اختلاف الناس لاختلاف أرباب الأسماء والصفات
وعلى كل حال فلنستأنف قراءة ما يقرره الجيلي. فقد قال (2/119): “واختلف الناس في أحوالهم لاختلاف أرباب الأسماء والصفات، قال الله تعالى (كان الناس أمة واحدة) يعني عباد الله مجبولين على طاعته من حيث الفطرة الأصلية، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ليعبده من اتبع الرسل من حيث اسمه الهادي، وليعبده من يخالف الرسل من حيث اسمه المضل، فاختلف الناس وافترقت الملل وظهرت النحل، وذهبت كل طائفة إلى ما علمته أنه صواب، ولو كان ذلك العلم عند غيرها خطأ، ولكن حسنه الله عندها ليعبدوه من الجهة التي تقتضيها تلك الصفة المؤثرة في ذلك الأمر، وهذا معنى قوله (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها) فهو الفاعل بهم على حسب ما يريده مراده، وهو عين ما اقتضته صفاته، فهو تعالى يجزيهم على حسب مقتضى أسمائه وصفاته، فلا ينفعه إقرار أحد بربوبيته ولا يضره جحود أحد بذلك، بل هو سبحانه يتصرف فيهم على ما هو مستحق لذلك من تنوع عباداته التي تنبغي لكماله، فكل من في الوجود عابد لله تعالى مطيع لقوله تعالى (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) لأن من تسبيحهم ما يسمى مخالفة ومعصية وجحوداً وغير ذلك، فلا يفقهه كل أحد” اهـ.
إذن كل واحد في المخلوقات عابد لله تعالى مهما كان وصفه كافرا أو جاحدا أو منكرا أو مؤمنا…الخ، وكلهم مطيع لله تعالى! وهذا لا ريب أن ظاهره مخالف للقرآن الكريم، فإذا كان له تأويل يرفع هذا التناقض والتعارض بناء على قرائن كافية، وإلا فهو في غاية الغرابة!
فهم في الحقيقة مطيعون عابدون، ولكنا نحكم عليهم بحسب ما يظهر لنا منهم أنهم كافرون أو مخالفون! والحكم للحقيقة في نهاية الأمر عن قرب أو عن بعد، كما سترى.
ونرى أن الجيلي يبني هنا على قاعدة وأصل وهو أن الله تعالى جامع الأضداد وبناء على ذلك فما نراه من التنوع راجع لأصله وهو عين الذات.
الطوائف العشرة التي هي أصول الافتراق في الناس جميعاً
ذكر مجموعة من الفرق وقال إنها أصول الملل المختلفة جميعاً، ومدار الجميع على هذه العشر الملل، وهذه الأصول هي: الكفار، والطبائعية، والفلاسفة، والثانوية، والمجوس، والدهرية، والبراهمة، واليهود، والنصارى، والمسلمون، [انظر: الإنسان الكامل، (2/122)] فهذه عشرة فرق وملل هي أصول الاختلاف في الناس، ثم قال (2/122): “وما ثم طائفة من هذه الطواف إلا وقد خلق الله منها ناسا للجنة وناسا للنار، ألا ترى أن الكفار في الزمن المتقدم من النواحي التي لم تصل إليها دعوة رسل ذلك الوقت منقسمون على عاملِ خيرٍ جزاهُ الله بالجنة، وعاملِ شرٍّ جزاه الله بالنار، وكذلك أهل الكتاب….فكل هذه الطوائف عابدون لله تعالى كما ينبغي أن يعبد، لأنه خلقهم لنفسه لا لهم، فهم له كما يستحق، ثم إنه سبحانه أظهر في هذه الملل حقائق أسمائه وصفاته فتجلى في جميعها بذاته فعبدته جميع الطوائف”.
ثم شرع في بيان كيف أن كل طائفة من هذه الطوائف قد عبدت الله تعالى من حيث تجلت فيهم أسماؤه وصفاته، وما آثار هذه العبادة في الآخرة.
