول أهل السنة، فقد خالف أهلَ السنة فيما ذكره في باطن الكتاب إذن على أقل تقدير..
وعلى القياسين يثبت ما نقول..لماذا، لأنه من المقطوع به بالضرورة أن بعض ما أورده في الفتوحات مخالف لأهل السنة، كتحول العذاب إلى العذوبة…
(ملاحظة: سنبين قريبا بإذن الله لم جعلنا المرجع في المقدمة الأولى من هذين القياسين ما يقول به أهل السنة، فشرطنا ما ذكره ابن عربي في أول كتابه بكونه موافقا أو غير موافق لما يقرره اهل السنة، ولم نعتمد ما أورده ابن عربي في أول كتابه على الإطلاق بدون ذلك القيد…هذا مع أننا أشرنا لذلك وضربنا عليه مثالا منذ سنوات ، ولكن الذين يدرسون ويطالعون ويفهمون على ما يبدو قليلون)
علاوة على ذلك فإن المعترض هو الذي قال في بعض كلامه إنه: “توجد نصوص مشكلة في كلام الشيخ ابن عربي تفيد تحول العذاب إلى عذاب بلا ألم، بل قلنا أكثر من ذلك، قلنا هي ظواهر كفرية لأنها تخالف قطعي الكتاب والسنة” انتهى كلامه
هذا قوله لا قولنا…
فتعحبوا ما شئتم !
إذن هناك نصوص يقول الشيخ المعترض أنها موجودة في كتاب ابن عربي مخالفة لقطعي الكتاب والسنة، وأنها ظواهر كفرية..!! عنده!
فإذا ثبت أن في ما بدده ابن عربي بعض المخالفات للكتاب والسنة ولأهل السنة، فهل بالضرورة يعتبر ذلك تكفيرا له؟ ! لقد قلنا ليس مرة بل ألف ألف مرة…لا…هل هو حكم عليه بالانحراف عن منهج القرآن ودلالاته الظاهرة وعن منهج أهل الحق في هذه المسائل، قلنا بصريح العبارة: نعم.
وقلنا إنه ليست كل مخالفة تستلزم الكفر…
وماذا بعد؟!
يقول إذن أنت تنسب له الباطنية بالمعنى الاصطلاحي؟
نقول: هذا غير صحيح، بل ما تقوله غفلة منك أو أمر تعسفته وتمسكت به لغاية في نفسك تدلُّ عليها أفعالك وأقوالك من التشنيع والتأليب..
بل نحن ننسب له أنه يبدد ويبطن في كتابه ما لم يعلن عنه في أوله، وهذا قطعي لا يمكن لأحد إنكاره، ولنا على ذلك شواهد، والكرة في مرماكم لتثبتوا خلاف ذلك، ولم تفعلوا ولن تفعلوا…ولن يفعل غيركم ذلك…
ولا ننسب له الباطنية بالاصطلاح الذي تريده أنت والمستلزم للتكفير …
ونزيدكم…
بل نزعم أن ابن عربي أشد صراحة منكم في الإعلان عن عقيدته التي قام ببيانها وتبديدها مرارا في أثناء كتابه وأعلن من أول كتابه أنها الحق والصدق….ولو سمع ما تنسبونه إليه لاستغرب مما تقولون..والمشكلة في الاعتراف بهذه العقائد التي يخالف فيها ابن عربي أهل السنة مما بدده في أثناء الكتاب بل في كثير من كتبه، عندكم أنتم لا عنده، وليس أيضا عند الصرحاء من أتباعه، ولا عند المنصفين من العلماء الذين قاموا بشرح كلامه وفهمه، فهو مصرح بذلك، لا ملوح، ويبين كلامه مرة بعد أخرى، ويوضحه بأساليب مختلفة …وقد اتبعه على ذلك متابعون كما سنضرب لكم بعض الأمثلة قريبا.
وقد قلنا للمعترض مرارا أنت الذي تسيء الظنَّ وتتهمنا بأنا نبطن ما لا نظهر، وتقول ذلك علنا في صفحتك متلبسا بظاهر غير مقنع من الورع المتكلف عندما نقلتَ عني أنني لا أكفر ابن عربي: “قلت ما قاله لي في المجموعة..
والله أعلم بالسرائر” اهـ انتهى كلام الشيخ المعترض…!!؟؟
وقوله “والله أعلم بالسرائر” أسلوب لا يليق هنا، لما فيه من تشكيك في ما نعلنه عن أنفسنا مرة تلو مرة…أليس هذا سوء أدب بل هو تجاوز وتعدٍّ لبعض الأحكام الشرعية أيها الشيخ الذي تسامح الناس!
