الصورة المحمدية هي النور الذي خلق الله منه الجنة والجحيم
تكلم الجيلي في الباب الثامن والخمسين في الصورة المحمدية وأنها النور الذي خلق الله منه الجنة والجحيم، والمحتد الذي وجد منه العذاب والنعيم.
قال في (2/46) : “اعلم وفقك الله لمعرفته وجعلك من أهل قربته، أن الله خلق الصورة المحمدية من نور اسمه البديع القادر، ونظر إليه باسمه المنان القاهر، ثم تجلى عليها باسمه اللطيف الغافر، فعند ذلك تصدعت لهذا التجلي صدعين، فصارت كأنها قسمت نصفين، فخلق الله الجنة من نصفها المقابل لليمين، وجعلها دار السعادة، ثم خلق النار من نصفها المقابل للشمال وجعلها دار الأشقياء أهل الضلال، وكان القسم الذي خلق منه الجنان هو المنظور إليه باسمه المنان، فهو لسرِّ تجلي اللطيف محل كل كريم عند الله شريف، والقسم الذي خلق الله منه النار وهو المنظور إليه باسمه القاهر، وهو لسر تجلي الغافر يشير إلى قبول أهلها إلى الخير في الآخر”.
فما هو هذا الخير في الآخر!؟
يقول الجيلي: إن أهل النار كلما عذبهم الله تعالى بأنواع العذاب خلق لهم قوة على تحمل هذا العذاب، ليذوقوا عقابه، وهكذا مع كل عذاب تزداد قواهم، فاستمع لما يقول مكملا كلامه السابق: (2/47): “كما قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن النار “أن الجبار يضع فيها قدمه، فتقول قط قط، فينبت فيها شجر الجرجير” وسرّ هذا الحديث هو أن الله كلما خلق لأهل النار عذاباً خلق لهم قوة على حمل ذلك العذاب، وإلا لهلكونا، وانعدموا، واستراحوا من العذاب، فلا بد أن يخلق لهم قوة على حمل ما أنزله بهم من العذاب ليذوقوا عقابه، وهو قوله تعالى (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب) فبتبديل الجلود تجدد لهم قوى لم تكن عندهم، فيقولون في أنفسهم لعله يعذبنا بما هو كيت وكيت، لاستشرافهم على ما جعله في قابلية تلك القوة من حمل العذاب، فيوجده الله عندهم فيحلون بذلك ويعذبون به، فكشفهم الذي وقع في أنفسهم هو بمثابة المبشر لهم بالعذاب بذلك، ويعذبون به، فكشفهم الذي وقع في أنفسهم هو بمثابة المبشر هم بالعذاب ليكون إهانة على إهانة، كما أن أهل الجنة أيضا يبشرون بنعيمهم قبل وقوعهم فيه” اهـ، لاحظ هنا النقطة المهمة وهي أن الله تعالى يعطيهم قوى ليتحملوا العذاب فوق العذاب، وتأمل بعد قليل فائدة هذا القول عند الجيلي، فإن تلك القوة تصبح نعمة من عند الله تعالى لهم، لا يسترجعها لأنها موهوبة بيد المنة، وهذه القوى هي السبب في ظهور القوة الإلهية التي عندها يضع الجبار في النار قدمه! إلى أن يقول الجيلي (2/47): “ثم إن أهل النار إذا زال عنهم عذاب وتجدد لهم غيره، لا تزول عنهم القوى الأولى لأنا موهوبة بيد المنة، ولا يسترجع الحق في هبته، والعذاب نازل بهم بيد القهر، فله أن يرفعه ويجعل غيره، ثم لا يزالون يزدادون قوة بقوة كل عذاب حتى ينتهوا إلى أن يظهر فيهم أثر تلك القوى قوة إلهية، فإذا ظهرت فيهم تلك القوة الإلهية جبرتهم إلى أن يضع الجبار قدمه في النار، لأن صفات الحق لا تظهر في أحد فيشقى بعدها”اهـ.
