الشيخ عثمان النابلسي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه وحزبه إلى يوم الدين، وبعد:
أخبرني أخي عمر الجعبري في تعليقٍ على منشور سابق، أنّ بعضهم ينسب للشيخ ابن عربي القول ببقاء الألم وتسرمده على أهل النار، مع امتزاجه بالعذوبة، وسأل إن كان الشيخ ابن عربي يقول بهذا القول أم لا.
أقول: يبدو أن قائل هذا الكلام لا يعرف من ابن عربي سوى ما تعطيه محركات البحث، فأصول الشيخ ابن عربي التي بنى عليها هذه العقيدة، ونصوصه الصريحة المحكمة دالة على زوال الآلام، لا على بقائها ممتزجة بعذوبة، وإليك البيان مختصرًا في النقاط الآتية:
[المسألة الأولى: إطلاق ابن عربي العذاب على حقيقته، وعلى أسبابه وصورته]
إنّ المتتبع لكلام الشيخ ابن عربي يجده يطلق العذاب على أمرين:
الأول: حقيقة العذاب وهو الألم، فإذا نفى العذاب فهو ينفي حقيقته وهو الألم، فالألم هو الذي يزول وينقلب عذوبة.
الثاني: أسباب العذاب وصورته من الضرب والحرق ونحوها، فهذه هي الحركات السببية للعذاب الذي هو الألم، فإذا قال ببقاء العذاب فهو يعني أسباب العذاب وصورته مع زوال الألم ووجود اللذة.
وقد قرّر هذا أيضًا أحد أشهر المدافعين عن ابن عربي، وهو الشيخ البرزنجي، فقال في الجاذب الغيبي:
«هذا إذا أريد بالعذاب حقيقته التي هو الألم، أما إن أريد به أسبابه من النار والأغلال والحميم والغساق ونحوها، فالشيخ قائل بخلود العذاب بهذا المعنى».اهـ
ونصوص ابن عربي صريحة في زوال حقيقة العذاب الذي هو الألم، مع بقاء أسبابه، قال في الفتوحات (2/673):
«وإن عمروا النارَ فإنّ لهم فيها نعيمًا ذوقيًا لا يعرفه غيرهم، فإنه لكل واحدة من الدارين ملؤها، فأخبر الله أنه يملؤها ويخلِّدُ فيها مؤبدًا، ولكن ما ثَم نصٌ بتسرمد العذاب الذي هو الألم، لا الحركات السببية في وجود الألم في العادة، بالمزاج الخاص المُحِس للألم، فقد نرى الضربَ والقطعَ والحرقَ في الوجود ظاهرًا، ولكن لا يلزم عن تلك الأفعال ألم، ولا بد وقد شاهدنا هذا من نفوسنا في هذا الطريق، وهذا من شرف الطريق، وفيه يقول أصحابنا: ليس العجب من وَرْدٍ في بستان، فإنه المعتاد، وإنما العجب من وردٍ في وسط النار؛ لأنه غير معتاد. يريد أنه ليس العجب ممن يجد اللذة في المعتاد، وإنما العجب ممن يجد اللذة في غير السبب المعتاد».اهـ
فهو يفرّق بين العذاب الذي هو الألم، ويدّعي عدم وجود نصّ على بقائه، وبين العذاب الذي هو الحركات السببية في وجود الألم، وهي التي تبقى وتتسرمد، لكن بلا ألم بل بعذوبة ونعيم!
فالحركات التي هي أسباب الألم المعتادة، كالضرب واللدغ والحرق، تصبح أسبابًا للنعيم واللذة لأهل النار، ولذا نجده استشهد بقول أصحابه: «ليس العجب من وَرْدٍ في بستان، فإنه المعتاد، وإنما العجب من وردٍ في وسط النار» للدلالة على أن أهل النار يتلذذون بغيرالأسباب المعتادة، بل بأسباب الألم، فإن أسباب الألم تصبح في حقهم أسبابًا للنعيم، فلذتهم تكون في أسباب العذاب المعتادة كلدغ الحيات والعقارب، لا في أسباب النعيم المعتادة، ولذا يقول: «والملدوغ يجد لذلك اللدغ لذة واسترقادًا في الأعضاء، وخَدَرًا في الجوارح، يلتذ بذلك التذاذًا هكذا دائمًا أبدًا».اهـ
فهم في نعيم حقيقة، إلا أنّ الله تعالى جعل نعيمهم في غير أسباب النعيم المعتادة، بل في أسباب العذاب، كما جعل الله تعالى لسيدنا إبراهيم -عليه السلام- نعيمًا في النار، مع كون النار سببًا عاديًا للألم، فهو في نعيم حقيقي مع أنّ الصورة صورة العذاب، وقد شبّه ابن عربي حال أصحاب الجحيم في تلذذهم بصورة العذاب بحال سيدنا إبراهيم الخليل -عليه السلام-، مع استحضاره مقولة الأصحاب السابقة، فقال في الفتوحات (4/307) :