أولاً: الكفار
يقول (2/122): “فإنهم عبدوه بالذات، لأنه لما كان الحق سبحانه وتعالى حقيقة الوجود بأسره، والكفار من جملة الوجود، وهو حقيقتهم، فكفروا أن يكون لهم رب، لأنه تعالى حقيقتهم، ولا رب له بل هو الرب المطلق، فعبدوه من حيث ما تقتضيه ذواتهم التي هو عينها” اهـ.
كأنه يعني أن الكفار الذين أنكروا الإله هم في الحقيقة عبدوه، لأنهم لما استقلوا بأنفسهم ولم يلتفتوا إليه، كانوا ملتفتين إليه وعابديه من حيث إنهم قدسوا أنفسهم، فإن الحق حقيقة وجودهم، (فكفروا أن يكون لهم رب لأنه تعالى حقيقتهم) أي كفروا أن يكون لهم رب غير ذواتهم.
ثم قال شارحا أحوال عابدي الأوثان: “ثم من عبد منهم الوثن فلسر وجوده سبحانه بكماله بلا حلول ولا مزج في كل فرد من أفراد ذرات الوجود، فكان تعالى حقيقة تلك الأوثان التي يعبدونها، فما عبدوا إلا الله، ولم يفتقر في ذلك إلى علمهم، ولا يحتاج إلى نياتهم لأن الحقائق ولو طال إخفاؤها لا بد لها أن تظهر على ساق مما هو الأمر عليه وذلك سر اتباعهم للحق في أنفسهم، لأن قلوبهم شهدت لهم بأن الخير في ذلك الأمر، فانعقدت عقائدهم على حقيقة ذلك، وهو عند ظن عبده به، وقال عليه الصلاة والسلام “استفت قلبك ولو أفتوك المفتون”اهـ.
فهم من حيث هم عابدو أوثان فإنما عبدوها لأنهم اعتقدوا فيها الألوهية، إذن هم عبدوا الله تعالى من حيث اعتقدوا ألوهيته في الأوثان! ففي حال عبادتهم الأوثان ما عبدوا إلا الله “فكان تعالى حقيقة تلك الأوثان التي يعبدونها فما عبدوا إلا الله”! ولكن هذا الذي قاله الجيلي هنا ومن قبله غيره ليس بسرّ، أعني أن الكفار لما عبدوا الأوثان أو الكواكب أو أي أمر غير الله تعالى إنما عبدوها لأنهم اعتقدوا فيها الألوهية، هذا أمر واضح، فلا يعبد الواحد إلا ما يعتقد فيه أنه يستحق العبادة أصلاً، ولكن أليس على هذا الأمر عنفهم الله تعالى وحكم عليه بالكفر والخروج عن الحق، وتوعدهم بالعذاب الأليم! فقد توعدهم الله بالعذاب لأنهم نسبوا الألوهية لما لا يستحقها وعبدوه بناء على اعتقادهم الفاسد هذا، فكيف يتسنى للجيلي أن يجعل ما لأجله حكم عليهم بالكفر والعذاب الأليم سببا في فرحهم كما سنرى بعدُ؟!
ثم لو فرضنا أن الحق حقيقة كل موجود كما يعتقد الجيلي بناء على وحدة الوجود، أي إن الوجود الحق الذي قام به كل موجود ومنها الأوثان هو الحق، لو فرضنا هذا صحيحاً، فعبد الكفار هذا الصنم فهل عبدوه من هذه الحيثية، أي هل عبدوه لأنهم لاحظوا هذا الأمر الذي قرره الجيلي؟ يقول الجيلي: هذا لا يهم في حكمنا وموقفنا، فسواء لاحظوه واعتقدوه أو لا، وسواء كانت نيتهم مستورة أم لم يكن، فإن الحقيقة هي كذلك، والعبرة بالحقيقة لا بهذه الأمور والاعتقادات والنوايا. ولذلك قال: “فكان تعالى حقيقة تلك الأوثان التي يعبدونها، فما عبدوا إلا الله، ولم يفتقر في ذلك إلى علمهم ولا يحتاج إلى نياتهم، لأن الحقائق ولو طال إخفاؤها لا بد لها أن تظهر على ساق مما هو الأمر عليه”، إذن فلا يفتقر في هذه المعرفة لا إلى علمهم ولا إلى نياتهم، لأن هذه العبادة عبادة وجودية لازمة لهم، ولو كانت اختيارية لافتقرت إلى نياتهم، وبناء على ذلك يحاسبهم الله تعالى في الآخرة.
