بقلم الشيخ جاد الله بسام

ليس هناك وحدة وجود سنية بإطلاق.. والبيضاوي والخفاجي أشعريان
بل هناك وحدة شهود على وفق مذهب الأشاعرة وفقه أهل السنة والجماعة والتصوف الصحيح
لا زال بعض الناس يزعم أن هناك وحدة وجود سنية ويطلق ذلك، وقد يكون هذا سبباً في إلصاق وحدة الوجود الباطلة بأهل السنة والجماعة، وأنا أتعجب من الاستشهاد لذلك بكلام للإمام البيضاوي الأشعري في تفسيره، والشهاب الخفاجي محشّيه الأبرز صاحب اللغة العالية والتدقيقات الوافية، مع أني في حدود اطلاعي لم يسبق أن سمعت أحداً ينسبهما إلى وحدة الوجود.
وأقول ردّاً على ذلك وبياناً لوجه الصواب فيه:
لقد تقرّر عند الباحثين أنّ “وحدة الوجود” قد تطلق ويراد بها أحد معنيين:
أ‌. المعنى الفلسفي الباطل عند أهل السنة والجماعة، وهذا المعنى يتلخص في أن العالم عدمٌ حقيقة، وأن ما نراه من الأشياء خيال وكذب في الحقيقة لا وجود لها، بل هي موجودة من حيث هي مظاهر لله تعالى ومجالٍ له.
ب‌. المعنى المقبول عند أهل السنة والجماعة، وهو المصطلح عليه عندهم بوحدة الشهود، ومعناه باختصار: أن العبد يغلب عليه ملاحظة جانب الحقّ تبارك وتعالى في كل شؤون الحادثات، من حيث إنه سبحانه الواجب القديم المهيمن الظاهر، وهي مرتبة من مراتب السالكين وليست بأعلاها عند أهل الحقائق من علمائنا من أهل السنة الجماعة الذين نعرف لهم أقدارهم.
وقد استقرّ الأمر عند علماء الكلام والعقائد والتفسير وأهل التصوف السنيّ على التفرقة بين المعنيين، فالأول باطل، والثاني مقبول، وصار المعنى الثاني المقبول مشهوراً بوحدة الشهود لا وحدة الوجود، وهي تفرقة اصطلاحية مشهورة، يعد العدول عنها محلّ إشكال.
ومع ذلك -والكلام على العموم- لا زلنا نجد أناساً لا يميزون بين المعنيين، ونحن الأشاعرةُ متكلمين وفقهاء ومفسرين وصوفية من أهل السنة [أقول نحن استظهاراً لأن الاعتقاد واحد للجميع] مع السادة الشاذلية والنقشبندية والرفاعية وأعلامهم الذين جمعوا بين العلم الظاهر والباطن، وغيرهم من صوفية أهل السنة، أقول: نحن معهم في أنّ السالك يصل إلى مرتبة وحدة الشهود، حيث يرى أنّ الله هو الفاعل الحقيقي في الوجود، وأنّ ما سواه من الممكنات هو عدم بالإضافة إلى الله تعالى، لكمال استغناء الله وكمال افتقار ما سواه، فتضمحل المخلوقات في عينه ولا يشهد إلا الله الحق تبارك وتعالى، ولسنا نحن أهل السنة والجماعة الأشاعرة ومعنا من ذكرناهم مع القائلين من الصوفية الوجودية والفلسفية بأن العوالم مظاهر لله الذي هو الوجود المطلق، على ما زعموا، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً.
نعم لا زال بعض الناس لا يفصلون في عباراتهم، بل يطلقون الكلام، فيقول قائلهم: وحدة وجود سنية عند البيضاوي والخفاجي، واستشهد ببعض نصوص فاقتطعها، ولعمر الحقّ لا ينسب هذان العلمان لمثل هذه المقالة!