«فلذة أصحاب الجحيم عظيمة، لمشاهدة الدار وحكم الأمان من حكمها فيه، ليس العجب من ورد في بستان، وإنما العجب من ورد في قعر النيران. إبراهيم الخليل -عليه السلام- في وسط النار يتنعم ويلتذ، ولو لم يكن -عليه السلام- إلا في حمايتها إياه من الوصول إليه، فالأعداء يرونها في أعينهم نارًا تأجّج، وهو يجدها بأمر الله إياها بَرْداً وسَلاماً». اهـ
وكما أنّ نعيم أهل الجنة يحصل بأسباب النعيم المعتادة، كالظلال والنور ولثم الحور، إذ لو عرضت على مزاجهم أسباب العذاب تألموا منها، فإن نعيم أهل النار يحصل بأسباب العذاب المعتادة، أي أنّ أسباب نعيمهم هي اللدغ والضرب ونحوها، فإن مزاجهم لا يتنعم بأسباب النعيم المعتادة، بل يتنعم بأسباب العذاب المعتادة، ولو عرضت عليهم أسباب النعيم المعتادة تألموا منها وما قبلها مزاجهم، وقد أكّد ابن عربي هذه الفكرة في العديد من المواضع، فقال في الفتوحات (2/648):
«…لعدم موافقة المزاج الذي ركبهم الله فيه، فهم يتلذذون بما هم فيه من نار وزمهرير، وما فيها من لدغ الحيات والعقارب، كما يلتذ أهل الجنة بالظلال والنور، ولثم الحور الحسان؛ لأن مزاجهم يقضي بذلك».اهـ
وقال أيضًا (4/274):
«بإنعام يليق بذلك الموطن، ومزاج يكون أهله عليه، بحيث إنهم لو عرضت عليهم الجنة تألموا بالنظر إليها، تألم أهل الجنة لو عرض عليهم دخول النار وتحققوا ذلك». اهـ
فنعيم أهل الجنة يحصل بأسباب النعيم المعتادة، ونعيم أهل النار يحصل بأسباب غير معتادة وهي أسباب العذاب، لذا نجده يقول (3/463):
«فافهم نعيم كل دار تسعد إن شاء الله تعالى»! اهـ
ودعوى انتفاء النصوص الدالة على تسرمد العذاب الذي هو الألم دعوى فاسدة؛ لأنّ جميع النصوص الدالّة على خلودهم في العذاب دالّة على خلودهم في الألم والإيجاع، لأن العذاب لغة وعرفًا وشرعًا يتضمن الإيجاع والألم، قال الراغب: «والعَذَابُ: هو الإيجاع الشّديد […] واختلف في أصله…».اهـ
وقال القرطبي: «والعذاب: مثل الضرب بالسوط والحرق بالنار والقطع بالحديد، إلى غير ذلك مما يؤلم الإنسان». اهـ
وقال السمين الحلبي: «الإيجاع الشديد، وأصله من المنع، وسميت العقوبة والإيلام عذابًا باعتبار منعها من معاودة ما عوقب عليه». اهـ
وقال الفيروزآبادى: «والعَذَاب: الإِيجاع الشديد». اهـ
وقد لخّص ابن عاشور كلام اللغويين والمفسرين في معنى العذاب وأصله فقال: «العذاب: الألم، وقد قيل إن أصله الإعذاب مصدر «أعذب» إذا أزال العذوبة؛ لأن العذاب يزيل حلاوة العيش، فصيغ منه اسم مصدر بحذف الهمزة، أو هو اسم موضع للألم بدون ملاحظة اشتقاق من العذوبة، إذ ليس يلزم مصير الكلمة إلى نظيرتها في الحروف». اهـ
ولمّا تواترت نصوص الكتاب والسنة في تأبيد العذاب على الكفار، وجب حمله على العذاب الذي يفيد الألم والإيجاع، وإطلاق العذاب على الحركات السببية التي تفيد اللذة والنعيم خروج بالكلام عن معهود العرب في زمن الخطاب، وذلك يفضي إلى تغيير الكلم عن مواضعه، والخروج بنصوص الشريعة عن معانيها التي أنزلت للدلالة عليها.
ومن المعلوم بالضرورة عند أهل الإسلام أنّ نار جهنم جسم محسوس محرق، ولذا فإن الأصل في العذاب الحاصل بالنار هو العذاب الحسي المؤلم، فإذا قلتَ للعربي: سأعذبك وأحرقك بالنار، فإنّ العذاب المتبادر إلى ذهنه هو العذاب الحسي بهذا الجسم الناري، لكن لو قلتَ له: سأعذبك عذابًا تحس معه باللذة والنعيم بلا ألم ولا إيجاع، لضحك منك وأشفق على عقلك؛ لأن هذا حقيقته نعيم وليس بعذاب، ولأصبح تهديدك تحبيبًا ووعيدك ترغيبًا.
وبما أنّ النصوص الدالة على خلود الكافرين في عذاب النار خرجت مخرج التهديد والوعيد، لا مخرج الوعد والترغيب، فإنّ حملَ العذاب على ما يفيد اللذة والنعيم تحريفٌ للكلم عن مواضعه، وإخراجٌ للنصوص عن حقائقها اللغوية والعرفية، وإبطالٌ لكونها تهديدًا ووعيدًا، بل تصبح ترغيبًا وتحبيبًا في هذا العذاب المستعذب! ويصبح هذا العذاب الذي يفيد اللذة والنعيم مطلوبًا لذاته لا مهروباً منه.