إذن إذا ظهرت فيهم قوة الحق لا يشقون بعد ذلك. وعدم الشقاء ينافي العذاب، ولكن لنرى كيف لا يشقون وهل ينتهي عنهم العذاب كليا من كل وجه أم يبقى منه وجه؟
رحمتي سبقت غضبي
قال الجيلي (2/48): “اعلم أنه لما كانت النار غير أصلية في الوجود زالت آخر الأمر، وسر هذا أن الصفة التي خلقت منها مسبوقة، والمسبوقة فرع للسابق، وذلك قوله: “سبقت رحمتي غضبي” فالسابق هو الأصل والمسبوق فرع عنه، ألا ترى كيف لما كانت الرحمة أصلا انسحب حكمها من أول الوجود إلى آخره، ولم يكن الغضب منسحبا من أول الوجود إلى آخره، لأن إيجاده للمخلوق من العدم رحمة لا غضب عليه، لأنه لم يأت بذنب حتى يستوجب به الغضب، ألا تراه قال سبحانه (ورحمتي وسعت كل شيء) ولم يقل: وغضبي وسع كل شيء؛ لأنه أوجد الأشياء رحمة منه، فلهذه النكتة لم ينسحب الغضب أيضا إلى آخر الوجود، والسر في هذا أن الرحمة صفة ذاتية له سبحانه، والغضب صفة ليست بذاتية” الخ” اهـ.
يفهم من هذا أن هناك فارقا بين الرحمة والغضب، ونرى ههنا تشابها كبيرا بين الأصول التي يبني عليها الجيلي والتي يقررها ابن عربي كما في فتوحاته، وتفسير الغضب وسبق الرحمة للغضب يتوافق فيها ابن عربي والجيلي مع ابن تيمية وتابعه ابن القيم كما تبين في مناقشاته في قوله بفناء النار.
فلنكمل بيان الجيلي للنار وجهنم. فقد قال (2/48): “ثم اعلم أن النار لما كان أمرها عارضا في الوجود جاز زوالها، وإلا لكان مستحيلاً، وليس زوالها إلا إذهاب الإحراق عنها، وبذهاب الإحراق عنها تذهب ملائكتها، وبذهاب ملائكتها ترد ملائكة النعيم، فينبت بورود ملائكة النعيم في محلها شجر الجرجير وهو خضرة وأحسن لون في الجنة لون الخضرة، فانعكس ما كان جحيما إلى أن صار نعيما، كما في قصة إبراهيم الخليل عليه السلام…الخ) اهـ.
هو يتكلم الآن عن أن النار ستذهب خاصية الإحراق عنها، وبزوال الإحراق يأتي النعيم بورود ملائكة النعيم. إذن ستصبح النار نعيما خضرة فيها ملائكة النعيم. ولنكمل كلامه فقد قال (2/48): “كما في قصة إبراهيم الخليل عليه السلام حيث قال الحق سبحانه وتعالى لناره (كوني بردا وسلاما على إبراهيم) فصارت رياحين وجنات، ومحلها باقٍ على ما هو عليه، ولكن ذهبت النار، وإن شئت قلت: لم تذهب النار ولكن انتقل ألم العذاب إلى الراحة، فكذلك الجحيم يوم القيامة، فهي زائلة وإن شئت قلت: إنها على حالها باقية، ولكن انتقل أمر عذاب أهلها إلى الراحة، فهو كذلك” اهـ .
إذن النار والجحيم في الآخرة تنقلب إلى راحة لأهلها، وليس هذا بالطبع في أول الأمر بل في آخره كما يقرره ابن عربي أيضا.
النار مخلوقة من اسم القهار
والنار مخلوقة في رأي الجيلي من اسم الله القهار كما في ص48، وقد مرَّ أنه يقول إن النار غير أصلية في الوجود، ولذلك تزول آخر الأمر، وأنّ السر في ذلك أن الصفة التي خلقت منها النار مسبوقة، والمسبوق فرع للسابق، يشير إلى قوله “سبقت رحمتي غضبي”. وهذه الأصول التي يبني عليها الجيلي كلها لها مدخلية في بناء رأيه الذي يقول به، ولذلك فإننا نقول إن قولهم بفناء ألم النار أو تحولها إلى عذوبة آخر الأمر، مبني على أصول يمكن أن يتم التدبر فيها والنظر هل هي وجيهة او لا، وليس الأمر كما يزعم بعضهم كشفا فقط أو ذوقاً، بحيث لا يصح لغيرهم أن يناقشوهم فيما يظهر لهم في التجليات الكشفية.
تجليات الله السبعة على النار
والله عند الجيلي تجلى على النار سبعة تجليات فصارت هذه التجليات أبواباً لها، فالتجلي الأول باسمه المنتقم، والتجلي الثاني باسمه العادل، والثالث باسمه الشديد، والرابع بصفة الغضب، والخامس باسمه المذلّ، والسادس باسمه ذي البطش، والسابع باسمه ذو عقاب أليم، قال الجيلي (2/50) يشرح هذه الحالة: ” فانفتح فيها واد يسمى جهنم دركاتها ثلاث وعشرون ألف ألف درك وأربعون ألف درك، بين كل درك ودرك أحقاب لا تكاد أن تتناهى إلاَّ في القدرة، وأما على ترتيب الحكمة فلا، وهو لأن القدرة قد تبرز ما لا يتناهى متناهيًا، وتظهر وتبرز الشيء اليسير المتناهي بلا نهاية، وكل أحوال القيامة أو أكثرها من طريق القدرة، لأن الدنيا دار الحكمة والآخرة دار القدرة، حتى أن الحال الواحد من أحوال أهل النار وأحوال أهل الجنة يجده صاحبه منسحباً من الأزل إلى الأبد، لا يجد لذلك من آخر ولا أول، فيكون فيه مثلاً بقدر ما بين الأزل إلى الأبد، وهو آن واحد ووقت واحد غير متعدد، ثم ينتقل منه إلى غيره كما يريد االله تعالى، وهذا سرّ عجيب لا يكاد العقل أن يقبله، بل لا يطيقه، لأن العقل منوط بالحكمة والكشف منوط بالقدرة، فلا يعرفه إلاَّ صاحب كشف، ثم إن الحق خلق باب هذه الطبقة من الكفر والشرك، قال االله تعالى : (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية) فعذابهم شرّ العذاب، لأن جهنم لا يتناهى أمر عذابها، وهذا معنى قوله: (يوم نقول لجهنم هل امتلأت فتقول هل من مزيد)لعدم التناهي”.
ثم قال في ص52: “واعلم أن أهل كل طبقة لا يخرجون منها حتى يخوضوا جميع دركات تلك الطبقة جميعها، فمنهم من يسهل االله عليه خوضها ومنهم من يعسره عليه، فإذا قطع الرجل جميع الدركات حينئذ يضع الجبار قدمه في النار فيكون ما قد سبق بيانه في الحديث”. اهـ، وأظنه يشير بعبارته الأخيرة إلى ما يحصل في العذاب من تغير وتبدل في أثره!
أفلاطون قطب للزمان يملأ العالم الغيبي نوراً
قال الجيلي ص52: “ثم اعلم أن أهل النار قد ينتقلون من طبقة إلى طبقة غيرها، فينتقل الأعلى إلى الطبقة الأدنى تخفيفا عليه، وقد ينتقل الأدنى إلى الأعلى تشديداً في عذابه، كل ذلك على قدر ما يريده الله تعالى لأهل العذاب من الزيادة والنقصان، …” اهـ، ثم قال في الفقرة نفسها ص52: “ولقد اجتمعت بأفلاطون الذي يعدونه أهل الظاهر كافراً فرأيته وقد ملأ العالم الغيبي نورا وبهجة، ورأيت له مكانة لم أرها إلا لآحاد من الأولياء فقلت له من أنت؟ قال: أنا قطب للزمان وواحد الأوان، ولكم رأينا من عجائب وغرائب مثل هذا ليس من شرطها أن تفشى”اهـ. إذن أفلاطون ليس كافرا إلا عند أهل الظاهر، وله بهجة، وهو قطب للزمان في عرف الجيلي. ولو اكتفى بالقول بأنه ليس كافراً، لأمكن أن نتعقله لإمكان فرض عدم وصول نبي إليه ولكونه مثلا من أهل الفترة، ولكن إذا كان كذلك، فكيف يمكن أن يكون أيضا قطبا للزمان! ومالئا العالم نورا وبهجة! ولا أدري هل رآه في النار وهو المناسب لذكره في بابها! فهل يكون في النار بعض أقطاب الزمان!؟ كيف يمكن أن نفهم ذلك كله على قوانين الإسلام…؟! مع علمنا بمقالات أفلاطون!؟
أنواع لذات أهل النار:
قال الجيلي في (2/53): “ثم اعلم:
1-أن لأهل النار لذة فيها تشبه لذة المحاربة والمضاربة عند من خلق لذلك، فإنا قد رأينا كثيرا من الناس يتلذذون بالمحاربة والمضاربة وهم عارفون أنهم يتألمون بذلك، ولكن الربوبية الكامنة التي هي في النفس تحملهم على خوض ذلك.
2-ثم إن لهم لذة أخرى تشبه لذة من به جرب، فيحكه، فهو وإن كان يقطع من جلد نفسه يتلذذ بذلك الحك، فهو بين عذاب ولذة.
3-ولهم لذة أخرى تشبه لذة الجاهل المستغني برأيه، ولو أخطأ مثاله فيما قد شهدناه” اهـ
هذه بعض أنواع اللذات التي تعرض لأهل النار في النار، ومهما قيل في أنها في الحقيقة ألم، ولكنه يقول إنهم يتلذذون بها، فالمحارب يتلذذ بالمحاربة لأنه يعلم أن غايته منها الخير، ومن أين للجيلي أن لأهل النار لذة مثل هذه اللذة، والجاهل المستغني برأيه إنما يتلذذ لأنه يكون محجوباً، أما أهل النار فلا حجاب عن إثمهم ومعصيتهم، فأعمالهم الباطلة تنكشف لهم بما فيها من باطل، فكيف يمكن أن نفهم أن لهم لذة كلذة الجاهل!
4-ثم قال: “ولهم أي لأهل النار لذة أخرى تشبه لذة العاقل بعقله عند تخطئته للجاهل الذي وافقته الأقدار وساعده تقلب الليل والنهار، فهو وإن كان لا يستحسن الأمور التي حصلت للجاهل لا يرضى بحالته ولا يصنع مثل صنع الجاهل مما تحصل به تلك السعادة، بل يبقى خائضاً في بحار شقاوته ولازما لرياسة نفسه باقيا على ما يقتضيه عقله وفكره، متلذذا بحالة نفسه مستنفراً من حالة الجاهل.
5-ثم لهم لذة مختلفة حتى إني اجتمعت بجماعة هم في أشد العذاب من النار فرأيتهم في تلك الحالة والجنة تعرض عليهم وهم كارهون لها، هذا حال طائفة.
6- ورأيت طائفة بعكس هؤلاء يتمنون نفسا من أنفاس الجنة أو شربة من مائها، فلا يوافقهم القدر في ذلك، وهم الذين قال الله عنهم إنهم يقولون لأهل الجنة (أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله)، يعني الطعام (قالوا إن الله حرمهما على الكافرين).
أجناس أهل النار
ثم اعلم أن جميع ما ذكرناه ليس بمنسحب على أهل النار، بل هم أنواع وأجناس:
1-فمنهم المتلذذ في عذابه.
2-ومنهم من عذابه محض ليس فيه لذة، البتة، بل أشد ما يكون من النفور في أنفسهم.
3-ثم منهم من آل به إلى العذاب وفور عقله الذي كان له في دار الدنيا، ومنهم من آل به إلى العذاب وفور جهله فيها، ومنهم من آل به إلى العذاب عقائدهم، ومنهم من آل به إلى العذاب أعماله، ومنهم من آل به إليها كلام الناس في حقه بثناء ما لم يكن فيه، ومنهم من آل به إليها كلامهم بما فيه من القبائح، أو من المحاسن أو بما ليس فيه من المساوي.
وأمر أهل النار غريب جدا وهو سر قوله (هؤلاء إلى النار ولا أبالي، وهؤلاء إلى الجنة ولا أبالي).
ثم اعلم أن من أهل النار أناساً عند الله أفضل من كثير من أهل الجنة، أدخلهم دار الشقاوة ليتجلى عليهم فيها فيكون محل نظره من الأشقياء، وهذا سرّ غريب وأمر عجيب، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد”. اهـ.
إذن هذه هي أصناف أهل النار في رأي الجيلي.
هذه أنواع أهل النار، ومراتبهم وأنواع عذابهم أو لذتهم في النار، مع ذكر الأسباب التي أودت بهم إلى النار.
فبعضهم يتلذذ وبعضهم يتعذب ويتألم، وبعضهم يرفض دخول الجنة ويكرهها وهي تعرض عليه! وهذا فعلا أمر غريب عجيب، فحتى لو فرضنا لذة أهل النار، فكيف يمكن أن نتعقل أن أهل النار يصبحون إلى حالة يرفضون دخول الجنة في حال عرضها عليهم، ويفضلون البقاء في النار إلا إذا كان مكثهم في النار أكثر لذة من دخلوهم الجنة! وبعضهم على العكس من ذلك وهكذا.
ونرى أن هذه الأقسام فيها تفصيل أكثر مما ذكره ابن عربي في بعض المواضع، وأكثر كلام ابن عربي فيه تصريح بأن العذاب ينقطع عنهم جميعا، ولكنا نرى أن الجيلي يقسمهم فبعضهم يتلذذ في عذابه، وبعضهم يتعذب بلا لذة في عذابه.
