أخبرني أحد الإخوة -جزاه الله خيرًا- أنّ هناك مَن يدّعي عدم انعقاد إجماع المسلمين على خلود الكفار في النار، ولا على تأبيد العذاب عليهم، فتعجبتُ لذلك جدًا!
وأن ذلك المُدّعي اعتمد على كلام الإمام الرازي، حيث فهم منه عدم وجود إجماع على ذلك، فازداد عجبي! لأنني قد حذرتُ في مقالاتي السابقة من هذه الطريقة الزائغة في اقتناص عبارات الأئمة وتطويعها لمراد الكاتب، وإن خالفت أصول الإمام نفسه بل ونصوصه في نفس الكتاب!
[المطلب الأول: انعقاد الإجماع على تأبيد الكفار في عذاب النار]
قبل أن أبيّن عدم دلالة كلام الرازي على مراد المُدّعي، سأنقل عشرين إجماعًا (فقط) على تأبيد الكافرين في عذاب النار، لنعلم تساقط الدعوى من أساسها، ولو أردتُ استقصاء الإجماعات لبلغت أكثر من مئة، فكتب العقائد والفِرَق والتفسير وشروح الحديث طافحة بنقل هذا الإجماع والاحتجاج به، لكن العاقل يكفيه دليل، والمعاند لا يكفيه ألف دليل، وإليك هذه الإجماعات:
الإجماع (1): قال الإمام أبو الحسن الأشعري: «قال أهل الإسلام جميعاً: ليس للجنة والنار آخر، وأنهما لا تزالان باقيتين، وكذلك أهل الجنة لا يزالون في الجنة يتنعمون، وأهل النار لا يزالون في النار يعذبون، وليس لذلك آخر». اهـ
فهذا الإجماع نقله الإمام الأشعري عن «أهل الإسلام جميعًأ»، وليس عن فرقة معيّنة، وهو صريح في أنّ أهل النار لا يزالون في النار يعذبون، فهم مخلّدون في النار بقيد التعذيب، وهذا يعني أنّ النار مخلدة لا تفنى، وأنّ عذابها لا ينقطع، كل هذا بإجماع أهل الإسلام، ومخالفة هذا الإجماع ليست معتبرة، بل هي شذوذ وخروج عن الإجماع الشرعي.
فهل ينكر هؤلاء هذا الإجماع الذي نقله إمام أهل السنة؟ ونقله عنه كثير من الأئمة؟ وبأي طريقة سيحرفونه؟
الإجماع (2): وقال الإمام الباقلاني: «فإن قال: فما يؤمنكم أن يغفر الله لسائر الكفرة أو لبعضهم، وإن كان قد قدم وعيده لهم بالنار؟
قيل له: يؤمن من ذلك توقيف النبي ﷺ ، وإجماع المسلمين الذين لا يجوز عليهم الخطأ أن الله لا يغفر لهم ولا لأحد منهم؛ لأن الأمة بأسرها نقلت عن شاهد النبي ﷺ ، وهم حجة وأهل تواتر، أنهم علموا من دينه ضرورة أن جميع الكفار في النار خالدين فيها، وعرفوا قصده إلى استغراق الوعيد لجميعهم، وإرادته لكلهم، وأن الله يفعل ذلك بسائرهم». اهـ
ينقل الإمام الباقلاني إجماع أهل الإسلام على نفوذ الوعيد في الكفار، واستغراقه لجميعهم، وإرادته لكلهم، ومعلوم أنّ الله تعالى توعّد الكفار بالخلود في عذاب جهنم في كثير من الآيات القرآنية، كقوله تعالى: «إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ».
وجعل الإمام الباقلاني استغراق هذا الوعيد للكفار مما علم من دين الإسلام ضرورة، فهل يشك عاقل بعد هذا بانعقاد إجماع المسلمين على هذا؟!
واعجب بعد ذلك مما يزعمه هذا المدعي من عدم وجود قائل بكون هذا الأمر مما علم من الدين بالضرورة!
وهذا الإجماع الذي نقله الإمام الباقلاني يبطل القول بفناء النار، كما يبطل القول بانقطاع عذابها.
ولا أدري لم يحاول هؤلاء إنكار مثل هذه الإجماعات الساطعة، أوصل بهم الحد إلى التشكيك فيما علم من دين الأمة بالضرورة كما قال الباقلاني؟ إن هذا لشيء عجاب!