وقال في الفتوحات (2/648): «فإن لكل واحدة من الدارين ملأها، وتتنوع عليهم أسباب الآلام ظاهرًا لا بد من ذلك، وهم يجدون في ذلك لذة في أنفسهم -بالخلاف المتقدم- باطنًا، بعد ما يأخذ الألم منهم جزاء العقوبة».اهـ
فهم يجدون «لذة في أنفسهم باطنًا» مع بقاء «أسباب الآلام ظاهرًا»، فحقيقة عذابهم ليس عذابًا بل نعيم، وصورته عذاب مقيم، فهو عذاب من حيث الظاهر والصورة فقط، وهو عذوبة ونعيم من الحس والباطن، وقد صرّح ابن عربي بهذا في كثير من المواضع، فقال (4/338):
«فالصورة عذاب مقيم، والحس في غاية النعيم، فإن نعيم الأمشاج فيما يلائم المزاج».اهـ
وكأن الله تعالى يتوعّد الكافرين بالنعيم، إلا أن هذا النعيم في صورة العذاب! فهل يصح التهديد والوعيد بصورة العذاب والحقيقة نعيم؟! بل غاية في النعيم؟! وهل يكون «غاية في النعيم» وهو ممتزج بالآلام؟!
فنعيم أهل الجنة ظاهره نعيم وحقيقتة نعيم، أما نعيم أهل النار فصورته عذاب وباطنه نعيم! لكنّ الجميع في نعيم مقيم!!
ولهذا نجده يقول (الفتوحات 1/290): «جعل لهم نعيمًا في منزلهم، فلا يموتون فيه ولا يحيون، فهم في نعيم النار دائمون مؤبدون». اهـ
وقوله: «بعد ما يأخذ الألم منهم جزاء العقوبة» بعد قوله: «وهم يجدون في ذلك لذة في أنفسهم»، يعني أنّ الألم يأخذ منهم جزاء العقوبة ثم يجدون لذة في أنفسهم باطنًا؛ أي أن الألم ينقطع ثم يجدون لذة بعده، إذ استيفاء جزاء العقوبة يستلزم انقطاع الألم لا بقاءه، ومدة أخذ جزاء العقوبة هي التي يسميها ابن عربي بـ«مدة المؤاخذة» أو «مدة الشقاء»، وبانقضائها تزول الآلام ويفقدون الإحساس بها، قال في الفتوحات (3/463):
«وحالهم فيها كما قدمناه بعد فراغ مدة الشقاء، فيستعذبون العذاب، فتزول الآلام ويبقى العذاب، ولهذا سمي عذابًا لأن المآل إلى استعذابه لمن قام به». اهـ
فبعد فراغ مدة الشقاء تزول الآلام ويستعذبون العذاب.
وقال في الفتوحات (1/303): «ولا بد لأهل النار من فضل الله ورحمته في نفس النار بعد انقضاء مدة موازنة أزمان العمل، فيفقدون الإحساسَ بالآلام في نفس النار». اهـ
أي أنّ الرحمة أذا حلّت عليهم بعد انقضاء مدة جزاء العقوبة فقدواالإحساس بالآلام.
وقال (3/390): «فسيعلمون من كرم الله (ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) قبل المؤاخذة لمن غفر له، وبعد المؤاخذة لانقطاعها عنهم». اهـ
فمدة المؤاخذة التي هي مدة أخذهم بالألم تنقضي، وسيعلمون حينهما من كرم الله (ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ).
وقال في المعرفة (ص271): «فإذا انقضت مدة الآلام في جهنم … للرحمة التي سبقت، ارتفعت عنهم الآلام». اهـ
ومدة الآلام هي نفسها مدة المؤاخذة، فإذا انقضت ارتفعت الآلام، وإذا ارتفعت الآلام آل أمرهم إلى الفرح! قال في الفتوحات: «ومآل الكل في لآخرة بعد انقضاء مدة المؤاخذة إلى الفرح بما عنده وبما هو عليه».اهـ
ثم إنّ الشيخ ابن عربي يستنكر تسرمد العذاب -الذي هو الألم- على أهل النار، لأن الله تعالى أكرم وأجل من ذلك! يقول:
«فلا نشك أنه أرحم منّا بخلقه، ونحن قد عرفنا من نفوسنا هذه المبالغة في الرحمة، فكيف يتسرمد عليهم العذاب!، وهو بهذه الصفة العامة من الرحمة؟! إن اللّه أكرم من ذلك». اهـ
إذن، يرى ابن عربي أنّ الله تعالى أكرم من أن يسرمد عليهم العذاب، وهذا العذاب الذي لا يتسرمد هو حقيقة العذاب الذي هو الألم، والذي ادّعى عدم وجود نصّ على تسرمده، ويؤكد هذا المعنى بقوله:
قال: «فعين العالم عين الرحمة لا غيرها، فاشحذ فؤادك، فما يكون العالم رحمة للحق ويكون الحق يسرمد عليه الألم، الله أكرم وأجل من ذلك». اهـ
ففي النص الأسبق ينزه الله الكريم الرحيم عن تخليد العذاب على أهل النار، وفي هذا النص ينزه الله الكريم عن تخليد الألم على أهل النار، وهذا يعني أنّ مقصوده بالعذاب الذي لا يليق بكرم الله تعالى أن يُخَلَّد، هو حقيقة العذاب الذي هو الألم.