ثم قال الجيلي (2/122): “وقال تعالى (كل حزب بما لديهم فرحون) يعني في الدنيا والآخرة لأن الاسم لا ينفك عن المسمى فهو سماهم بأنهم فرحون، ووصفهم بهذا الوصف، والوصف غير مغاير للموصوف، بخلاف ما لو قال فرح كل حزب بما لديهم، كان هذا صيغة الفعل، ولو قال: يفرح على صيغة المضارع كان يقتضي الانصرام، وأما الاسم فهو لدوام الاستمرار، فهم فرحون في الدنيا بأفعالهم وفرحون في الآخرة بأحوالهم، فهم دائمون في الفرح بما لديهم، ولهذا لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه بعد اطلاعهم على ما ينتجه من العذاب لما وجدوه من اللطيفة الملذوذة في ذلك، وهي سبب بقائهم فيه، فإن الحقّ تعالى من رحمته إذا أراد تعذيب عبد بعذاب في الآخرة أوجد له في ذلك العذاب لذة غريزية يتعشق بها جسد المعذب، لئلا يصح منه الالتجاء إلى الله تعالى، والاستعاذة به من العذاب، فيبقى في العذاب ما دامت تلك اللذة موجودة له، فإذا أراد الحق تخفيف عذابه، فقده تلك اللذة فيضطر إلى الرحمة، وهو تعالى شأنه أنه يجيب المضطر إذا دعاه”. انتهى.
إذن هؤلاء الكفار يكونون فرحين في الآخرة، والعذاب يكون لهم عذوبة ولذة غريزية يتعشقها جسدهم! تدوم لهه هذه اللذة ما دام العذاب.
فإذا أراد الله تخفيف العذاب ماذا يفعل: يجعل الكافر المعذَّب يفقد تلك اللذة التي تكون مع عذابه، فيصبح متألماً، فيضطر المعذَّب إلى رحمة الله، والله كما تعلمون يجيب دعوة الداعي إذا دعاه! فيرحمه!
مع كل ما في هذا التصور من غرابة، إلا أننا ما زلنا نقول نحن ههنا يهمنا بيان رأيه، كما هو، مع بعض التعليقات القليلة.
والسر في ذلك التصور الغريب أن عبادة الكفار لله تعالى عبادة ذاتية: “وهي وإن كانت تؤول بهم إلى السعادة فإنها طريق الضلال، لبعد حصول سعادتها، فإنها لا تنكشف لصاحبها الحقائق إلا بعد خوض طباق النار الأخروية جميعها جزاء بما خاض في الدنيا طباق النار الطبيعية بالأفعال والأحوال والأقوال على مقتضى البشرية، فإذا استوفى ذلك قطع طريقه إلى الله تعالى، لأنه نودي من بعد فيصل ذلك إلى سعادته الإلهية، فيفوز بما فاز به المقربون من أول قدمٍ، لأنهم نودوا من قرب، فافهم” اهـ.
إذن الفارق بين المؤمنين بالإٍسلام كما سنرى وبين الكفار هو بعد الطريق وقربه، فالمؤمنون يصلون إلى سعادتهم عن قرب، والكفار يصلونها عن بُعْدٍ بَعْدَ أن يتخطوا طباق النار؟! ونترك التعليق للقراء والعلماء والمهتمين.
هذه هي أحوال الكفار في الآخرة في نظرية الجيلي التي تقترب من نظرة ابن عربي كما هو واضح، ولكن لنركز أكثر ههنا على الجيلي.