الإجماع (3): وضع الإمام ابن حزم كتابه المشهور «مراتب الإجماع»، ونقل إجماعات ليست بالقليلة، وقسّمه إلى (56) بابًا، وقد نوزع في بعض هذه الإجماعات، لكنّه خصّص بابًا مستقلًا للإجماع الذي وصفه: (يكفر مَن خالفه بإجماع)، وذلك لأنّ مستند هذه الإجماعات قطعي معلوم من الدين بالضرورة، ومما قاله في هذا الباب:
«وأن النَّار حق، وَأَنَّهَا دَار عَذَاب أبدًا، لَا تفنى وَلَا يفنى أَهلهَا أبدًا بِلَا نِهَايَة، وَأَنَّهَا أعدت لكل كَافِر مُخَالف لدين الإسلام، وَلمن خَالف الْأَنْبِيَاء السالفين». اهـ
وهذا إجماع صريح للمسلمين على بقاء النار وبقاء عذابها أبدًا بلا نهاية، وهذا الإجماع مما وضعه ابن حزم ضمن «مَن يكفر مخالفه بالإجماع»، فهل يطيق هؤلاء المشككون القدح في هذا الإجماع، والذي وافقه وأقره عدد كبير من أئمة الإسلام، ونقلوه عنه مؤيدين له محتجّين به!
أم أن هؤلاء لا يبالون بالشريعة وأدلتها مبالاتهم بإظهار أنفسهم أوالدفاع عن غير المعصوم؟!
الإجماع (4): وقال الإمام ابن خمير السبيتي: «الإجماع على أن الكفار في النار معذبون إلى الأبد الذي لا انقطاع له». اهـ
وهذا إجماع آخر على دوام النار وعدم فنائها، وعلى بقاء أهلها معذبين فيها بلا انقطاع، فأين هذا من المحاولات البائسة في تسويغ الخلاف في هذه المسألة؟
ولا أدري كيف يطير بعضهم فرحًا بأي تشكيك في الأدلة الدالة على تأبيد العذاب على أهل النار!
الإجماع (5): وقال الإمام الفخر الرازي في نهاية العقول:
«اتفقت الأمة على أن مَن مات على الكفر فإن الله يعذبه أبدًا». اهـ
هذا إجماعٌ لأمة الإسلام على أن الكافر معذب أبدًا، فماذا سيقول المشككون في حق الإمام الرازي؟!
ألايعرف مواطن الإجماع أيضًا وهم عرفوها؟!
– وقال في المحصل: «أجمعوا على أن وعيد الكافر المعاند دائم». اهـ
وهذا الإجماع على دوام وعيد الكفار، ومن المعلوم بالضرورة أن الله توعدهم بالخلود في عذاب النار، فيكون إجماعًا على خلود النار وعلى خلود أهلها فيها بقيد التعذيب.
الإجماع (6): وقال الإمام الكاتبي: «ومثل هذا الكافر أجمع المسلمون قاطبة على أن عذابه غير منقطع». اهـ
وهذا إجماع لـ«المسلمين» «قاطبة» على أنّ عذاب الكافر ليس له انقطاع، فأين هذا ممن يقول بفناء النار، أو يقول بانقطاع العذاب؟
وأين هؤلاء الذين يضحون بدينهم بالتشكيك في هذا الإجماع؟ أهو قصور في الاطلاع أم رغبة في الإغراب!
الإجماع (7): قال الإمام ابن حجر العسقلاني: «قال القرطبي: من زعم أنهم يخرجون منها، أو أنها تبقى خالية أو تفنى، فهو خارج عما جاء به الرسول ﷺ، وأجمع عليه أهل السنة». اهـ
نجد هنا أنّ الإمام ابن حجر يحتج بالإجماع الذي حكاه الإمام القرطبي ويؤيده، وهذا إجماع على دوام النار ودوام مَن فيها، وهذا كاف وحده في إبطال القول بخلوّها أو فنائها.
الإجماع (8): قال الإمام عضد الدين الإيجي: «أجمع المسلمون على أن الكفار مخلدون في النار أبدًا، لا ينقطع عذابهم». اهـ
وهذا تصريح بإجماع «المسلمين» على تأبيد العذاب على الكفار في النار، فأين المتخبطون من هذا الإجماع الذي نقله إمام من أئمة أصول الدين الكبار؟!
أتراه يلقي الكلام دون تدقيق ولا تحقيق كما يفعل أبطال الفيسبوك؟!
الإجماع (9): قال الإمام العقباني: «نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، مؤبّدان لا آخر لهما».اهـ
ثم نقل ذلك عن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-!
فانظر خطورة القول بفناء النار أو انقطاع عذابها، والحال أن دوامها ودوام عذابها مما جاءت به الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-!
الإجماع (10): وقال الإمام هبة الله التركستاني: «قولهم بدوام الجنة ونعيمها، ودوام النار وعذابها […] وعليه إجماع أهل الحق».اهـ
ينقل هنا مذهب الإمام الأعظم وصاحبيه، ثم يبين أنه إجماع أهل الحق الذين يعتد بإجماعهم، لتعلم أن مخالف هذا الإجماع ليس من أهل الحق عند أئمة الإسلام.
الإجماع (11): وقال الإمام السبكي في ردّه على ابن تيمية: «ولذلك أجمع المسلمون على اعتقاد ذلك (خلود الكفار في النار)، وتلقوه خلفًا عن سلف، عن نبيهم ﷺ ، وهو مركوز في فطرة المسلمين، معلوم من الدين بالضرورة، بل وسائر الملل غير المسلمين يعتقدون ذلك، ومن رد ذلك فهو كافر». اهـ
وهذا نقل صريح لإجماع أهل الإسلام على خلود الكافر في النار، وأنّ هذا المعتقد مركوز في فطرة المسلمين، معلوم من الدين بالضرورة، فمن ذا الذي يضحي بدينه ليشكك فيما علم من الإسلام بالضرورة؟!
الإجماع (12): وقال الإمام شهاب الدين الكيلاني: «الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أنّ الذي يدخل الجنة يخلد فيها، وأن الكافر مطلقًا سواء كان معاندًا أو بالغ في الاهتداء ولم يهتد للإيمان يخلد في النار وعذابها». اهـ
نقل الإمام إجماع الأمة على تخليد الكافر في النار وتخليده في عذابها، وبيّن أن ذلك ثابت أيضًا بالكتاب والسنة، فهذه عقيدة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، ومَن خالفها فقد صادم القرآن والسنة وأمة الإسلام جميعًا، أما مَن لا يهتم بكتاب ولا سنة ولا إجماع فلا حرج عنده في تهوين الخلاف في هذه المسألة، والله المستعان.
الإجماع (13): وقال الإمام السعد التفتازاني: «لا خلاف في خلود من يدخل الجنة، ولا في خلود الكافر، عنادًا أو اعتقادًا في النار، وإن بالغ في الاجتهاد؛ لدخوله في العمومات، ولا عبرة بخلاف الجاحظ والعنبري… أجمع المسلمون على خلود أهل الجنة في الجنة وخلود الكفار في النار». اهـ
وهذا نص صريح في إجماع المسلمين على خلود الكفار في النار، ولا عبرة بمن شذ وخرق الإجماع، وهذا الإجماع صدر من إمام في غاية التدقيق والاحتياط، فماذا سيقول المشككون بعد هذا، أهو قلة اطلاع وتدقيق من الإمام السعد؟! أم أنهم أحاطوا بما لم يحط به علمًا؟!
الإجماع (14): وقال الإمام أبو العباس بن عبد العزيز الأندلسي: «فالمعاند والجاهل بقسميه لا خلاف في تخليده وتأبيده في النار، وذلك مجمع عليه». اهـ
وهذا إجماع صريح على تأبيد الكافر في النار وتخليده فيها، ومعلوم أنّ تأبيد الكافر في النار بتأبيده في عذابها وآلامها، لا بتأبيده فيها من حيث الصورة فقط.
الإجماع (15): وقال الإمام السنوسي:
«وقد أطبقت رسل المولى -تبارك وتعالى- وأجمعوا كلهم من لدن آدم -عليه السلام- إلى خاتم النبيين وسيد المرسلين، نبينا ومولانا محمد ﷺ، على أنّ الله كلّف عبيده بتوحيده، وحرّم عليهم الشرك في ألوهيته وعبادته، وبلّغوا عن المولى -تبارك وتعالى- أن مَن ابتلي بهذا المحرّم -وهو الشرك في الألوهية والعبادة- ومات على ذلك، فهو محروم من “جميع نِعَم الآخرة”، مخلد في العذاب العظيم إلى غير نهاية». اهـ
فهذا إجماع الأنبياء والرسل -عليهم السلام- على أن المشرك «محروم من جميع نِعَم الآخرة»، وهو صريح في حرمان الكافر من أي نعيم، سواء بانقلاب عذابه عذوبة وزوال آلامه، أو بإخراجه من النار، أو بإفاضة الماء عليه من الجنة، أو بإفنائه وإفناء النار، أو بإماتته ليستريح، أو بأي صورة من صور النعيم، كلها منفية بإطباق الرسل -عليهم السلام، فلك أن تعجب بعد هذا ممن يناطح بجهله إجماع الأنبياء والرسل، أو يشكك في ثبوت هذا الإجماع، ولا أرى تفسيرًا لذلك إلا غلبة الهوى على النفس، الذي يدفع صاحبه لعدم المبالاة بمثل هذه الإجماعات، لعبارة مشتبهة قالها أحد العلماء وصرّح بما يبيّن معناها في مواضع متعددة.
وقد نقل الإمام السنوسي أيضًا الإجماع على تخليد الكافر في العذاب في شرح العقيدة الكبرى.
الإجماع (16): وقال الإمام المنجور: «دوام الجنة ونعيمها، والنار وعذابها، مما علم من الدين ضرورة».اهـ
أي أن دوام النار ودوام عذابها مما أجمع عليه العامة والخاصة على حد سواء، معلوم من دين الإسلام ضرورة، فمن ذا الذي يورّط نفسه بمخالفة هذا الإجماع إلا مَن في عقله خبل، أو في تدينه خلل؟!
وقد سبق في كلام الباقلاني والسبكي أن هذا مما علم من الدين بالضرورة، وها هو المنجور ينص على ذلك أيضًا.
الإجماع (17): وقال الإمام السفاريني الحنبلي: «فثبت بما ذكرنا من الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة خلود أهل الدارين خلودًا مؤبدًا، كل بما هو فيه من نعيم وعذاب أليم، وعلى هذا إجماع أهل السنة والجماعة، فأجمعوا على أن عذاب الكفار لا ينقطع، كما أن نعيم أهل الجنة لا ينقطع». اهـ
وهذا إجماع آخر على دوام النار لا من حيث المكان فقط، ولا من حيث الصورة فقط، بل من حيث العذاب أيضًا، فعذابهم دائم لا انقطاع له ولا زوال، ولا يرتفع بأي حال من الأحوال!
الإجماع (18): وقال الإمام البكي الكومي: «الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة أن أعظم الكبائر -الذي هو الشرك بالله- لا يغفره الله، ولا ينقطع وعيده وعذابه». اهـ
وهذا نصّ صريح في اتفاق أهل السنة على دوام وعيد الكفار وعذابهم، ليس لذلك انقطاع، فهل يقيم هؤلاء المشككون لأهل السنة وزنًا، أم أن خرق إجماعهم سائغ لا حرج فيه؟!
الإجماع (19): وقال الإمام الدردير في منهاج الصادقين: «ويجب على كلّ مكلف أن يعتقد أن كل مخلَّد في النار لا يفتّر عنه العذاب، ولا يخفَّف عنه، كما هو صريح القرآن والسنة، وإجماع المحققين من المسلمين.
ولا تغتر بكلام بعض الملحدين الضالين من أن الخلود ليس على حقيقته، أو أن المخلَّد يصير بعد طول المدة يتلذذ بالنار كما يتلذذ أهل الجنة بالجنة، ولربما نسب هذا الملحدُ هذه المقالةَ لبعض العارفين كسيدي محي الدين ابن عربي، وهي نسبة باطلة». اهـ
يبيّن الإمام الدردير أن تخليد الكافر في النار وعذابها، بلا تفتير ولا تخفيف، هو صريح القرآن الكريم، والسنة النبوية، وعليه إجماع المحققين من أهل الإسلام.
ونسب مخالفة ذلك إلى بعض الملحدين الضالين، مما يدل على خطورة المسألة، وأن المشكك في قيام الإجماع عليها قد يضحي بدينه من حيث يدري أو لا يدري، فإياك أن تأخذك العزة بالإثم وتصر على التشكيك في هذا الإجماع الثابت كالشمس في رابعة النهار.
الإجماع (20): وقال الإمام السجلماسي: «لأن التوقيف من النبي ﷺ ورد بإدامة النار وعذابها، علم ذلك من دين الأمة بالضرورة، إذ لا يشك أحد من العامة فضلًا عن الخاصة في خلود الكفار في النار، ودوام عذابهم أبدًا». اهـ
ينقل هنا إجماع الأمة -خاصتهم وعامتهم- على تأبيد الكفار في النار وفي عذابها، ويصرّح بأن هذا مما علم من دين الأمة بالضرورة، وأنه توقيف من النبي ﷺ، فمن ذا الذي يهوّن من معارضة النبي ﷺ، ويشكك في هذا الإجماع المبني على عقيدة معلومة من دين الإسلام بالضرورة؟!