وبما أن العذاب الذي هو الألم منقطع، وحركاته السببية وصورته مقيمة، ويحصل بهذه الأسباب لذة ونعيم، فحقيقة ما يشعر به أهل النار هو العذوبة والنعيم، ولهذا قال (الفتوحات 3/411):
«وبعد انقضاء هذا الأجل، فنعيمٌ بكل وجه أينما تولى»!. اهـ
ومما يؤكّد أيضًا أن ابن عربي يقول بانقطاع العذاب الذي هو الألم، قوله في الفتوحات (3/77):
«وإن السكنى لأهل النار في النار لا يخرجون منها، كما قال تعالى: (خالِدِينَ فِيها) يعني في النار، (وخالِدِينَ فِيها) يعني في الجنة، ولم يقل (فيه) فيريد العذاب، فلو قال عند ذكر العذاب: (خالدين فيه) أشكل الأمر، ولما أعاد الضمير على الدار لم يلزم العذاب». اهـ
فهو أولًا يقرّر خلودهم في النار، التي هي صورة للعذاب وسبب عادي له، بقوله: «وإن السكنى لأهل النار في النار لا يخرجون منها».
ثم ينفي خلود العذاب بقوله: «فلو قال عند ذكر العذاب: (خالدين فيه) أشكل الأمر، ولما أعاد الضمير على الدار لم يلزم العذاب».
وهذا يعني أنّ العذاب المنفي عنده ليس بقاؤهم في الناروما فيها من لدغ ونحوه، بل هو حقيقة العذاب الذي هو الألم، فافهم.
على أنّ قوله: «ولم يقل (فيه) فيريد العذاب، فلو قال عند ذكر العذاب: (خالدين فيه) أشكل الأمر» مخالف لنصوص القرآن، قال تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ)، وقوله تعالى: (لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ)، وقوله تعالى: (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا)، وغيرها من الآيات الدالة على خلودهم في العذاب لا في النار فقط.
وقد أقر الشيخ الكازروني ابن عربي على هذا الاستدلال وغفل عن هذه الآيات، إلا أن الشيخ البرزنجي حاول أن ينتصر لابن عربي في هذا الموضع فأتى بالعجائب، كما بينتُ في مقالي عن كتاب «الجاذب الغيبي».
[المسألة الثانية: نصوص ابن عربي المحكمة في زوال الآلام وحلول اللذة والنعيم]
ومع كون النصوص السابقة كافية في الدلالة على انتفاء حقيقة العذاب الذي هو الألم عند ابن عربي، مع بقاء صورة العذاب وأسبابه العادية، إلا أنني سأذكر بعض نصوصه الصريحة المحكمة في زوال الألم وانقطاعه، التي تبطل زعم مَن يزعم بقاء الألم مع وجود اللذة، وإليك بعض هذه النصوص:
• النص الأول: قال (الفتوحات 3/411): «ومنهم من يمتدُّ أجله في الآلام ممن ليس بخارجٍ من النار، وهو مِن أهلها القاطنين فيها، ومدته معلومةٌ عندنا، ثم تعمُّه رحمةُ اللهِ وهو في جهنم، فيجعلُ اللهُ له فيها نعيمًا، بحيثُ إنه يتألمُ بنظره إلى الجنة، كما يتألمُ أهلُ الجنةِ بنظرهم إلى النار […]
وهذا آخر المُدد لأصحاب الآلام في النار، وبعد انقضاء هذا الأجل، فنعيمٌ بكل وجه أينما تولى، ولا فرق بينه وبين عُمّار جهنم من الخَزَنة والحيوانات، فهي تلدغه لما للحية والعقرب في ذلك اللدغ من النعيم والراحة، والملدوغ يجد لذلك اللدغ لذة واسترقادًا في الأعضاء، وخَدَرًا في الجوارح، يلتذ بذلك التذاذًا هكذا دائمًا أبدًا، فإن الرحمة سبقت الغضب، فما دام الحق منعوتًا بالغضب فالآلام باقية على أهل جهنم الذين هم أهلها، فإذا زال الغضب الإلهي -كما قدمنا- وامتلأت به النار ارتفعت الآلام». اهـ
ففي هذا النصّ يثبت امتداد الأجل على أهل النار وهم في الآلام، ثم تعمّهم الرحمة فيجدون نعيمًا لا ألمًا، إلى الحدّ الذي يجعل أهل النار متألمين عند النظر إلى الجنّة!
وقوله: «وبعد انقضاء هذا الأجل» أي الأجل الممتد في الآلام؛ لأنّ أجلهم في النار لا ينقضي، فإذا انتهى أجل الآلام: «فنعيمٌ بكل وجه أينما تولى» كما قال!
وقوله:«نعيم بكل وجه» دالّ على زوال الآلام وارتفاعها، فلو كان نعيمًا مع وجود الألم فليس نعيمًا بكل وجه، بل هو نعيم من وجه وألم من وجه.
ويشبه هذا قوله فيما سبق: «فالصورة عذاب مقيم، والحس في غاية النعيم»، ولا يكون غاية في النعيم وهو ممتزج بصنوف الآلام.