هذا مع أنه لا يحتاج أبدا أن يحيل الناس إلى ما قلته أنا في مجموعة خاصة أو في رسائل خاصة معه أو مع غيره، لأن ما قلته له هناك هوعينه الذي أقوله منذ سنوات في كتبي وفي دروسي وفي المنتديات، وقد اعترف هو بذلك ، فالإحالة إلى المشهور المعروف أولى في هذه الحالة من الإحالة إلى أمر خاص سواء كان مجموعة أو مراسلات، لأن إحالته هذه إلى الخاص توهم أني لم أقل ذلك إلا في هذا المقام!؟
أما المناقضة بين ما بدده ابن عربي وبين ما يقرره أهل السنة ، فهذا ظاهر بين.
وأما دعوى (أن ما أثبتنا أن ابن عربي يقول به في ثنايا كتابه) يستلزم أننا نكفره، فغير بين ولا ظاهر، وقد نفينا القول بالتكفير.
وأما كلامنا الذي تعلق به كأنه وقع على غنيمة وممسك كبيرمن أن ابن عربي (له عقيدة ظاهرة أظهرها في أول كتابه، وعقيدة باطنة أخفاها وبددها في ثنايا الكتاب) ليشنع علينا بناء عليه بأننا (بهذا القول نكفر ابن عربي) فقد تبين لأهل الصدق والإنصاف أنه بعيد جدا عما يزعمه…هذا مع أنه بين أصلا.. ولكنه تعسف في حمله على ما زعم لغرض.
فلم الإصرار حتى الآن على الغلط …..ثم بعد ذلك يقول إنه سامحنا!! والله صدرك واسع يا شيخ..؟
وأغرب من ذلك أن يأتي لصفحتنا ويقول:”الشيخ سعيد حفظه الله قال لي شخصيا في نقاش على الواتس آب إنه لا يكفر الشيخ ابن عربي بل يحبه..
ثم يكتب بعد فترة كلاما يفهم منه أنه يكفره..” انتهى كلامه..ثم جاء وقال: “سبحان الله….أشهد الناس بأنك لا تكفر ابن عربي بنقل قول لك قلته لي مباشرة في نقاش على مجموعة يوهم بأنك أفضيت لي بسر لا تظهره!!!
لا حول ولا قوة إلا بالله..
مقالك هذا نفسه يقول بانك لا تكفره..وأنت قبل صرحت ذلك..وتلاميذك كلهم يبينون ذلك…
فكيف يكون سرا!!!
حسبي الله…
سوء الظن بالمسلم…” انتهى كلامه.
أصبحنا نحن الذين نسيء الظنَّ به…سبحان الله تعالى!؟
يعني إنه يزعم أنه أراد تبرئتي من القول بتكفير ابن عربي! ما أروعك أيها الشيخ!؟ ثم يقول في صفحته : “والله أعلم بالسرائر” هكذا علناً، والحال أنه لم يتهمنا غيره، ولم يشكك في كلامنا سواه، ولم يشنع علينا إلاه..وغيره من رعاياه تبع له ومصفقون، ومع ذلك فهم مؤاخذون بما يجترحون.
ما هذا الذي نحن فيه…؟!
المسألة ليست شخصية أيها السادة، ولا نريد أن تكون شخصية، ولذلك عزفت عن الكلام مع هذا الشيخ المتسرع لأن شخصيته وطريقته واندفاعه يمنعه من الوصول إلى نتيجة …وإذا علقنا على بعض كلامه من حيث هو كلام له فهذا بالعرض لا لا نقصده لذاته، وقد حاولت تجنب الكلام معه من أول الأمر بصورة مباشرة، لهذه الأسباب، ودعوت له ونصحته، فلم يستمع وأصرَّ على الكلام معي شخصيا….ويا ليته ما فعل….فالمقصد الأساسي الموضوع في نفسه. ..
أما نحن فسوف نطرح بحوثنا، من دون لفت انظارنا لفلان أو علان، ومن أراد من أهل العزم والصدق والصراحة النقاش فأهلا ومرحباً…أما الراغبون في مجرد الجدال والمكابرة فلا نلتفت إليهم… ولا نكف عن إظهار الحق مهما افتروا علينا ومهما شنعوا، ومهما كانت التهم التي ينسبونها إلينا…ومهما كانت المؤامرات والدسائس التي لم يكفوا عنها أصلاً في مختلف البلاد وبين العباد وطلاب العلم والمشايخ، بل وصل الأمر ببعضهم إلى الوقيعة بنا ما هو اقصى من هذا..ومع ذلك فما نتمناه وقع أو لم يقع أن يعودوا إلى رشدهم ويسلكوا الطريقة القويمة …
وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب
