سادساً: الدهرية
قال الجيلي (2/126): “وأما الدهرية فإنهم عبدوه من حيث الهوية، فقال عليه الصلاة والسلام “لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر”اهـ.
تأمل كيف يحمل الدهر حملا حقيقيا على الله تعالى، وأما مفسرو الحديث على طريقة أهل السنة فقالوا أطلق اسم الدهر على الله تعالى لأن الله تعالى هو مقلب الدهر، وليست هوية الله الدهر، وهو إطلاق مجازي كما هو ظاهر. ولكن ها نحن نرى الجيلي يستنبط منه ما يستنبط. وما دامت الدهرية قد عبدت الله من حيث عبدوا الدهر وسلموا له أحوالهم، فهم فرحون في آخر الأمر.
سابعاً: البراهمة
قال الجيلي (2/126): “وأما البراهمة فإنهم يعبدون الله مطلقا لا من حيث نبي ولا من حيث رسول، بل يقولون إن ما في الوجود شيء إلا وهو مخلوق لله، فهم مقرون بوحدانية الله تعالى في الوجود، لكنهم ينكرون الأنبياء والرسل مطلقا، فعبادتهم للحق نوع من عبادة الرسل قبل الإرسال، وهم يزعمون أنهم أولاد إبراهيم عليه الصلاة والسلام…وقد اشتهر بينهم أن من قرأ الجزء الخامس من كتابهم لا بد أن يؤول أمره إلى الإسلام فيدخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه طائفة أكثر ما يوجدون ببلاد الهند…وثم أناس يتزيون بزيهم ويدعون أنهم براهمة وليسوا منهم، وهم معروفون بينهم بعبادة الوثن، فمن عبد الوثن فلا يعدُّ من هذه الطائفة عندهم”اهـ.
إذن عبادة البراهمة تشبه عبادة الرسل قبل الإرسال، فهم مقرون بوجود الله لكنهم ينكرون الرسل والأنبياء مطلقاً.
ولا أعرف عن الكتاب الذي عندهم وفيه في الجزء الخامس منه أن من قرأه سيؤول أمره إلى الإسلام، لم أسمع بذلك من قبل، إلا إذا كان يتحدث عن بعض التوافقات بين ما في الإسلام وعند الهندوسية عن الحكايات عن آدم، وبعض الأنبياء وبعض الأوصاف التي يقال إنها أقرب ما تكون لأوصاف سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.، ونرجو أن يكون كلامه هذا صحيحاً!
وعلى كل حال، فهذا ما قرره الجيلي مما يتعلق بالبراهمة.
تنبيه: حكم عام يتعلق بجميع الأجناس السابق ذكرها
ثم ذكر الجيلي حكما عاماً يشمل جميع الأجناس التي سبق ذكرها، وهو كلام مهم. نورده كاملا، قال الجيلي (2/126): “وكل هذه الأجناس السابق ذكرها لما ابتدعوا هذه التعبدات من أنفسهم كانت سببا لشقاوتهم، ولو آل بهم الأمر إلى السعادة، فإن الشقاوة ليس إلا ذلك البعد الذي يثبتون فيه قبل ظهور السعادة، فهي الشقاوة فافهم”، انتهى
إذن غاية أمر جميع هذه الأجناس هو السعادة كما ترى بنص واضح صريح، والفارق بينهم وبين المؤمنين والمسلمين، إنما هو في بعد المسافة من السعادة، فهم ينادون من مكان بعيد، بخلاف المسلمين الذين ينادون من مكان قريب.
قال الجيلي (2/126): “وأما من عبد الله على القانون الذي أمره به نبيه كائنا من كان من الأنبياء فإنه لا يشقى، بل سعادته مستمرة تظهر شيئا فشيئاً، وما أتى على أهل الكتاب إلا أنهم بدلوا كلام الله وابتدعوا من أنفسهم شيئا، فكان ذلك الشيء سببا لشقاوتهم، وهم في الشقاوة على قدر مخالفتهم لأوامر الله تعالى وسعادتهم على قدر موافقتهم كتابه تعالى، فإن الحق لم يرسل نبيا ولا رسولا إلى أمة إلا وجعل في رسالته سعادة من تبعه منهم” انتهى.
وكلامه في المؤمنين المتبعين للأنبياء والرسل لا تعليق عليه.