وأسوق هنا من كلام البيضاوي والخفاجي ما يوضح الأمور، ويبين للقارئ وجوب التأني في قبول الآراء وردها، وأنّ ذلك ليس من السهولة بمكان، (معرضاً عن التنبيه على أخطاء وقع فيها ضبطاً وتشكيلاً):
قال الإمام البيضاوي في تفسيره (8/ 134، ط قديمة مع حاشية الشهاب): “{فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} من خلق مواد السفن والإِرشاد إلى أخذها وكيفية تركيبها وإجرائها في البحر بأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها غيره. {كُلُّ مَنْ عَلَيْها} مَن على الأرض من الحيوانات أو المركبات ومَنْ للتغليب، أو من الثقلين.
{فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ}: ((ذاته))، ولو استقريت جهات الموجودات وتفحّصت وجوهها وجدتها بأسرها فانية في حدّ ذاتها إلا وجه الله، أي الوجه الذي يلي جهته، {ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ} ذو الاستغناء المطلق والفضل العام.
{فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}، أي مما ذكرنا قبل من بقاء الربّ، ((وإبقاء ما لا يحصى)) مما هو على صدد الفناء رحمة وفضلاً، أو مما يترتب على فناء الكلّ من الإِعادة والحياة الدائمة والنعيم المقيم.
{يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} فَإِنَهم مفتقرون إليه في ذواتهم وصفاتهم وسائر ما يهمهم، ويعنّ لهم، والمراد بالسؤال ما يدلّ على الحاجة إلى تحصيل الشيء في ذواتهم وصفاتهم نطقاً كان أو غيره، {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} كل وقت ((يحدث أشخاصاً ويجدد أحوالاً)) على ما سبق به قضاؤه”.
التعليق على نصّ الإمام البيضاوي:
أ‌. قوله: “{وجه ربك}: ذاته”، هذا القول لم يذكره الكاتب من كلام الإمام البيضاوي، وله أهميته، فإنّ من قرأ شيئاً في كتب الإمام في مختلف العلوم يعلم أنه محرّر العبارة، فهذا الوجه له اعتباره، وتقديمه ترجيح عند من مارس عبارات البيضاوي، وهو أحد وجهي تفسير معنى الوجه.
ب‌. قوله: “ولو استقريت جهات الموجودات” أي صفاتها وأحوالها التي من جملتها أعمالهم وأقوالهم وشؤونهم وما يعرض لهم، كما ذكر الخفاجي في الحاشية، وسيأتي، ويمكن أن تفسر بأنها التي تسمى عند علماء العقائد بالمتقابلات التي هي علامات الإمكان الأزلي للممكنات (الوجود والعدم والقدر والمكان والزمان… الخ)، وهذا جدير أن يكون وجهاً ثانياً في تفسير معنى الوجه.
ت‌. قوله: “وإبقاء ما لا يحصى”، فيه وصف للموجودات بالبقاء، والبقاء وجود وزيادة، وفيه إسناد الإبقاء لله تعالى، فإذن هذا صريح من الإمام بأن العوالم والكائنات الممكنة ليست عدمية، بل هي موجودة بوجود وباقية غير فانية في حالها الآنيّ، بل هي على صدد الفناء، لأنه لا بقاء لها دون إبقاء من الله، وهو مناسب لمذهب الأشاعرة الذي هو مذهب البيضاوي، كما لا يخفى.
ث‌. قوله: “يحدث أشخاصاً ويجدد أحوالاً”: ظاهر في إثبات وجود العالم وإخراجه من حيز العدم -كما يقال- إلى حيز الوجود، مع إثبات صفات تلك الحوادث والأشخاص، فالعالم موجود بوجود حادث بأعراضه وجواهره.
أقول أخيراً في الكلام على نص الإمام البيضاوي: لا يخفى من هذه الإشارات الأربعة الموجزة أن الإمام البيضاوي بعيد عن مذهب وحدة الوجود بعد المشرق عن المغرب، ويمكن لنا الكلام بما يزيد المقام جلاءً في توضيح كيف يتكلم مثل هذا الإمام الكبير، لكننا سنضطر إلى تطويل نستغني عنه بالإشارات السابقة.