ثم جعل حال أهل النار كحال خزنتها وحيواناتها، فقال: «ولا فرق بينه وبين عُمّار جهنم من الخَزَنة والحيوانات»، ومن المعلوم أنّ خزنة جهنم وحيواناتها وإن كانت في صورة النار، إلا أنهم منعّمون متلذذون في النار، فهم في عذاب من حيث الصورة، وفي نعيم من حيث الحقيقة، وهكذا حال الكفار في النار!
وصرّح بعد ذلك بالتذاذهم بلدغ الحيات والعقارب دائمًا أبدًا! وعلّل ذلك بسبق الرحمة للغضب.
وبيّن بعبارة محكمة لا لبس فيها ولا خفاء، أنّ الغضب إذا زال عنهم زالت معه الآلام، فقال: «فإذا زال الغضب الإلهي -كما قدمنا- وامتلأت به النار ارتفعت الآلام» اهـ
وهذا نص قاطع في زوال الآلام وارتفاعها، ليس فيه شبهة ولا شك عند أحد من أهل الصدق والإنصاف، إلا أنّه قد لا يفيد أهل الجور والاعتساف!
• النص الثاني: قال (الفتوحات 1/303): «ولا بد لأهل النار من فضل الله ورحمته في نفس النار بعد انقضاء مدة موازنة أزمان العمل، فيفقدون الإحساسَ بالآلام في نفس النار».
يصرّح ابن عربي هنا أن أهل النار لا بد أن تشملهم رحمة الله تعالى، لكن بعد انقضاء مدة موازنة أعمالهم التي دخلوا بها النار، والتي يسميها «مدة المؤاخذة» أو «مدة الشقاء»، فإذا انقضت هذه المدة زال إحساسهم بالآلام مع كونهم في النار.
• النص الثالث: قال (الفتوحات 3/400): «فإن الله يقول في ذلك اليوم: (شفعت الملائكة والنبيون والمؤمنون، وبقي أرحم الراحمين)، فدل بالمفهوم أنه لم يشفع، فيتولى بنفسه إخراج من يشاء من النار إلى الجنة، ونقل حال من هو من أهل النار من شقاء الآلام إلى سعادة إزالتها». اهـ
وهذا صريح في زوال آلامهم، والذي يتولى إزالتها هو الله تعالى دون شفاعة الشفعاء، بمقتضى سبق الرحمة.
• النص الرابع: قال (الفتوحات 3/463): «وحالهم فيها كما قدمناه بعد فراغ مدة الشقاء، فيستعذبون العذاب، فتزول الآلام ويبقى العذاب، ولهذا سمي عذابًا لأن المآل إلى استعذابه لمن قام به، كما يستحلي الجرب من يحكه». اهـ
يتبيّن من هذا النصّ أن استعذاب العذاب عنده ليس مع بقاء الآلام، بل بزواها.
وقوله: «فتزول الآلام ويبقى العذاب»، أي تزول حقيقة العذاب والتي هي الألم، وتبقى صورته وأسبابه فقط.
• النص الخامس: قال: «وهذا مخصوص بأهل النار الذين هم أهلها، فهم لا يموتون فيها لما حصل لهم فيها من العافية بزوال الآلام، فاستعذبوا ذلك، فهم أصحاب عذاب لا أصحاب ألم». (3/245)
فالعافية تحصل لهم بزوال الآلام لا مع بقائها، فيستعذبون زوال الآلام، ولذلك: «فهُم أصحاب عذاب لا أصحاب ألم»، أي أصحاب عذاب في الصورة، لكن بلا ألم، بل بعذوبة ونعيم كما مرّ في كلامه.
فهذه خمسة نصوص محكمة الدلالة على زوال الآلام، ونصوصه الأخرى الدالة على انقطاع الألم تقارب العشرين نصًا، وفيما نقلتُ كفاية لمن رزقه الله بصيرة، أما أعمى البصيرة فلن يقتنع حتى لو وضعتَ أمام بصره مئات النصوص، بل لو خرج ابن عربي نفسه وأقسم له أنه قائل بانقطاع الآلام فلعله يكذّبه! وما أشبه حال بعض المدافعين عن ابن عربي بحال الوهابية المدافعين عن ابن تيمية!
[المسألة الثالثة: إجماعات أهل السنة على تسرمد العذاب الأليم، ومخالفة الشيخ ابن عربي]
إن الإجماعات التي نقلها أئمة أهل السنة على تسرمد العذاب على أهل النار أكثر من أن تحصى، وأشهر من أن تستقصى، لكنني سأقتصر على نقل بعضها بما يناسب هذا المقال:
(1) قال الإمام أبو الحسن الأشعري: «قال أهل الإسلام جميعاً: ليس للجنة والنار آخر، وأنهما لا تزالان باقيتين، وكذلك أهل الجنة لا يزالون في الجنة يتنعمون، وأهل النار لا يزالون في النار يعذبون، وليس لذلك آخر». اهـ
فهذا الإجماع صريح في أنّ أهل النار لا يزالون في النار يعذبون، فهم مخلّدون في النار بقيد التعذيب لا بقيد التنعيم والاستلذاذ، وقد بينتُ في المسألة الأولى أن عذاب النار -لغة وعرفًا وشرعًا- هو العذاب المؤلم، والقول بكونه بكونه عذابًا لكن بلا ألم بل بلذة ونعيم أقرب إلى السفسطة منه إلى كلام العقلاء، فالخلود في العذاب ليس مجرد خلود في صورته وأسبابه مع كونه في الحقيقة نعيمًا وعذوبة، أي ليس خلودًا في النعيم بصورة العذاب، بل خلود في العذاب بحقيقته وصورته، فالصورة صورة العذاب والحقيقة حقيقة العذاب الأليم.