ثانيا: الطبائعية
قال الجيلي (2/123): “وأما الطبائعية فإنهم عبدوه من حيث صفاته الأربع، لأن الأربعة الأوصاف الإلهية التي هي الحياة والعلم والقدرة والإرادة، أصل بناء الوجود، فالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة مظاهرها في عالم الأكوان، فالرطوبة مظهر الحياة والبرودة مظهر العلم، والحرارة مظهر الإرادة، واليبوسة مظهر القدرة، وحقيقة هذه المظاهر ذات الموصوف بها سبحانه وتعالى فلما لاح لسائر أرواح الطبيعيين تلك اللطيفة الإلهية الموجودة في هذه المظاهر، وعاينوا أثر أوصافه الأربعة الإلهية ثم باشروها في الوجود على حرارة وبرودة ويبوسة ورطوبة، علمت القوابل من حيث الاستعداد الإلهي أن تلك الصفات معان لهذه الصور، أو قل أرواح لهذه الأشباح، أو قل ظواهر لهذه المظاهر، فعبدت هذه الطبائع لهذا السرّ فمنهم من علم ومنهم من جهل، فالعالم سابق والجاهل لاحق فهم عابدون للحق من حيث الصفات، ويؤول أمرهم إلى السعادة، كما آل أمر من قبلهم إليها بظهور الحقائق التي بنى أمرهم عليها” انتهى.
إذن الطبائعية أيضا يؤول أمرهم إلى السعادة، كما آل أمر من قبلهم بظهور حقائق المظاهر التي بنى أمرهم عليها وعبدوها، ولكنهم لم يكونوا يعلمون أن حقيقة هذه المظاهر هي ذات الموصوف بها سبحانه! فهم كانوا يعبدون الحق وهم لا يعلمون ولذلك يؤول أمرهم إلى السعادة بعد أن يمروا في العذاب الذي يتلذذون به، ومن ثم إلى الرحمة الإلهية الدائمة، على النسق الذي ذكر عليه حال الكفار.
ثالثا: الفلاسفة
ذكر الجيلي أن الفلاسفة عبدوه من حيث أسماؤه تعالى فقال (2/124): “وأما الفلاسفة فإنهم عبدوه من حيث أسماؤه سبحانه وتعالى، لأن النجوم مظاهر أسمائه وهو تعالى حقيقتها بذاته، فالشمس مظهر اسمه الله، لأنه الممدّ بنوره جميع الكواكب، كما أن الاسم الله تستمد جميع الأسماء حقائقها منه…”، وأكمل يبين على طريقته كيف أن كل كوكب مظهر لبعض أسماء الله تعالى: كالقمر، وزحل، والمريخ والزهرة، وعطارد، ثم قال: “وما لا يعلم من الكواكب الباقية فإنها مظاهر أسمائه التي لا يبلغها الإحصاء، فلما ذاقت ذلك أرواح الفلاسفة من حيث الإدراك الاستعدادي الموجود فيها بالفطرة الإلهية، عبدت هذه الكواكب لتلك اللطيفة الإلهية الموجودة في كل كوكب، ثم لما كان الحق حقيقة تلك الكواكب اقتضى أن يكون معبودا لذاته فعبدوه لهذا لسرّ، فما في الوجود شيء إلا وقد عبده ابن آدم، وغيره من الحيوانات كالحرباء فإنها تعبد الشمس، وكالجعل يعبد النتانة وغيرهما من أنواع الحيوانات، فما في الوجود حيوان إلا وهو يعبد الله تعالى، إما على التقييد بمظهر ومحدث، وإما على الإطلاق فمن عبده على الإطلاق فهو موحد، ومن عبده على التقييد فهو مشرك، وكلهم عباد الله على الحقيقة لأجل وجود الحق فيها، فإن الحق تعالى من حيث ذاته يقتضي أن لا يظهر في شيء إلا ويعبد ذلك الشيء، وقد ظهر الحق في ذرات الوجود، فمن الناس من عبد الطبائع، وهي أصل العالم، ومنهم من عبد الكواكب، ومنهم من عبد المعدن، ومنهم من عبد النار، ولم يبق شيء في الوجود إلا وقد عبد شيئا من العالم، إلا المحمديون فإنهم عبدوه من حيث الإطلاق بغير تقييد بشيء من أجزاء المحدثات فقد عبدوه من حيث الجميع، ثم تنزهت عبادتهم عن تعلقها بوجه دون وجه من باطن وظاهر، فكان طريقهم صراط الله إلى ذاته، فلهذا فازوا بدرجة القرب من أول قدم، فهؤلاء الذين أشار إليهم الحق بقوله (أولئك ينادون من مكان قريب)، بخلاف من عبده من حيث الجهة وقيده بمظهر كالطبائع أو الكواكب أو كالوثن أو غيرهم، فإنهم المشار إليهم بقوله (أولئك ينادون من مكان بعيد) لأنهم لا يرجعون إليه إلا من حيث ذلك المظهر الذي عبدوه من حيث هو، ولا يظهر عليهم في غيره، وذلك عين البعد الذي نودوا إليه من حيث هو، وبعد الوصول إلى المنزل يتحد من نودي من قريب ومن نودي من بعيد، فافهم”اهـ.
وسوف نوضح أفكار الجيلي التي ذكرها هنا في نقاط تيسيرا لفهمها:
أولاً: بما أن الكواكب التي ذكرها الجيلي وما لم يذكره منها كل واحد منها مظهر لبعض أسماء الله تعالى وصفاته، ولا أدري كيف جعل المشتري مثلا مظهرا لاسم الرب، والقمر مظهرا للرحمن، وجعل الشمس مظهرا لاسم الجلالة المعظم، والمريخ مظهر القدرة والزهرة مظهر الإرادة، إلا لاعتبارات سخيفة لا ينبغي الالتفات إليها، كما قال إن الشمس يمد الكواكب بنوره، والقمر لأنه أكمل الكواكب يحتمل نور الشمس! والمشتري أسعد كوكب في السماء، والزحل مظهر الواحدية لأن كل الأفلاك تحت حيطته، كما يظهر من الصورة، وأما عطارد عند الجيلي فهو مظهر العلم لأنه الكاتب في السماء!
وهذا كله بناء على تصور مغلوط قديم لمواضع الكواكب والنجوم وعلى خيالات لا قيمة لها. والمناسبات المذكور في كلامه لا يليق أن يبنى عليها كما هو واضح في الكلام الذي يقرره هنا.
ومعلوم أن ذلك لا دليل عليه أصلا، وأهل السنة ومعهم معظم الفرق الإسلامية يقولون إن الله تعالى يخلق الكواكب بقدرته، ويخصص كل واحد منها بصورته التي هو عليها بإرادته.
وترتيب الكواكب التي تكلم عليها ترتيب غير صحيح بحسب نفس الأمر، والمفروض بعتباره كاشفا أن يعيد ترتيب الكواكب، ويعلم مكان فلك زحل والشمس. والسؤال الأهم من ذلك ألم يصل كشف لما وراء هذه الكواكب فلم ينكشف له ولا لغيره الكواكب الأخرة في المجموعة الشمسية، فضلا عن الكواكب والشموس الأخرى في العالم كله. وبعد ذلك كله يزعمون أن هذا كله نتيجة الكشف، وأن ما يقولونه حق وواقع!

وأما باعتبار الفلك الحديث: فهذه هي مواقع الكواكب بحسب قربها من الشمس التي تبين أنها في مركز المجموعة الشمسية.