فهذه نصوص محكمة في إجماع الإمة الإسلامية على خلود الكفار في النار وعذابها، ولو أردت استقصاء الإجماعات في هذه المسألة لطال الأمر جدًا، فهل يقال بعد ذلك أنّ القائل بفناء النار أو عذابها لم يخالف الإجماع المعتبر؟!
وهل وصل التعصب للأشخاص إلى نفي حجة شرعية كالإجماع المستند إلى نصوص الكتاب والسنة القطعية، والتشكيك في الإجماع على ما علم من الدين بالضرورة؟!
وإذا كان مثل هذا الإجماع الراسخ ليس ثابتًا، فاقرأ على الإجماع السلام، ولا تستنكر حينها تلاعب الحداثيين بما اتفق عليه أهل الإسلام؛ كمسألة الحجاب ونحوها، فإن أغلب تلك المسائل ليس لها مستند من نصوص الكتاب والسنة كما لمسألتنا هذه.
ونلاحظ أنّ بعض الأئمة نقل بعض الأقوال الشاذة المخالفة لخلود النار وعذابها، ومع ذلك جزموا بإجماع الأمة دون اعتبار تلك الأقوال، فالإجماع ثابت قبل ظهورها وبعده، ومستند هذا الإجماع قطعي، ومدلوله معلوم من الدين بالضرورة.
[المطلب الثاني: الكلام على نصوص الإمام الرازي]
أولًا: الإجماع الشرعي المعتبر ينعقد ولو لم يقل به بعض المسلمين، لعدم اعتبار قولهم في الإجماع أصلًا، فمن الممكن أن يقال أن «الجمهور الأعظم من الأمة» قالوا بشيء، والإجماع الشرعي المعتبر منعقد عليه، ومثال ذلك:
اتفق الخوارج على تضليل سيدنا علي -رضي الله عنه وأرضاه-، إلا أنّ «الجمهورالأعظم من الأمة» اتفقوا على إمامته وفضله، فنقول: انعقد إجماع المسلمين على إمامة سيدنا علي وفضله، ومن خالف في ذلك فقد خرق الإجماع، ولا نلتفت إلى شذوذ الخوارج في هذا وإن كانوا مسلمين، فالإجماع المعتبر واقع دون اعتبار «بعض» المسلمين الذين شذّوا وخالفوا في هذه المسألة.
وكذلك نقول: أجمع المسلمون على خلود النار وعذابها، ولا نلتفت إلى خلاف الجهم والعلاف ومَن تبعها، فإن خلافهما غير معتبر في هذا الإجماع الشرعي، فقولنا: أن جمهور الأمة الأعظم على تأبيد النار وعذابها لا ينافي انعقاد الإجماع الذي هو حجة بهذا «الجمهور الأعظم» لعدم اعتبار قول المخالف أصلًا.
ثانيًا: إن احتجاج هذا المُدّعي بكلام الإمام الرازي يتهاوي بمعرفة السياق الذي ورد فيه، فقد أورد الإمام قوله تعالى: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك).
ثم ذكر أن قومًا قالوا بانقطاع عذاب الكفار متحجين بهذه الآية، وإذ ارجعنا إلى كتب الإمام الأخرى وجدناه ينقل هذا المذهب عن الجهم والعلاف! ومعلوم أنّ خلاف هؤلاء ليس معتبرًا حتى عند أحد يعتد به من أهل الإسلام كما ذكر الإمام الباقلاني.
وبيّن الإمام الرازي أن هؤلاء القائلين بانقطاع عذاب الكفار احتجوا بأدلة نقلية وعقلية، فقال:
«قال قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نهاية، واحتجوا بالقرآن والمعقول…». اهـ
ثم بيّن أنهم احتجوا على انقطاع وعيد الكفار بهذه الآية: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك)، فقال:
«أما القرآن فآيات منها هذه الآية والاستدلال بها من وجهين: الأول: أنه تعالى قال: ما دامت السماوات والأرض دل هذا النص على أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض […]
الثاني: أن قوله: (إلا ما شاء ربك) استثناء من مدة عقابهم وذلك يدل على زوال ذلك العذاب في وقت هذا الاستثناء..». اهـ
ثم شرع في الرد على استدلالهم بهذه الآية فقال:
«وأما الجمهور الأعظم من الأمة، فقد اتفقوا على أن عذاب الكافر دائم وعند هذا احتاجوا إلى الجواب عن التمسك بهذه الآية..». اهـ
فعبّر هنا عن بقيّة الأمة بـ«الجمهور الأعظم من الأمة»، وهذا التعبير يصف جميع الأمة سوى مَن شذ في هذه المسألة، وهذا الجمهور الأعظم يحصل به الإجماع الشرعي لعدم اعتبار مَن خالف في ذلك، والإمام لم يجعل رأى هؤلاء الشاذين معتبرًا في الإجماع الشرعي، فإن الإجماع الشرعي ينعقد دونهم، وقد بيّن ذلك الإمام الباقلاني حتى نقل عن رؤوس المعتزلة تكفير العلّاف القائل بهذا القول!