وأما بالنسبة للإمام الشهاب الخفاجي، فاعلم أن كلامه طويل عريض عميق يتعذر نقله بجميعه، لكن أعلق وأقتصر على ما فعله الناقل من اقتطاع، قال الخفاجي في حاشيته (8/ 134، ط قديمة مع حاشية الشهاب): قال أستاذنا المقدسيّ قدس الله روحه: ما هو في حدّ ذاته عدم، فالأصل بقاؤه على ما هو عليه بحسب الذات، إلا الجهة التي يليها الحق أي يتولاها بفضله، ويفيضها عليه من عنده، فالمعنى: ما سوى الحق من الممكنات فانٍ، أي قابل للفناء في حدّ ذاته، لولا نظر الحق إليه، وإفاضة خلع الوجود عليه لما حصل له تشريف الوجود، ولبقي على ما كان عليه وهو مفقود، فلم يبق بعد نظر الحق إليه على الفناء الذي كان ثابتاً له في حدّ ذاته، وبالنظر إليه نفسه، فيمكن أن يراد بالوجه العمل الصالح كما في بعض التفاسير…”.
تعليق على كلام الخفاجي:
أ‌. قوله: “ما هو في حد ذاته عدم”، أي بالنظر إلى حقيقته وماهيته، من غير ملاحظة إمداده بالوجود من الله تعالى، فليس فيه أنّ العالم ليس بموجود بوجود حقيقي فعلاً، كما هو مذهب أصحاب الوحدة.
ب‌. قوله: “ما سوى الحقّ من الممكنات فانٍ، أي قابل للفناء في حدّ ذاته، لولا نظر الحق إليه”، أقول: لولا تفيد امتناع شيء لوجود شيء، أي امتناع قبول الفناء بسبب نظر الحقّ إليه الذي أفاض عليه الوجود، فقبول الفناء ممتنع (فالبقاء ثابت) بسبب نظر الحق إليه، بصريح العبارة التي يفهمها من كان يفهم الكلام، ولا يعرض نفسه لمثل شهب الشهاب بدون إعداد عدة، فأين نفي الوجود عن الممكنات الذي يصرح به أهل الوحدة، والبيضاوي مصرح بإثبات الوجود لها والبقاء.
ت‌. قوله: “فانٍ، أي قابل للفناء”، وهو تأويل من البيضاوي يفسد كلام القائل بوحدة الوجود رأساً ويهدمه أساساً، لأنه أوّل الفناء بالفعل ورجع به إلى الفناء بالقوة والقبول (فهي موجودة بوجود)، وهذا مخالف لأهل الوحدة.
ث‌. قوله: “وإفاضة خلع الوجود عليه لما حصل له تشريف الوجود”، هذا ظاهر وبيّن في أنّ الممكنات الفانية حصل لها الوجود على وجه التشريف والخلعة الربانية، وهو منافٍ لمذهب القائلين بالوحدة القائلين بعدميتها ومظهريتها فقط.