وهذا يبين أن الجيلي وغيره من الذين يزعمون اعتمادهم على الكشف وأن ما يقولونه ظاهر لا شك فيه، فيه ما فيه، وإنما كانوا يعتمدون في هذه التصورات المغلوطة على الفلك القديم الذي لم يسلمه كثير من المتقدمين، كما لم يسلم أكثر المتكلمين بتصور الفلاسفة القدماء عن العالم، ولا على الأصول الكلية التي بنوا رأيهم عليها، كما فعل بعض المنتسبين للتصوف من هذه المدرسة، واستعاروا منهم مفاهيم وأحكاماً وإن أسموها بأسماء أخرى في بعض الأحيان! ولا نستطيع أن نسلم لمن يزعم منهم أنه نال هذا العلم! عن طريق الكشف الإلهيّ وأنه لا يقول إلا بالحق في نفس الأمر! فكل هذه دعاوى لا يمكن التسليم بها، كما لا يمكن لنا أن نوافق من يزعم دفاعا عنهم أن لها رموزا ومعاني لا نفهمها فإن هذا لا دليل عليه أيضا، ولا يبعث القائلين على أن يقولوا ذلك إلا محبتهم لدفع الحكم بالغلط على رؤساء هذه المدرسة، ولكن المحبة لا تكفي معيارا للعلم كما هو ظاهر، ولا يمكن التسليم بأن كل هذه الفقرات والتعليلات والمباني والتأصيل مدسوس في كتبهم عليهم، وأنهم بريئون من ذلك كله! فهو مسلك لا يوجد عليه أدلة! كما أن تأويل مثل هذه العبارات تأويلا متعسفا أو متكلفًا، غير مبني على قواعد مرعية ومن دون وجود قرائن كافية لحملها على محامل مرضية مخالف للعلم.
ونحن نعتقد أن مسايرة هذه الطرق غير المبنية على أسس معرفية كافية عقلا ولا نقلاً لا يؤول إلا إلى نتائج وخيمة على فكر أهل السنة، ولذلك نحاول أن نلفت أنظار المهتمين من المشايخ والعلماء والدارسين إلى بعض الإشكالات التي تشتمل عليها هذه المدرسة. مع إدراكنا أن لهم موافقات مع أهل السنة لا تخفى، ولكن هذه المسائل التي يخالفون فيها أهل السنة أيضا مسائل أصلية سواء في علم التوحيد أو غيره من العلوم الشرعية عندهم، وليست عرضية ولا زائدة على مذهبهم، فلا بدَّ من مراعاة ذلك.
ونحن إذ نقول ذلك لا ننكر حقهم في الفهم وصياغة ما يريدون من تصورات ونظريات، ولكن غاية ما نطمح إليه هو أن يتم التمييز بين نتاج أعمالهم وفكرهم أو كشفهم، فليسموه ما شاءوا أن يسموا! وبين ما يقرره أهل السنة والجماعة المعتبرين من المتقدمين والمتأخرين من أهل النظر والكلام والفقه والأصول والتصوف المعتبر عند أهل الحقّ.
ثانيا: لا ندري ما معنى كون الجعل يعبد النتانة، والحرباء تعبد الشمس! فهذا كلام غريب عجيب.
ثالثا: قوله إن الحق حقيقة تلك الكواكب مبني على تصوره الفاسد وقاعدته الموهومة من وحدة الوجود، أي أن الوجود في الكون واحد وكل ما نراه ونشاهده إن هو إلا مظاهر للوجود الواحد الحق الذي يظهر بهذه المظاهر وهي أحكام الممكنات، فالله تعالى لا يوجد شيئا من عدم، بل يظهر بمظاهرها المعدومات، والوجود يبقى وجودا، والمعدوم يبقى عدما، ولا يبرز الله شيئا إلى الوجود، لأن الوجود أصلا واحد وواجب، وهو الحق، ولا يمكن إيجاد شيء أصلا وجودا حقيقيا، فكل ما نسميه بالوجود إن هي إلا مظاهر إضافية ونسب.
رابعا: كل الناس يعبدون الله إما بتقييد او بإطلاق، فمن عبده بإطلاق فهو الموحد، ومن عبده بلحاظ ذاته في شيء من المخلوقات فهو قد قيده، فهو مشرك، ولكن هذا لا يمنع أنهم كلهم عباد الله على الحقيقة لا مجازاً، لأن الحق موجود في الأشياء!!
خامساً: كان من الواجب واللازم أن يعبد كل ما ظهر الله تعالى فيه، فلذلك ما من شيء في العالم إلا وهو معبود من بعض الموجودات.
سادساً: ولكون الكفار والمشركين لم يعبدوا الحق ملاحظين إطلاقه بل بلحاظ تقييده، فقد بعد عليهم الخلاص قليلا في الآخرة، وامتدت عليهم مسافة السعادة والفرح كما تقدم، وهذا هو المناداة عليهم من مكان بعيد، بخلاف المحمديين الذين عبدوه بإطلاقه، فينادون من مكان قريب.