على أن التعبير بصيغة «الجمهور الأعظم من الأمة» ونحوها مشهورة في التعبير عن الإجماع الشرعي المعتبر، والإمام الرازي نفسه استخدمها للتعبير عن ذلك، فقال مثلًا:
«أما الجمهور من المسلمين فإنهم اتفقوا على أنه سبحانه وتعالى يعلم الجزئيات قبل وقوعها».اهـ
ومعلوم أنّ القول بجهل الله بشيء قبل وقوعه كفر، كما قرّره كثير من الأئمة، وشذوذ مَن شذ في هذه المسألة غير معتبر، والإجماع قائم دونهم.
والذي يدلّ على أن إجماع الأمة الذي يعتبر حجة ينعقد دون اعتبار أمثال هؤلاء، هو أن الإمام الرازي نفسه نقل ((إجماع الأمة)) على دوام عقاب الكفار دون انقطاع، ولم يعتبر شذوذ مَن شذّ عن «الجمهور الأعظم من الأمة» مبطلًا لللإجماع، وإليك بعض نصوص الإمام الرازي الصريحة في انعقاد «إجماع المسلمين» على تأبيد العذاب على الكفار، بل واحتجاجه بهذا الإجماع:
[النص الأول]: قال في نهاية العقول في مباحث الثواب والعقاب:
«اتفقت الأمة على أن مَن مات على الكفر فإن الله يعذبه أبدًا». اهـ
وهذا نقلٌ صريح في إجماع الأمة الإسلامية، يبطل القول بفناء النار، أو بانقطاع عذابها وزواله وانقلابه عذوبة، فهو يقول بعبارة محكمة لا لبس فيها: «اتفقت الأمة».
[النص الثاني]: لمّا ساق بعض آيات الوعيد التي احتج بها المعتزلة، قال:
«لا نسلّم دلالتها على ذلك في حق الكفار، بل إنما عرفنا دوام عقاب الكفار بالإجماع، لا بهذه الآيات». اهـ
وهذا احتجاج قاطع بالإجماع على دوام عقاب الكفار، بل قدّم الاستدلال بهذا الإجماع على الاستدلال بالآيات التي أوردوها!
والإجماع على دوام عقاب الكفار يهدم القول بانقطاع العقاب بأي صورة من الصور، سواء كان ذلك بفناء النار، أو بزوال الآلام وانقلابها نعيمًا، أو بتحول أهل النار إلى سكون دائم خال عن الشعور والإحساس.
وقال أيضًا: «لانسلّم أن الكافر يستحق على جميع معاصيه العقاب الدائم، بل المعلوم أنه يستحقع على كفره العقاب الدائم، أما فيغيره فلا». اهـ
[النص الثالث]: وقال في الأسماء والأحكام:
«إن إنكارهم لنبوته -عليه السلام- إما أن يكون عنادًا، وإما أن لا يكون.
فالأول: أجمعت الأمة على أنّ عقابهم يكون مخلّدًا، ويكون أشد من عقاب غيرهم». اهـ
ثم ذكر شذوذ الجاحظ والعنبري في القسم الثاني، ثم قال:
«وأما أصحابنا فقد ذهبوا إلى أنه غير معذور، وادّعوا إجماع السلف في أن اليهودي أو النصراني إذا كان مصرًا على يهوديته ونصرانيته، فإنه لا يكون معذورًا، سواء كان إصراره للعناد أو للشبهة». اهـ
وهذا نصٌ ثالث عن الإمام الرازي في إجماع الأمة على تخليد الكفار في العذاب.
[النص الرابع]: قال في المحصّل: «أجمعوا على أن وعيد الكافر المعاند دائم».اهـ
وأرجو ألا يتسرع أحدهم قبل مراجعة السياق ليقول: أنه ناقل لإجماع أهل السنة فقط!
قال شارحه الإمام الكاتبي: «ومثل هذا الكافر أجمع المسلمون قاطبة على أن عذابه غير منقطع». اهـ
[النص الخامس]: قال في تفسيره:
«فَإذا جَوَّزَ عَلى اللَّهِ الخُلْفَ فِيهِ (أي وعيد الكفار) فَقَدْ جَوَّزَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وهَذا خَطَأٌ عَظِيمٌ، بَلْ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ كُفْرًا، فَإنَّ العُقَلاءَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الكَذِبِ، ولِأنَّهُ إذا جَوَّزَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ في الوَعِيدِ لِأجْلِ ما قالَ: إنَّ الخُلْفَ في الوَعِيدِ كَرَمٌ، فَلِمَ لا يَجُوزُ الخُلْفُ في القَصَصِ والأخْبارِ لِغَرَضِ المَصْلَحَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ فَتْحَ هَذا البابِ يُفْضِي إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ وكُلِّ الشَّرِيعَةِ». اهـ
يحتج الإمام الرازي على بطلان خلف الوعيد في حق الكافر بدليلين:
الأول: الإجماع، والإجماع الذي احتج به ليس إجماع المسلمين فقط، بل إجماع العقلاء! الشامل لإجماع المسلمين وغيرهم.
الثاني: أن فتح هذا الباب يفضي إلى الطعن في القرآن وكل الشريعة.
[النص السادس]: وقال أيضًا في تفسيره:
«الآية دالة على أن ما سوى الشرك مغفور، فلو كانت اليهودية مغايرة للشرك، لوجب أن تكون مغفورة بحكم هذه الآية، وبالإجماع هي غير مغفورة، فدل على أنها داخلة تحت اسم الشرك». اهـ
فقوله: «وبالإجماع هي غير مغفورة»، يدل على أن الشرك لا يغفر بالإجماع، لأن ما سوى الشرك يدخله الغفران بدليل قوله تعالى: «ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء».
فهذه ستة نصوص للإمام الرازي يجزم فيها بإجماع الأمة على تخليد الكفار في العذاب، وأن وعيدهم لا يخلف، ويجعل هذا الإجماع حجة شرعية يحتج به، ويؤيدها، ويلزم بها الخصوم.
وبهذه النصوص -وغيرها- نعلم بطلان ما يزعمه هذا المّدعي من أنه «لم يثبت إجماع المسلمين على ذلك»، وهذا غفلة منه وتعالم، ولا أدري ما الذي دفعه للهجوم على المسألة بهذه الطريقة السطحية، أهو حب الظهور بمظهر الوسطي المعتدل، أم هوى نقد الطرف الآخر؟ أم ماذا؟!
وقول هذا المُدّعي: «ماذا سيقولون في حق الإمام الرازي رحمه الله، هل أخطأ أيضًا وغاب عنه ذلك الإجماع الذي يدّعون شّدة ظهوره».
أقول: ها قد بينّا لك أن الإمام الرازي يثبّت ذلك الإجماع وينقله ويحتج به ويلزم به خصومه، فالخطأ ليس من الإمام، ولاممن نقل هذا الإجماع من الأئمة بدءًا من الإمام الأشعري والباقلاني، ووصولًا إلى الإمام السجلماسي والدردير، بل الخطأ من المتسرّعين الذين يحاولون أن يتلقفوا كل كلمة من هنا وهناك لينقضوا بها حجة شرعية اعتمد عليها أئمة الإسلام على مر القرون، دون أن يحيطوا بجوانبها وأطرافها.
فأقول لهذا الأخ وللمصفقين له: ماذا ستقولون في حق الإمام الرازي رحمه الله، هل أخطأ أيضًا في الانتصار للإجماع الذي ندّعي شّدة ظهوره، والاحتجاج به؟
ثم إن الإمام الرازي لمّا ساق جملة من الوجوه في جواب «جمهور الأمة الأعظم» الذي اعتبره إجماعًا في مواضع أخرى، ختم هذه الوجوه بالوجه الآتي، حيث قال:
«الوجه السادس في الجواب: قال قوم: هذا الاستثناء يفيد إخراج أهل التوحيد من النار، لأن قوله: «فأما الذين شقوا ففي النار» يفيد أن جملة الأشقياء محكوم عليهم بهذا الحكم، ثم قوله: «إلا ما شاء ربك» يوجب أن لا يبقى ذلك الحكم على ذلك المجموع، ويكفي في زوال حكم الخلود عن المجموع زواله عن بعضهم، فوجب أن لا يبقى حكم الخلود لبعض الأشقياء، ولما ثبت أن الخلود واجب للكفار وجب أن يقال: الذين زال حكم الخلود عنهم هم الفساق من أهل الصلاة». اهـ
أي أن الاستثناء الوارد في حق أهل النار: (إلا ما شاء ربك)، يفيد إخراج أهل التوحيد الذين يدخلون النار، وبالتالي فلا يمكن لأحد أن يدّعي الإجماع على أنّ مَن دخل النار فلا يخرج منها؛ لأن أهل الكبائر يخرجون منها، والاستثناء في الآية يفيد ذلك، بخلاف أهل الجنة فلم يقل أحد بأنهم يخرجون منها بعد دخولها، وقد قوّى الإمام الرازي هذا بقوله:
«وهذا كلام قوي في هذا الباب». اهـ
ثم ذكر شبهة للخصم في هذا فقال:
«فإن قيل: فهذا الوجه إنما يتعين إذا فسدت سائر الوجوه التي ذكرتموها، فما الدليل على فسادها.