فهذا إجماع على تسرمد الألم وأسبابه، أي حقيقة العذاب وصورته.
إلا أن الشيخ ابن عربي استنكر تسرمد العذاب على أهل النار، ورأى أنّ الله تعالى أكرم وأجل من أن يسرمده عليهم، فقال:
«فلا نشك أنه أرحم منّا بخلقه، ونحن قد عرفنا من نفوسنا هذه المبالغة في الرحمة، فكيف يتسرمد عليهم العذاب وهو بهذه الصفة العامة من الرحمة؟! إن اللّه أكرم من ذلك». اهـ
أقول: ثبت مما مضى أنّ العذاب الذي يقول ابن عربي بانقطاعه وعدم تسرمده هو العذاب الأليم، مع بقاء صورته وأسبابه الظاهرة، ونجده هنا ينفي تسرمد العذاب عليهم لعدم مناسبة ذلك لكرم الله تعالى، فهل الأليق بكرم الله تعالى إزالة العذاب الأليم، أم إبقاء العذاب أليمًا مع مزجه بعذوبة؟!
وقد قال بعض المتسرعين إن تسرمد العذاب المنفي في كلام ابن عربي هو سرمدية العذاب بلا عذوبة، أي أنّ العذاب الأليم مجردًا عن العذوبة لا يتسرمد، أما العذاب الأليم الممتزج بعذوبة فهو العذاب المتسرمد.
أقول: إن كثيرًا من المتصدّرين للدفاع عن ابن عربي لا يعرفون مذهب الرجل، ويحتاجون إلى مَن يشرح لهم أقواله ويوقفهم على نصوصه ويبيّنها لهم، ويتنزل معهم غاية التنزل ويبسط لهم ويحاول تفهيمهم بكل وسيلة إن كانوا صادقين في طلب الحق، إلا أنني سأترك المجال للشيخ ابن عربي نفسه -كما فعلتُ مرارًا- ليبيّن لهم مقصوده بالعذاب الذي يستنكر تسردمه، ويرى أن الله تعالى أكرم من أن يسرمده على أهل النار، ألا وهو العذاب الحقيقي بمعنى الألم، قال ابن عربي:
«فعين العالم عين الرحمة لا غيرها، فاشحذ فؤادك، فما يكون العالم رحمة للحق، “ويكون الحق يسرمد عليه الألم، الله أكرم وأجل من ذلك”». اهـ
فانظر قوله في النص الأول: «فكيف يتسرمد عليهم [العذاب] وهو بهذه الصفة العامة من الرحمة؟! إن اللّه أكرم من ذلك».
وقارنه بقوله في هذا النص: «ويكون الحق يسرمد عليه [الألم]، الله أكرم وأجل من ذلك»؛
لتعلم يقينًا أنّ الرجل يستنكر تسرمد العذاب الذي هو الألم، ويرى أنّ سرمدة الألم لا تليق بكرم الله ورحمته، فهذا قاطع لأوهام المتقوّلين على الشيخ ابن عربي، الذين يتشبثون بكل ما يخطر في أوهامهم حتى وإن نقض كلام ابن عربي نفسه.
وقد صرّح ابن عربي مرارًا وتكرارًا أنّ العذاب الذي يتسرمد عليهم ليس سوى العذاب النفسي لا الحسي، قال (الفتوحات 1/169): «ولا يبقى عليهم من العذاب إلا الخوف من رجوع العذاب عليهم، فهذا القدر من العذاب هو الذي يسرمد عليهم، وهو الخوف، وهو عذاب نفسي لا حسي، وقد يذهلون عنه في أوقات […] ومن هذه الحقيقة يقولون: نسينا، إذا لم يحسوا بالآلام». اهـ
فانظر قوله: «فهذا القدر من العذاب هو الذي يسرمد عليهم وهو الخوف، وهو عذاب نفسي لا حسي» لتعلم بطلان ما يُنسب إليه من تسرمد العذاب الحسي الأليم الممتزج بالعذوبة، فالرجل ينص على انقطاع العذاب الحسي وهم ينسبون إليه دوام العذاب الحسي!
وحتى على التفسير الغريب الذي يقترحه هؤلاء، من أنّ مقصود ابن عربي بالعذاب الذي لا يليق برحمة الله أن يتسرمد، هو العذاب الأليم غير الممتزج بعذوبة، أقول: هل يستقيم استنكاره سرمدة العذاب الأليم دون عذوبة لأن الله أكرم وأجل من ذلك، هل يستقيم هذا مع مذهب أهل السنة في أفعال الله تعالى؟! فهل سرمدة العذاب الأليم مجردًا عن أي عذوبة لا يليق بكرم الله تعالى عند أهل السنة؟!!