ج‌. قوله: “ولبقي على ما كان عليه وهو مفقود، فلم يبق بعد نظر الحق إليه على الفناء الذي كان ثابتاً له في حدّ ذاته”، ظاهر في إثبات حالتين للممكن، الأولى: العدم الأصلي حالة كونه مفقوداً، الثانية: العدم الإضافي وهو قبول الفناء حالة الوجود الفعليّ بسبب نظر الحقّ سبحانه، فهل يمكن أن يزعم زاعم أن الأستاذ المقدسي رحمه الله تعالى لم يثبت حالتين للممكن، وأنه صريح في إبطال الوحدة؟
ح‌. أخيراً؛ قول الخفاجي الذي حذفه الناقل ولم يذكره وكأنه غير مهم، مع أنه يزيل كل شبهة، قال: “فيمكن أن يراد بالوجه العمل الصالح كما في بعض التفاسير”، هذه الفاء للتفريع على ما سبق، وهي توضح كل ما يمكن أن يقال في هذا المجال، وهو أنّ الجهة التي يتولاها الله تعالى من العبد الفاني والهالك لا محالة، هي العمل الصالح الذي بسببه يمدّه بأسباب دوام النعيم في الجنة أبداً، فالباقي على هذا الوجه من التفسير هو ما يرضي الله تعالى من الطاعات، وقد وقع تخصيص الطاعات بالكلام على جهة الاهتمام بهذه الطاعات وتعظيمها والحضّ عليها، وهو المناسب بموضوع السورة وافتتاحها وسياق الكلام، على حدّ قوله سبحانه: {والباقيات الصالحات}، ويجدر التنبيه إلى أنّ المعاصي أيضاً باقية ببقاء آثارها، قال سبحانه: {ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً}.
وقد دندن الناقل بما ذكره الشّهاب الخفاجي في هذا الموضع بما يدلّ على القول بوحدة الشهود المعروفة عند أئمة الشاذلية والنقشبندية والرفاعية وغيرهم، واستشهد الخفاجي فيه بكلام العارف بالله ابن عطاء الله السكندري، وفي ضمنها نفي وحدة الوجود، وأراد الناقل إلصاق وحدة الوجود -بإطلاق هكذا- بأهل السنة من خلال العبارات الموهمة، لكنه لم يوفق في ذلك فقد تعرض لما لا قبل له به، وهذا نصّ عظيم جليل القدر مملوء بالذوق لمن تأمّله، وهو يبطل كل فرية تقال في حق الأئمة العظام من أهل السنة والجماعة من أنهم يقولون بوحدة الوجود أو يعادون أولياء الله من الصوفية السنيين، وهاك النصّ، قال الشهاب: “وقال بعض مشايخنا: ذلك الوجه الموصوف بعدم الفناء قيوميته تعالى للموجودات، وهي صفة له تعالى غير قابلة للفناء في ذاتها، ونؤمن بها كما أخبر الله، وإن جرينا على مذهب السلف من أنّ الوجه واليد ونحوهما صفات نثبتها، ولا نشتغل بكيفيتها ولا بتأويلها؛ صحّ وصفها بأنها غير قابلة للفناء في حدّ ذاتها، قال بعض العارفين: أبى المحققون أن يشهدوا غير الله لما حقّقهم به من شهود القيومية، وإحاطة الديمومية، وقال ابن عطاء: الكون كله ظلمة، وإنما أناره ظهور الحق فيه، فمن رأى الكون ولم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده، فقد أعوزه وجود الأنوار، وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار”. انتهى من الشهاب.
ولك أن تعجب من ذهول هذا الناقل عن عبارة نقلها، حيث يقول الشهاب: “وقال بعض علماء العصر: “يريد – أي البيضاوي- بيان كون من عليها فانيًا مع الاتصاف بالوجود…”، فانظر كيف قال: مع الاتصاف بالوجود، وهو صريح بتعدّد الوجود الممكن، فأين صار مذهب الوحدة، لقد صار قاعاً صفصفاً، ومنسوفاً كعجل السامري نسفاً، وأما أنّ “الوجه الباقي يطلق عليه لفظ الوجود لكونه مظهر النور الإلهي…”، فلا إشكال فيه عندنا مع القرائن السابقة على إرادة وحدة الشهود لا وحدة الوجود. وأكتفي بهذا القدر.