سابعا: في الآخر وفي آخر الأمر يرجع كل واحد إلى الحقيقة التي عبدها عن قرب أو عن بعد، وذلك بعد أن يمر بمراحل تتقوى فيه القوى الإلهية والمظاهر الروحية، وهذا هو قوله: “وبعد الوصول إلى المنزل، يتحد من نودي من قريب ومن نودي من بعيد” فافهم! فالكل فرح مسرور في الآخرة آخر الأمر كما مرَّ مراراً. والاتحاد في الأحوال الباعثة على السعادة والفرح واجب لازم لا ريب فيه في نظرية الجيلي.
هذا هو خلاصة ما قرره الجيلي تبعا لبعض أصول لابن عربي مع أسلوبه الخاص وإضافاته وتلخيصه لما تباعدت أركانه في كلام ابن عربي.
رابعا: الثنوية
والثنوية لهم نصيب من المعرفة أيضا ولهم نصيب من عبادة الله تعالى، قال الجيلي (2/125): “وأما الثنوية فإنهم ما عبدوه من حيث نفسه تعالى، لأنه تعالى جمع الأضداد بنفسه، فشمل المراتب الحقية والمراتب الخلقية وظهر في الوصفين بالحكمين، وظهر في الدارين بالنعتين، فما كان منسوبا إلى الحقيقة الحقية فهو الظاهر في الأنوار، وما كان منسوبا إلى الحقيقة الخلقية فهو عبارة عن الظلمة، فعبدوا النور والظلمة لهذا السر الإلهيّ الجامع للوصفين والضدين والاعتبارين والحكمين كيف شئت من أي حكم شئت، فإنه سبحانه يجمعه وضده بنفسه، فالثنوية عبدوه من حيث هذه اللطيفة الإلهية مما يقتضيه في نفسه سبحانه وتعالى، فهو المسمى بالحق وهو المسمى بالخلق، فهو النور والظلمة”اهـ.
كلام غريب عجيب لا يليق بمتشرع، بل أقرب للأساطير منه إلى الدين الحقّ. وعلى كل حال فأنت ترى أن الجيلي يعتقد أنَّ الثنوية إنما عبدوا النور والظلمة لأن النور والظلمة مظهران من مظاهر الله تعالى، سواء كان ذلك معلوما منويا مقصوداً عندهم أو لا، وبالقطع سيكون مآلهم إلى الفرح والسرور في آخر الأمر كما هو الحكم في غيرهم، لأن مآلهم إلى الفرح لا يتوقف على قصدهم عبادة الله تعالى ولا على علمهم بهذه الأسرار! التي يذكرها الجيلي، وإن لم يذكر ذلك في هذه الفقرة بصريح العبارة.
خامساً: المجوس
قال الجيلي (2/125): “وأما المجوس فإنهم عبدوه من حيث الأحدية، فكما أن الأحدية مفنية لجميع المراتب والأسماء والأوصاف، كذلك النار فإنها أقوى الاستقصات وأرفعها، فإنها مفنية لجميع الطبائع بمحاذاتها، لا تقاربها طبيعة إلا وتستحيل إلى النارية لغلبة قوتها، فكذلك الأحدية لا يقابلها اسم ولا وصف إلا ويندرج فيها ويضمحلّ، فلهذه اللطيفة عبدوا النار وحقيقتها ذات الله تعالى”.
وقال (2/126): “فالنار في الطبائع مظهر الواحدية في الأسماء، فلما انتقشت مشام أرواح المجوس لعطر هذا المسك زكمت عن شمّ سواه، فعبدوا النار وما عبدوا إلا الواحد القهار”اهـ. ولا حول لا قوة إلا بالله!
إذن المجوس إنما عبدوا النار لأن حقيقتها هو الحق تعالى، وآخر أمره إلى السعادة وإن كان الأمر بالنسبة لهم فيه بعد ولذلك ينادون من مكان بعيد، ولكنهم في آخر الأمر يتحدون مع غيرهم في السعادة