ثامناً: اليهود
قال الجيلي (2/126): “وأما اليهود فإنهم يتعبدون بتوحيد الله تعالى ثم بالصلاة في كل يوم مرتين، وسيأتي بيان سر الصلاة في محله إن شاء الله تعالى، ويتعبدون بالصوم ليوم كنورا( ) إذ هو اليوم العاشر من أول السنة وهو يوم عاشوراء….[إلى أن قال] ولو أخذنا في الكلام على سرّ مأكولهم ومشروبهم الذي سنه لهم موسى أو لو أخذنا في الكلام على أعيادهم وما أمرهم فيها نبيهم وفي جميع تعبداتهم وما فيها من الأسرار الإلهية خشينا على كثير من الجهال أن يغتروا به فيخرجوا عن دينهم لعدم علمهم بأسراره، فلنمسك عن إظهار أسرار تعبدات أهل الكتاب، ولنبين ما هو أفضل من ذلك وهو أسرار تعبدات أهل الإسلام، فإنها جمعت المتفرقات…” انتهى.
يعني إنه لم يذكر أسرار تعبدات اليهود فربما اغتر بها العوام من المنتسبين إلى الإسلام وخرجوا عن دينهم، لأنهم لا يعلمون أسرار دينهم، ولذلك عزف عن ذكر أسرار تعبدات اليهود.
وبعدما نسخت شريعة اليهود، فما يتخالف منها مع شرائع الإسلام هل يبقى لها أسرار بحيث أنه لو كشف يغتر بها المسلمون لو عرفوها؟! هذا مجرد سؤال لن نقف عنده ههنا، فهو أمر يحتاج إلى إعادة نظر؟
تاسعاً: النصارى
قال الجيلي (2/127): “وأما النصارى فإنهم أقرب من جميع الأمم الماضية إلى الحق تعالى، فهم دون المحمديين وسببه أنهم طلبوا الله تعالى فعبدوه في عيسى ومريم وروح القدس، ثم قالوا بعدم التجزئة، ثم قالوا بقدمه على وجوده في محدث عيسى، وكل هذا تنزيه في تشبيه لائق بالجناب الإلهي، ولكنهم لما حصروا ذلك في هؤلاء الثلاثة نزلوا عن درجة الموحدين، غير أنهم أقرب من جميع من شهد الله من أنواع المخلوقات، فشهودهم ذلك في الحقيقة العيسوية يؤول بهم إذا انكشف الأمر على ساق أن يعلموا أن بني آدم كمراءٍ متقابلات يوجد في كل منها ما في الأخرى، فيشهدون الله تعالى في أنفسهم، فيوحدونه على الإطلاق فينقلون إلى درجة الموحدين لكن بعد تجاوزهم على صراط البعد، وهو ذلك التقييد والحصر المتحكم في عقائدهم”اهـ.
ثم شرع في بيان أهم عباداتهم.
ونرى مما ذكره عن النصارى أن خطأهم كان من حيث إنهم قيدوا الحق في الثلاثة المذكورين، فالتقييد هو غلطهم، وهو مبني على تشبيه الله تعالى بالمخلوقات، ولكن هذا ليس باطلا من هذه الجهة، لأن التنزيه في التشبيه هو الحق عند الجيلي والأصل الذي يستمد منه! كما هو معلوم، بل غلطهم أنهم حصروا ذلك في الحقيقة العيسوية، ولو أنهم أطلقوا ذلك في كل أبناء آدم، واعتقدوا فيهم ما اعتقدوه في عيسى لسلموا، لأنهم يشهدون حينئذ توحيد الله تعالى في أنفسهم أيضا لا في الحقيقة العيسوية فقط، وإذا فعلوا ذلك فإنهم “يوحدونه على الإطلاق فينقلون إلى درجة الموحدين” ولكن هذا لا يحصل لهم إلا بعد جوازهم على صراط البعد، فالمسافة التي ابتعدوا بها عن الحق كما يراه الجيلي، لا بد أن يرجعوا فيها ليصلوا إلى التوحيد الحق بالصورة التي أشار إليها.
عاشراً: المسلمون
قال الجيلي (2/128): “وأما المسلمون فاعلم أنهم كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله (كنتم خير أمة أخرجت للناس) لأن نبيهم محمدا صلى الله عليه وسلم خير الأنبياء، ودينه خير الأديان، وكل من هو بخلافهم من سائر الأمم بعد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبَعثِه بالرسالة كائنا من كان فإنه ضالٌّ شقي معذب بالنار، كما أخبر الله تعالى، فلا يرجعون إلى الرحمة إلا بعد أبد الآبدين، لسر سبق الرحمة بالغضب وإلا فهم مغضوبون، لأن الطريق التي دعاهم الله تعالى إلى نفسه بها طريق الشقاوة والغضب، والألم والتعب، فكلهم هلكى قال الله تعالى (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) وأي خسارة أعظم من فوت السعادة المنزلة لصاحبها في درجة القرب الإلهي، فكونهم نودوا من بعدٍ هو خسارتهم، وهو عين الشقاوة والعذاب الأليم، ولا يعتد بدينهم ولو كان صاحبه يصل بعيد مشقة لأنه دين الشقاوة، فما شقوا إلا باتباع ذلك الدين.
