بقلم الشيخ جاد الله بسام
1. نظرية التأويل: وهي ترجع العبارات المشكلة عند ابن عربي إلى نصوص الشريعة وتحملها على المحامل الصحيحة شرعاً.
2. نظرية الدسّ: وهي تزعم أنّ عبارات الشيخ ابن عربي المخالفة للشريعة -مما لا يمكن أن يكون له تأويل- مدسوسة وموضوعة عليه، وليست له في الحقيقة.
3. نظرية طور آخر فوق/ وراء طور العقل: وهي نظرية تعد حصانة أخيرة لمن يعجز عن تولي النظريتين السابقتين (التأويل أو الدسّ).
4. نظرية التنوير والحداثة والتعددية: وهي نظرية لا تهتم بأمر الشريعة أصلاً، ولا ترفع لها رأساً، بل تتبع في ذلك مناهج فلسفية أو باطنية نابعة من تأليه الإنسان وأنه محور الوجود، وللأسف يقول بها بعض المتدينين المسلمين.
لا يعنيني هنا الاتجاهات الأدبية والروائية والشعرية طبعاً.
==============
وهناك دعاوى كثيراً ما تطرح في فهم كلام ابن عربي، منها:
* دعوى أنّ كلام الشيخ ابن عربي هو في حالة السكر والغيبة يخرجه عن المساءلة أصلاً، وهذا أمر موافق لأصول الشريعة من أن الغافل غير مكلف، (لكن هذه الدعوى لا تتأتى في حق ابن عربي مطلقاً، لأننا أمام تراث عريض كتب بالفكر والروية والنقد للمدارس الفلسفية والكلامية وله أصوله النظرية، فليس على الباحث إلا أن يتعرف عليها بالقراءة).
* دعوى أنّ كلام الشيخ ابن عربي جارٍ مجرى الرمز والإشارة ليست دعوى أصيلة (مع أنه ألفت فيها كتب)، ونحن لا ننفي أن له اصطلاحات خاصة، لكنها موضحة ومشروحة ويمكن تلخيصها، بل لخصها كثيرون من الموافقين له والمخالفين.
==============
لاحظ أن النظرية الأولى والثانية (التأويل والدس) – (أنصح بعدم التعويل على هاتين الطريقتين لأنهما ضعيفتان واقعياً لعدم إمكان التأويل وثبوت نسبة الكتب لابن عربي): لاحظ أنهما معترفتان ضمنياً بوجود إشكالات خطيرة منافية لأصول العقائد المعلومة ضرورة من الدين، ومما يؤيد وجود الإشكالات الخطيرة أن الفقهاء من المذاهب الأربعة (إجمالاً)، وفي الكتب الفقهية المعتبرة، يفتون بحرمة قراءة كتب ابن عربي، ولا يفهم ذلك إلا لأنّ ثمة إشكالات خطيرة متحققة بالفعل.
ولأجل ذلك نقول: هاتان النظريتان أهون النظريات الأربعة في التعامل مع الشيخ ابن عربي (على ضعفهما)، لأن الخلاف يكاد يكون في ابن عربي عندئذ، لا في بطلان هذا الفكر المنسوب له أو المفهوم من عبارته.
==============
مكمن الخطورة الأصلي
تكمن الخطورة على دين الناس وعقولهم ودنياهم وآخرتهم في النظرية الثالثة والرابعة.
النظرية الثالثة: “طور آخر” فوق طور العقل، وهي دعوى تشبه دعوى التيمية إلى حدّ كبير التي يسمونها أحياناً بـ “الفطرة”، ومؤدى الطريقتين واحد، وهو إبطال أدلة العقل والأدلة العقلية وتتماهى مع فلسفات غربية وحداثية لا تعترف بوجود الله أًصلاً، فهي معارضة لعقائد الإسلام الضرورية وتعتبر نفسها متفوقة على الإسلام وفي مستوى أعلى منه (إلا إذا كان للإسلام معنى آخر عند هؤلاء).
النظرية الرابعة: “التنوير”، حيث يتلقف تراث ابن عربي كثير من الفلاسفة والتنويرين والحداثيين وقليل من المشايخ التجديديين باعتبار ابن عربي “الإنسان”، فيدعون تحت عباءته إلى التعددية الدينية ودين الإنسانية والحقيقة المطلقة عن الهوية الدينية والحدود العقلية، وهي دعوى ليست منافية للإسلام فقط، بل تقوضه وتعاديه، بمعنى أنها تفترضه ديناً إقصائياً معادياً لحقوق الفكر والحرية الإنسانية، وهو أمر غير صحيح قطعاً.
==============
كلمة للسادة الصوفية المحبين لابن عربي وقد كنت منهم يوماً من باب حسن الظنّ
ليست المشكلة مع ابن عربي مشكلة مع التصوف أو السادة الصوفية، ولا مع ابن عربي نفسه، بل هي مشكلة مع فكر ينزع قداسة الإله والقرآن والأنبياء (نرجو أن لا نضطر لنشر النصوص)، إنها مشكلة مع من يركبون حصان ابن عربي ليبطلوا الدين كله، واقرؤوا لبعض الشخصيات “هكذا تكلم ابن عربي”، وما كتبه المستشرقون عن ابن عربي والحلاج وغيرهم من الشخصيات، وكتابتهم ليست حباً لهؤلاء الصوفية، بل لتنمية نزعات غريبة عن دين الإسلام وجدوا فيها أهواءهم.
فأنا أقول للسادة الصوفية مع الاحترام لهم: لا يكن حبكم لابن عربي معمياً لكم عن أهواء تراد بكم وبنا، اتركوا ابن عربي ولا تدافعوا عنه، والتزموا على الأقل بموقف “التسليم” الذي نص عليه غير واحد من الصوفية كالإمام زروق الشاذلي المالكي، والتزموا فتوى الفقهاء التي تتضمن تحريم قراءة كتبه ومن باب أولى تحرم الدعوة إلى مذهبه وترى الانتقاص من الفقه وعلم الكلام والأصول معصية كبيرة، من الكبائر الكثيرة.
واحسبوا حساباً ليوم قريب حين يقال لكم بناء على نفس أصول ابن عربي -التي قد لا يدركها كثير من الصوفية الكرام-: ليس هناك عقيدة وليس هناك فقه وليس هناك مذاهب أربعة، وليس هناك أدلة، ولا شأن للدين بشيء إنما هو حب، حب لا غير… احسبوا حساباً ليوم القيامة الذي هو قريب منا، {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا} [المعارج: 6، 7].
وأستغفر الله العلي العظيم لي وللمسلمين، والسلام ختام، ويتبع إن اقتضى المقام.