وبهذا يتبيّن أنّ الآلام زائلة عن أهل النار عند ابن عربي، قال: «فيستعذبون العذاب، فتزول الآلام». اهـ
وأنّ النعيم هو الذي يسرمد عليهم، فهم في نعيم مقيم، قال: «فهم في نعيم النار دائمون مؤبدون»، وقال: «فتخليدهم في حال النعيم غير منقطع». اهـ
وأن الصورة صورة العذاب لكن الحقيقة هي النعيم، قال: «فالصورة عذاب مقيم، والحس في غاية النعيم».اهـ
وبهذا البيان تسقط الاستنباطات العجيبة والتلفيقات الغريبة التي ينتصر بها بعضهم لابن عربي، وهي في الحقيقة تشويه لمذهب الرجل وتقويل له ما صرّح بخلافه.
(2) وقال ابن حزم في حكاية الأمور التي أجمع عليها المسلمون: «وأن النار حق، وأنها دار عذاب أبداً». اهـ
(3) وقال ابن خمير السبيتي: «الإجماع على أن الكفار في النار معذبون إلى الأبد الذي لا انقطاع له». اهـ
(4) وقال الكاتبي: «ومثل هذا الكافر أجمع المسلمون قاطبة على أن عذابه غير منقطع». اهـ
(5) وقال القاضي عضد الدين الإيجي: «أجمع المسلمون على أن الكفار مخلدون في النار أبدًا، لا ينقطع عذابهم». اهـ
(6) وقال هبة الله التركستاني: «قولهم بدوام الجنة ونعيمها، ودوام النار وعذابها […] وعليه إجماع أهل الحق».اهـ
(8) وقال البكي الكومي: «الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة أن أعظم الكبائر -الذي هو الشرك بالله- لا يغفره الله، ولا ينقطع وعيده وعذابه». اهـ
(9) وقال السجلماسي: «لأن التوقيف التوقيف من النبي ﷺ ورد بإدامة النار وعذابها، علم ذلك من دين الأمة بالضرورة، إذ لا يشك أحد من العامة فضلًا عن الخاصة في خلود الكفار في النار، ودوام عذابهم أبدًا». اهـ
(10) وقال المنجور: «دوام الجنة ونعيمها، والنار وعذابها، مما علم من الدين ضرورة».اهـ
فهذه عشرة إجماعات على تسرمد العذاب، ولو أردتُ الاستقصاء لجمعتُ العشرات من هذه الإجماعات، وقد بينتُ أنّ الأصل في عذاب النار هو العذاب الحسي المؤلم، لا مجرد أسباب العذاب مع وجود النعيم، فيكون هذا إجماعًا على الخلود في العذاب الأليم ظاهرًا وباطنًا، وقارن هذه الإجماعات بما سبق من نصوص ابن عربي في نفي تسرمد العذاب بمعنى الألم.
[المسألة الرابعة: لا خلاف في بطلان وصف أهل النار بالنعيم]
نقلتُ فيما سبق كلام الشيخ ابن عربي في انقلاب عذاب أهل النار نعيمًا، كقوله: «وبعد انقضاء هذا الأجل، فنعيمٌ بكل وجه أينما تولى»، وقوله: «فالصورة عذاب مقيم، والحس في غاية النعيم»، وقوله: «فيجعلُ اللهُ له فيها نعيمًا، بحيثُ إنه يتألمُ بنظره إلى الجنة»، وقوله: «فإذا فرغ الأمد، جُعل لهم نعيم في النار، بحيث إنهم لو دخلوا الجنة تألّموا»، وقوله: « ولهذا كان المآل إلى الرحمة وحكمها، وإن لم يخرجوا من النار، فلهم فيها نعيم»، وقوله: «فيزيل عنهم العذاب، ويعطيهم النعيم فيما هم فيه بالاسم الرحيم»..إلخ تلك الأقوال.
ونقلتُ من نصوصه المحكمة الدالّة على زوال الآلام وحصول النعيم ما فيه الكفاية، إلا أن بعض المندفعين المتسرعين، حاول أنْ ينفي عن الشيخ ابن عربي القول بزوال الألم، مع اعترافه أنه يثبت لهم عذوبة ونعيمًا، زاعمًا أنّ تنعّمهم وتلذذهم في النار المصاحب للألم لا يخالف مذهب أهل السنة، ولذا أقول:
إن القول بتنعّم أهل النار وتلذذهم قول فاسد، مخالف للنصوص الشرعية وما سيقت له من التهديد والوعيد، وليس غرضي الآن التفصيل في دلالات هذه النصوص، لكنني سأبطل تلك الدعوى بكلام بعض أعلام أهل السنة في نفي أي نعيم لأهل النار.
قال الإمام ابن العربي المالكي: «ولا خلاف بين المسلمين أنّ أهل النار لا يوصفون بالنعيم في النار».اهـ
أقول: وهذا وحده كافٍ في إبطال تلك الدعوى الفاسدة، إذ ليس بين المسلمين خلاف بأنّ أهل النار لا يوصفون بالنعيم، فأين هذا من أقوال ابن عربي السابقة، كقوله: «فنعيمٌ بكل وجه أينما تولى»؟!