ألا ترى مثلاً إلى من يعذب في الدنيا ولو يوما واحدا بأنواع عذاب الدنيا وهو كخردلة وأقل من عذاب الآخرة، كيف يكون شقياً بذلك العذاب؟ فما بالك بمن يمكث أبد الآبدين في نار جهنم، وقد أخبرك الله تعالى أنهم باقون فيها ما دامت السموات والأرض، فحينئذ يدور بهم الدور ويرجعون إلى الشيء الذي كان منه البدء وهو الله تعالى فافهم، والمسلمون كلهم سعداء بمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم”اهـ.
ثم قال الجيلي (2/129): “فالمسلمون على الصراط المستقيم وهو الطريق الموصل إلى السعادة من غير مشقة والموحدون من المسلمين، أعني أهل حقيقة التوحيد على صراط الله وهذا الصراط أخصُّ وأفضل من الأول، فإنه عبارة عن تنوعات تجليات الحق تعالى لنفسه بنفسه، والصراط المستقيم عبارة عن الطريق إلى الكشف عن ذلك، فالمسلمون أهل التوحيد والعارفون أهل حقيقة وتوحيد، وما عدا هؤلاء فكلهم مشركون. سواء في جميع الملل التسع الذين ذكرناهم، فلا موحد إلا المسلمون، ثم إن الله تعالى تعبد المسلمين من حيث اسمه الرب، فهم مقتدون بأوامره ونواهيه، لأن أول آية أنزلها الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم (اقرأ باسم ربك) قرن الأمر بالربوبية لأنها محله، ولذلك افترضت عليهم العبادات، لأن المربوب يلزمه عبادة ربه، فجميع عوام المسلمين عابدون لله تعالى من حيث اسمه الرب لا يمكنهم أن يعبدوه من غير ذلك، بخلاف العارفين فأنهم يعبدونه من حيث اسمه الرحمن لتجلي وجودها الساري في جميع الموجودات عليهم، فهم ملاحظون للرحمن فهم يعبدونه من حيث المرتبة الرحمانية، بخلاف المحققين فإن عبادتهم له سبحانه وتعالى من حيث اسمه الله لثنائهم عليه بما يستحقه من الأسماء والصفات التي اتصفوا بها، لأن حقيقة الثناء أن تتصف بما وصفته به من الاسم أو الصفة التي أثنيت عليه وحمدته بها، فهم عباد الله المحققون، والعارفون عباد الرحمن، وعامة المسلمين عباد الرب”اهـ.
ولا نريد ذكر باقي كلامه ههنا، وإن كان فيها ما فيه، لأنَّ محلَّ بحثنا هو المتعلق من كلامه بمسألة أصحاب النار، وتأمل كلامه حيث قال: “وكلُّ مَنْ هُوَ بخلافهم مِنْ سائر الأمم بعد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبَعثِه بالرسالة كائنا من كان فإنه ضالٌّ شقي معذب بالنار، كما أخبر الله تعالى، فلا يرجعون إلى الرحمة إلا بعد أبد الآبدين، لسر سبق الرحمة بالغضب وإلا فهم مغضوبون” انتهى.
لتعرف أنه يبني على ما تقدم من أصول، ويصرح بأن سائر الأمم الأخرى وإن كانت غير مقبولة من حيث الدين، فهذا لا يعني أنهم معذبون دائما، لأن فيهم حقا وإن كانوا لا يعرفون ولا يقصدونه، وعذابهم في النار إنما هو في أول الأمر، لا في آخره فإنهم في آخره فهم مرحومون.