بعض أهل النار أفضل من كثير من أهل الجنة عند الله
بل إن في أهل النار قسما هم أفضل من كثير من أهل الجنة عند الله تعالى، وهذا في غاية الغرابة فعلاً!؟ فكيف يمكن أن يكون في أهل النار، من هو أفضل عند الله تعالى من كثير من أهل الجنة!؟ تفسير ذلك عند الجيلي سهل ميسور: “أدخلهم دار الشقاوة ليتجلى عليهم فيها فيكون محل نظره من الأشقياء، وهذا سر غريب وأمر عجيب يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد”اهـ. نعم يفعل الله تعالى ما يشاء ويحكم ما يريد، ولكن ألم يخبرنا في كتابه أنه لا يظلم أحداً، وأنه يستحيل أن يدخل النار إلا من استحقها بفعله أو عناده أو إبائه عن الانقياد لله تعالى، فمن أين يعرف الجيلي أن بعض أهل النار أفضل عند الله تعالى من كثير من أهل الجنة؟! وما معنى الأفضلية ههنا!؟
من الواضح أن مسألة التجليات ولزوم وجود تعلقات للصفات الإلهية أي لزوم كونها فاعلة، ومسألة الترتبات بين الصفات لها مدخلية أكيدة هنا، ولسنا في محل مناقشة آراء الجيلي، بل نكتفي فقط بعرضها ولفت النظر إلى وجود الإشكاليات في بعضها. ونترك النقد التفصيلي للحريصين على ذلك.
وضع إبليس في نظرية الجيلي:
كان إبليس كما يقر الجيلي في أول أمره قد خلق وأتباعه من نفس محمد صلى الله عليه وسلم قال (261): “اعلم أن الله تعالى لما خلق النفس المحمدية من ذاته، وذات الحق جامعة للضدين، خلق الملائكة العالين من حيث صفات الجمال والنور والهدى من نفس محمد صلى الله عليه وسلم، وخلق إبليس وأتباعه من حيث صفات الجلال والظلمة والضلال من نفس محمد صلى الله عليه وسلم، وكان اسمه عزازيل، قد عبد الله تعالى قبل أن يخلق الخلق بكذا كذا ألف سنة”، ثم لما أمره الله تعالى بالسجود ورفض بحجته الشهيرة أنه خلق من نار، وآدم من طين، وعبر عنها الجيلي بأنه : “التبس الأمر على إبليس، فظنَّ أنه لو سجد لآدم كان عابداً لغير الله، ولم يعلم أن من سجد بأمر فقد سجد لله، فلهذا امتنع، وما سمي إبليس إلا لنكتة هذا التلبيس الذي وقع فيه فافهم” انتهى، ونحن نعلم أن الملائكة وإبليس لم يكن هناك شبهة لديهم في أن الله تعالى أمرهم بأن يعبدوا غيره، ولا يوجد هناك ما لأجله يفترض ذلك، فالسجود سجود تكريم كما هو واضح، والتعليل الذي احتج به إبليس لا يخدم هذا التعليل الذي أورده الجيلي، فقد قال إبليس: “أأسْجُدُ لمن خلقتَ طينا”، وقال “أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين”، إذن الأمر ليس كما أورده الجيلي هنا أن إبليس ظنَّ أنه إن سجد لآدم كان عابدا لغير الله تعالى، فلم يكن الأمر أمر عبادة أصلاً، بل أبى واستكبر عن تكريم من أمره الله بتكريمه، كما نص عليه الله تعالى فقال (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين)، والذي نلاحظه أن ظاهر تعليل الجيلي مخالف للمنصوص عليه في الآيات القرآنية، وهذا يحتاج لتدبر وتأمل! فهو غريب!
وتأمل كيف يقول إن النفس المحمدية خلقت من ذاته بهذا التعبير الغريب، ولن نقف هنا عند هذه الفكرة، لأن غرضنا التعليق أساسا على ما له علاقة مباشرة بالمسألة محل البحث.
وعلى كل حال فلا نريد كما قلنا مناقشة الجيلي ههنا، بل المراد مجرد عرض آرائه في هذه المسألة.
إذن هذا ما كان عليه إبليس في أول أمره، وسوف نرى أن الجيلي سيرتب على ذلك أمرا بعدُ، فتعالوا نرَ ما الذي يريده!
قال الجيلي (2/62): “فاللعنة بطريق الأصالة على إبليس وبطريق التفريع على غيره، وقوله (إلى يوم الدين) حصر، فإذا انقضى يوم الدين، فلا لعنة عليه، لارتفاع حكم الظلمة الطبيعية في يوم الدين، وقد مرًّ تفسير يوم الدين في الباب الموفي أربعين من هذا الكتاب، فلا يلعن إبليس أي لا يطرده عن الحضرة إلا قبل يوم الدين لأجل ما يقتضيه أصله، وهي الموانع الطبيعية التي تمنع الروح عن التحقيق [كذا، ويمكن أن تكون التحقق] بالحقائق الإلهية، وأما بعد ذلك فإن الطبائع تكون لها من جملة الكمالات، فلا لعنة بل قرب محضٌ، فحينئذ يرجع إبليس إلى ما كان عليه عند الله من القرب الإلهي وذلك بعد زوال جهنم، لأن كل شيء خلقه الله لا بد أن يرجع إلى ما كان عليه، هذا أصل مقطوع به فافهم”.
إذن رجع إبليس في آخر أمره إلى القرب والعبادة لله تعالى، والمحبة له ويكون الله تعالى راضيا عنه كما كان أول أمره!؟
فصل: مقامات أهل الأديان والعبادات
يتحدث الجيلي في هذا الفصل عن أحوال أصناف الناس من العالمين كعباد الأوثان والثنوية والمؤمنين والكفار الخ، ويمهد لذلك بذكر بعض الأصول التي يبني عليها فهمه هذا، وطريقته في تأويل بعض آيات القرآن الكريم، لتنتج عنده بعض الأحكام الغريبة المفاجئة.
ونراه هنا يسرد قصة الطوائف العشرة التي جمعت أصول أهل الدنيا ويبين أحوالهم في الدنيا وفي الآخرة، ولذلك تعلق كبير بموضوعنا.
كل من في الوجود مطيع لله تعالى
يعتقد الجيلي أن جميع الموجودات مفطورون على عبادة الله تعالى، مجبولون على ذلك قال في (2/119): “اعلم أن الله تعالى إنما خلق جميع الموجودات لعبادته، فهم مجبولون على ذلك، مفطورون عليه من حيث الأصالة، فما في الوجود شيء إلا وهو يعبد الله تعالى بحاله ومقاله وفعاله، بل بذاته وصفاته، فكل شيء في الوجود مطيع الله تعالى، لقوله تعالى للسموات والأرض (ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين)، وليس المراد بالسموات إلا أهلها، ولا بالأرض إلا سكانها، وقال تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ثم شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يعبدونه بقوله ” كل ميسر لما خلق له”، لأن الجن والإنس مخلوقون لعبادته، وهم ميسرون لما خلقوا له، فهم عباد الله بالضرورة، ولكن تختلف العبادات لاختلاف مقتضيات الأسماء والصفات، لأن الله تعالى متجل باسمه المضل، كما هو متجل باسمه الهادي، فكما يجب ظهور أثر اسمه المنعم، كذلك يجب ظهور أثر اسمه المنتقم”.
يظهر هنا جليا أن الجيلي يبني على تأويلات غير بينة لبعض الآيات الكريمة، فإن قوله تعالى (إلا ليعبدون) أي إلا لآمرهم بعبادتي، وليس إلا لأُحَصِّلَ فيهم جَبْلًا أو جبرا عبادتي، ولكن لما فهمها الجيلي على نحو آخر، لزم عنده، أن جميع من في السموات والأرض لا يملكون إلا أن يكونوا عابدين لله تعالى، فهم مجبولون على ذلك.
وكذلك نراه يبني على القاعدة التي نراها في كتب ابن عربي، أعني ان صفات الله تعالى لا بد أن يكون لها أثر، ولا معنى لقدرة لا مقدور لها، وهو قريب من المعنى الذي يدندن حوله ابن تيمية وأنتج عنده القدم النوعي للعالم، ولا نريد ههنا نقد مقولاتهم، ولكن مجرد لفت النظر إلى هذه التشابهات في الأصول. وإذا كانت الصفات لا بد لها من متعلقات، إذن لا بد أن يكون هناك منعم عليه ومعاقب، وإذا فعلنا القانون الآخر الذي يذكره الجيلي وابن عربي أعني أن الرحمة أصل لأنها راجعة لذات الله تعالى، علمنا لم يقولون إن مآل جميع الخلق كافرهم ومؤمنهم الرحمة إما بصورة كلية أو جزئية. وهذا الأمر قد ينتج بعض التعارض بين كون الله تعالى فاعلا مختارا وبين ضرورة فاعلية الصفات وظهور آثار لها.