ثم يأتي متسرّع همّه فقط أن يدافع دون تحقيق ولا تدقيق، ويزعم أنّ كلام ابن عربي لا يخالف مذهب أهل السنة! كيف وهو مخالف لجميع المسلمين كما يقول ابن العربي المالكي؟!
بل نقل الإمام السنوسي إطباق الرسل -عليهم السلام- من لدن آدم على أنّ من ابتلي بالشرك فهو محروم من «جميع نعم الآخرة»، فليس له نعيم ولا عذوبة كما يقول ابن عربي، قال:
«وقد أطبقت رسل المولى -تبارك وتعالى- وأجمعوا كلهم من لدن آدم -عليه السلام- إلى خاتم النبيين وسيد المرسلين، نبينا ومولانا محمد ﷺ، على أنّ الله كلّف عبيده بتوحيده، وحرّم عليهم الشرك في ألوهيته وعبادته، وبلّغوا عن المولى -تبارك وتعالى- أن مَن ابتلي بهذا المحرّم -وهو الشرك في الألوهية والعبادة- ومات على ذلك، فهو محروم من “جميع نِعَم الآخرة”، مخلد في العذاب العظيم إلى غير نهاية». اهـ
فقوله: «محروم من جميع نِعَم الآخرة» صريح في حرمان الكافر من أي نعيم، فهل بقي لمعاند وجهٌ لينفي مخالفة قول ابن عربي لأهل السنة؟!
وأين ما أطبق عليه الرسل -عليهم السلام- من حرمان الكافر «من جميع نعم الآخرة»، من قول ابن عربي: «فنعيم بكلّ وجه أينما تولى»، وقوله: «والحس في غاية النعيم»!
ولعل هذا ما دفع الشيخ السجلماسي ليقول: «القول بالتذاذ أهل النار بعذابها كفر، والشاك في كفره كافر»! اهـ
فانظر خطورة نسبة اللذة لأهل النار، التي دفعت السجلماسي ليقول ما قال! فهل يقال بعد هذا أن إثبات النعيم لأهل النار لا يخالف مذهب أهل السنة؟!
ولذا نجد الإمام الشعراني ينكر نسبة هذه العقيدة لابن عربي بقوله: «وكذب مَن دسّ عليه أنه قال: إنّ أهل النار يتلذذون بها».اهـ
ولو كان القول بوجود لذة لهم في النار لا يخالف مذهب أهل السنة، لما أنكر الشعراني نسبته لابن عربي، ولجعله من أقواله التي لم يخرج بها عن مذهب أهل السنة.
ولم يزل أئمة أهل السنة من المتكلمين والمفسرين وشراح الحديث وغيرهم، مطبقين على التصريح بانتفاء أي نعيم أو لذة لأهل النار، وأن عذابهم خال من الراحة والمنفعة، قال الإمام الرازي:
«العقاب عبارة عن مضرة مقرونة بالإهانة والذم، بشرط أن تكون دائمة وخالية عن شوب المنفعة. فقوله: (ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا) إشارة إلى المضرة العظيمة، وقوله: (مَذْمُومًا) إشارة إلى الإهانة والذم، وقوله: (مَّدْحُورًا) إشارة إلى البعد والطرد عن رحمة الله، وهي تفيد كون تلك المضرة خالية عن شوب النفع والرحمة، وتفيد كونها وقال الإمام لنيسابوري: «قوله: (وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً) إشارة إلى أن العقاب هو المضرة الخالصة الدائمة المقرونة بالإذلال والإهانة».
وهذا نصّ آخر على أن العقاب في حق الكفار لا راحة فيه ولا منفعة، بل هو مضرّة محضة مقرونة بالإهانة والذم، لا بالنعيم والسرور، فأين هذا من قول ابن عربي: «فنعيمٌ بكل وجه أينما تولى»، وقوله: «والحس في غاية النعيم»!
• وقال الإمام النيسابوري: «(وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً) إشارة إلى أن العقاب هو المضرة الخالصة الدائمة المقرونة بالإذلال والإهانة». اهـ
فالعقاب الذي يخلد فيه أهل النار مضرة خالصة، ليس فيها نعيم ولا عافية ولاعذوبة، فضلًا عن أن يكون غاية في النعيم، أو يكون نعيمًا بكل وجه!
• وقال العلامة الصاوي: «فهو مخلد في النار، وليس له نعيم أصلًا».اهـ
وهذا صريح في نفي أي نعيم لأهل النار.
وبما نقلتُ ووضحتُ وبينتُ كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وأرجو أن يكون هذا كافياً في قطع الجدل والمكابرة والعناد، فليس وراء نصوص ابن عربي الصريحة إلا المكابرة، ومَن حاول تفسير نصوص الرجل بما يخالفها وينقضها ويعود عليها بالإبطال فليس أهلًا لأن يلتفت إليه، لأن غرضه حينئذ التشويش والرد بأي وجه كان، دون الوصول إلى الحق، فإن هذا الأمر دين سيسألنا الله تعالى عنه، وهو -سبحانه- أعلم بنيّاتنا ومقاصدنا، وما تخطّه أقلامنا وتسطره أيدينا، فنسأله -تبارك وتعالى- أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، فمعرفة الحق ميسورة، والانصياع إليه عسير، والحمد لله ربّ العالمين.