أقوال الجيلي المتفرقة في مسألة عذاب النار:
تكلم الجيلي في مسألة عذاب أهل النار وأيلولتهم إلى الرحمة في مواضع أخرى غير ما ذكرناه قبل، وها نحن نورد أهم ما جاء في كلامه:
قال الجيلي (1/35): “واعلم أن اسمه الرحمن على وزن فعلان، وهو يكون في اللغة لقوة اتصاف المتصف به، وظهوره عليه، ولذا وسعت رحمته كل شيء حتى آل أمر أهل النار إلى الرحمة”. انتهى
وقال في (1/84): “ثم يجري ذلك الكون على ما أمره به عناية منه ورحمة سابقة ليصح للوجود بذلك اسم الطاعة فيكون سعيداً، وإلى هذا أشار بقوله في مخاطبته للسماء والأرض (ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) فحكم للأكوان بطاعته، فإنها أتت غير مكرهة تفضلا منه وعناية، ولذلك سبقت رحمته غضبه لأنه قد حكم لها بالطاعة والمطيع مرحوم، فلو حكم عليها بأنها أتت مكرهة لكان ذلك الحكم عدلا، لأن القدرة تجبر الكون على الوجود، إذ لا اختيار لمخلوق، ولكان الغضب حينئذ أسبق إليها من الرحمة، لكن تفضل فحكم لها بالطاعة لأن رحمته سبقت غضبه، فكانت الموجودات بأسرها مطيعة، فما ثم عاصٍ له من حيث الجملة في الحقيقة، وكل الموجودات مطيعة لله تعالى، كما شهد لها في كتابه بقوله (أتينا طائعين) وكل مطيع فما له إلا الرحمة، ولهذا آل حكم النار إلى أن المطيع يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط فتزول فينبت في محلها شجر الجرجير كما ورد في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسنبين ذلك في هذا الكتاب في محله إن شاء الله تعالى”. انتهى.
يصرح بوضوح من دون رمز ولا تعقيد لفظي بأن كل ما في العالم مطيع لله، على وجهة نظره وبحسب فهمه، ويصرح بأن مآل النار أن ينبت فيها الجرجير، أي تصبح رحمة لمن فيها من أهلها.
قال الجيلي في (1/103): “واعلم أن كل شيء من الممكنات له أبد، فأبد الدنيا يتحول [كذا ولعلها: بتحول] الأمر إلى الآخرة، وأبد الآخرة يتحول [لعلها: بتحول] الأمر إلى الحق تعالى، ولا بد أن يحكم بانقطاع الآباد آباد أهل الجنة وآباد أهل النار، ولو دامت وطال الحكم ببقائها، فإن أبدية الحق تلزمنا أن نحكم على ما سواه بالانقطاع، فليس لمخلوق أن يسايره في بقائه”اهـ.
وقال الجيلي (1/103): “واعلم أن الحال الواحد من أحوال الآخرة سواء كان من أحوال المرحومين أو من أحوال المعذبين، فإن له حكم الأزلية والأبدية، وهذا سر عزيز يذوقه من وقع فيه، ويعلم أنه لا انقطاع له أبداً، وهذه حال واحدة، لكنه قد ينتقل من تلك الحال إلى حال غيرها، وقد لا ينتقل، فإذا انتقل منه إلى حال آخر غيره كان هذا الحكم لحاله الواقع فيه أيضا، ولا ينقطع هذا الحكم ولا يختل عن أحوال الآخرة، وهذا أمر شهودي ليس للعبد فيه مجال لأنه محل ذلك، وسيأتي بيان هذا الكلام في موضعه من ذكر الجنة والنار إن شاء الله تعالى”اهـ.
النعلان والقدمان
يقول الجيلي (2/5): “اعلم هدانا الله وإياك وآتاك من الحكمة ما آتانا أن القدمين عبارة عن حكمين ذاتيين متضادين، وهما من جملة الذات بل هما عين الذات، وهذان الحكمان هما ما ترتبت الذات عليهم كالحدوث والقدم والحقية والخلقية والوجود والعدم والتناهي وعدم التناهي والتشبيه والتنزيه وأمثال ذلك، مما هو للذات من حيث عينها ومن حيث حكمها الذي هو لها، ولذلك عبر عن هذا الأمر لأن القدمين من جملة الصورة، وأما النعلان فالوصفان المتضادان كالرحمة والنقمة والغضب والرضا وأمثال ذلك، والفرق بين القدمين والنعلين أن القدمين عبارة عن المتضادات المخصوصة بالذات والنعلان عبارة عن المتضادات المتعدية إلى المخلوقات، يعني أنها تطلب الأثر في المخلوقات، فهي نعلان تحت القدمين، لأن الصفات العقلية تحت الصفات الذاتية، وكون النعلين من ذهب هو نفس طلبها للأثر، فهي ذاهبة، أي سارية الحكم في الموجودات، فلها الحكم في كل موجود وجد، بأي نوع كان من الموجودات، وإذا علمت معنى النعلين وعلمت المراد بالقدمين، ظهر لك سر الحديث النبوي وهو أن الجبار يضع قدمه في النار فتقول قط قط، وأنها تفنى حينئذ، فينبت موضعها شجر الجرجير، أو كما قال، وسنومئ إلى ذلك في آخر الكتاب في الباب الذي نذكر فيها جهنم، حسبما أمكن من التصريح أو الكناية فافهم هذا المعنى”اهـ.