وأيضًا، فمثل هذا الاستثناء مذكور في جانب السعداء، فإنه تعالى قال: (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ)».
أي أنّ الاستثناء لو كان دالًا على خروج بعض أهل النار منها -وهم أهل التوحيد كما قال الرازي- ، لكان الاستثناء الوارد في حق أهل الجنة دالًا على خروج بعض أهلها منها!
فأجاب الإمام الرازي بأن الإجماع منعقد على عدم خروج أحد من الجنة بعد دخولها، فلا يفيد الاستثناء إخراج أحد من أهل الجنة بدليل الإجماع، إلا أنّ الإجماع لم يقم على نفي خروج أحد ممن يدخل النار (وهم أهل التوحيد)، فحملنا الاستثناء على ظاهره، قال الإمام:
«وأما قوله: إن مثل هذا الاستثناء حاصل في جانب السعداء.
فنقول: أجمعت الأمة على أنه يمتنع أن يقال: إن أحدًا يدخل الجنة ثم يخرج منها إلى النار، فلأجل هذا الإجماع افتقرنا فيه إلى حمل ذلك الاستثناء على أحد تلك التأويلات.
أما في هذه الآية لم يحصل هذا الإجماع، فوجب إجراؤها على ظاهرها». اهـ
وهذا يبيّن فساد فهم هذا المُدّعي لكلام الإمام الرازي، وأن همّه ليس سوى تلقّف كلمات دون فهم ولا تحقيق، ليشكك في دليل من أدلة الشرع الشريف، لم يزل الأئمة يحتجون في كل عصر، فإن الإمام الرازي ينفي الإجماع على أنه يمتنع أن يقال: إن أحدًا يدخل النار ثم يخرج منها، لأن أهل التوحيد يخرجون من النار إلى الجنة، لكن مثل هذا الإجماع ثابت في حق أهل الجنة، أي: أجمعت الأمة على أنه يمتنع أن يقال: إن أحدًا يدخل الجنة ثم يخرج منها إلى النار.
وقد احتج الإمام الرازي مرارًا بنفس هذه الحجة على خروج أهل الكبائر من النار.
وقد أوهم هذا المُدّعي أن الإمام الرازي ينفي الإجماع على امتناع خروج أحد من أهل النار، أي الكفار، بإيراده هذا النص في سياق التشكيك في ذلك الإجماع، وبما وضعه بين معكوفين توضيحًا لكلام الإمام الرازي فقال: [في حق أهل النار].
ولو تصفح هذا المُدّعي كلام الإمام الرازي عن آيات وعيد الكفار، وكيف اعتبرها «نصوصًا» و«قاطعة» على تأبيد الكفار في النار، لما تهوّر وادعى على الإمام الفخر قصة نفي الإجماع، ومن الأمثلة على ذلك قول الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم):
«هذه الآية نص قاطع في أن الخلود ليس إلا للكفار، لأن قوله: «أولئك أصحاب الجحيم» يفيد الحصر، والمصاحبة تقتضي الملازمة، كما يقال: أصحاب الصحراء، أي الملازمون لها». اهـ
فانظر كيف جعل هذه الآية «نصًا» و«قاطعًا» في خلود الكافرين، فهل الشذوذ عن مثل هذه النصوص القاطعة معتبر في التشكيك في الإجماع الثابت ثبوت الجبال؟!
وإني كما أعجب من جرأة هذا الأخ، أعجب من جرأة الإخوة الذين وافقوه على كلامة وادّعائه على الإمام ما لم يقله، وأيدوه ووافقوه على التشكيك في هذا الإجماع، فكان من الواجب عليهم أن ينصحوه وينبهوه، لا أن يصفقوا له ويؤيدوه!