ومن الواضح ارتباط هذا الكلام بما نقلناه عنه من قبل في الباب الذي ذكره، ونتيجة هذا السر الذي سيذكره أن النار تتحول عذوبة بحسب الأنواع والأجناس التي ذكرناها.
وصف عام فيه ذكر مآل أهل النار في رأي الجيلي
وقال الجيلي واصفا أهل النار في أواخر كتابه (2/112): “ثم اعلم أن أطباق الأرض إذا أخذت في الانتهاء دار الدور عليها في الصعود، كما أن أهل النار إذا استوفوا ما كتب عليهم وخرجوا، لا يخرجون إلا إلى مثل ما ينتهي إليه حال أهل الجنة من كريم المشاهدة والتحقق بتحقق المطالعة إلى أنوار العظمة الإلهية”اهـ.
وهذا نص واضح آخر في أن أهل النار ينتهي بهم الأمر إلى السعادة وكريم المشاهدة كما هي سعادة أهل الجنة، ويتمتعون بمطالعة أنوار العظمة الإلهية.

خاتمة
ما أردناه في هذا البحث إنما هو استعراض رأي الجيلي في مسألة واحدة، وهي مسألة عذاب أهل النار وما يؤول إليه حالهم من النعيم والفرح وغيره مما ذكره، وأشرنا إلى بعض القواعد والأصول التي يعتمد عليها في نظرته هذه، ورأينا كيف أن الجيلي يتكلم على هذه المسألة في أبواب شتى، لا في باب واحد فقط، فالمسألة لها علاقة بخلق العالم، وصفات الله، وأعمال العباد، وكيفية نشأتها عنهم، والجبر والقدر …الخ، وهذا يثبت بصورة قاطعة أن رأي الجيلي في هذه المسألة ليس مجرد إلهام أو كشف أو شطح أو مجرد رأي عابر، بل هو مبني على تصور خاص له يوافق فيه إلى حد كبير تصور ابن عربي، كما هو ظاهر، بل هو يستمد منه كثيراً، ويعتمد قوله، كما أن له بعض الآراء الخاصة أيضاً.
وهذا يبين أن رأي هذه المجموعة من الصوفية ينبني على فهم معين لعلم التوحيد، وطريقة خاصة في فهم العالم، وصفات الله تعالى وحقيقة التكليف ونحو ذلك، ومن الظاهر أن هذا الفهم بحسب النظر فقط في مسألة عذاب أهل النار يتخالف تخالفا ظاهرا مع طريقة أهل السنة في فهم الآيات القرآنية وصفات الله تعالى، وحقيقة فهمهم لحقيقة خلق العالم وأفعال المكلفين.
ولو أردنا لأظهرنا عدة مسائل تكشف عن الاختلاف الحاصل بين مدرسة ابن عربي ومدرسة أهل السنة من المتقدمين والمتأخرين، ليس ذلك في مسألة عذاب أهل النار فقط، فهذه المسألة وإن كانت تكشف بوضوح هذا المعنى، فإنها تكشف أيضا عن بعض الأصول الخاصة التي تقول بها هذه المدرسة أعني مذهب ابن عربي الحاتمي ومن يتبعه، وأن له أصولا وفروعا تتخالف مع بعض القواعد من منهج أهل السنة ومع طريقة فهمهم ومع بعض الأحكام والتصورات المعتبرة عندهم، وذلك في عدد لا بأس به من المسائل.
ونحن نعلم أن بعض العلماء أو الباحثين قد يقولون في الجيلي ما قالوه في ابن عربي، من أن هذه المسائل قد دست في كتبه، أو أن لها معاني أخرى غير مفهومة لنا، أو نحو ذلك، ونحن قد بنينا بحثنا هذا على ما هو الظاهر من كلام الجيلي، فإن ثبتت شواهد كافية على تحقق الدسّ أو ظهرت قرائن كافية ترجح جانب التأويل الصارف لها عن ظواهرها بحيث تكون متلائمة مع مذهب أهل السنة كما يفترض، فأهلا بالوفاق. وإلا فإن المسألة لا بد أن تأخذ مجراها من البحث العلميّ.
ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وغيرنا للكشف أكثر عما تشتمل عليه هذه المدرسة التي يعتقد كثير من المنتسبين لأهل السنة أنهم لا يخالفونهم في أصول ولا في فروع، يزعمون أنهم منضوون تحت رأي أهل السنة، والبحث الجاد يكشف عن خلاف ذلك بكل يسر.
والله تعالى أعلم وأحكم
وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب.
كتبه سعيد فودة
12 رمضان 1441هـ.
5-5-2020م.