وأنبه أن القائل بإطلاق القول بسنية وحدة الوجود لا يصحّ مع إجمالها في المعنيين المذكورين، على ما هو مقرر، فلا بدّ من توضيح ذلك منه وتحرير مراده، خصوصاً أن الكاتب ربطها بذكر الشيخ ابن عربي، ومذهبه محلّ النزاع بيننا، فإن تحرر بأنه يريد وحدة الشهود لا وحدة الوجود، زال الإشكال، وإلى الله المرجع والمآل، والله تعالى أعلم وأحكم، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وأستغفر الله لي وللمسلمين. آمين

[تتمة في مسألة البيضاوي والشهاب: الجواب عن التعقيب]
السلام عليكم
جوهر الكلام في نقطتين، والباقي نافلة من البيان في التعليق الآتي؛ لأني حسبتني انتهيت منه:
– الأولى: تحرير المراد بوحدة الوجود عندك، وقد بينتَ مشكوراً أنها ليست بمعنى وحدة الشهود، بل هي عين الوحدة بمعناها الباطل، فتكون الإيرادات السابقة متجهة على كلامك، وقد سلمتَ أغلبها وجعلتها وجوهاً في التفسير، ويأتيك الجواب عن جديد ما استشكلته.
– الثانية: تحرير المراد من وصف وحدة الوجود بالسنية، وقد بينتَ مشكوراً أنّ المراد من هذه النسبة أن من قالوا بها هم من علماء السنة، وقد استغربت ذلك جداً، فإنّ مؤدى بيانكم أن وحدة الوجود سنية؛ لأنّ بعض من قالوا بها من هم من السنّة مع عدم صحة نسبتها إلى مذهب السنة! فكيف يكون ذلك البعض من علماء السنة –أي في هذه المسألة التي فيها الكلام- مع عدم نسبة اعتقادهم فيها إلى السنة! هذا كلام فيه ما فيه، مما لا يحتاج إلى تنبيه. كلامنا ليس في النسبة النحوية يا دكتور التي قد تصحّحها هكذا ملابسة، وإنما الكلام في نسبة مذهب وحدة الوجود إلى مذهب أهل السنة، ولا أحسب أنّ مثلك يقول ذلك، فلماذا ينسب منشورك هذا المذهب الباطل إلى مذهب أهل السنة؟ هذا محلّ الاعتراض على منشورك بحسب ما يفهم منه بدون تأويل وتفسير.

ثم أرجو التنبه إلى أن القونوي (ت1195هـ) متأخر عن الشهاب (ت1069هـ)، وليس متقدماً عليه كما ذكرت. وأما استشهادك بنصّ شيخ زاده المرفق في الصورة فهو في غير محله؛ لأنه يقال فيه ما قلناه في تحليل قول الإمام البيضاوي: “في حد ذاتها”، وما قلناه في تحليل قول الخفاجي: “في حد ذاته”. وهذه مسألة كلاميّة مشهورة مبسوطة في كتب الكلام صغيرها وكبيرها عند الكلام على تعلقات القدرة، وبقاء العرض زمانين، كما لا يخفى على مطّلع.
– وأمّا قول الشهاب الذي بقي فيه إشكال عندك، فأسوقه كاملاً؛ لأنه موضع واحد: “وقال بعض علماء العصر: يريد بيان كون مَن عليها فانيًا مع الاتصاف بالوجود، وبيان فائدة لفظ الوجه، وهو أنّ الموجودات الممكنة لها جهات ووجوه من ذواتها وصفاتها وأحوالها، وتلك الجهات والوجوه كلها هالكة فانية في حدّ ذاتها، إلا الوجهَ الذي يلي جهته تعالى، ويكون منسوباً إليه، فإنه الباقي وحده، وذلك الوجه الباقي يطلق عليه لفظ الوجود لكونه مظهر النور الإلهي المنور له من الله الذي هو نور السماوات والأرض، وبهذا التقرير اندفع توهّم التدافع بين تفسير الوجه أوّلاً بالذات، وثانياً بالذي يلي جهته. فتأمله؛ فإنه من مزال الأقدام” اهـ كلامه.
أقول: قد أشرت إلى هذا الموضع وظننت أني كُفيتُ تفسيره؛ لأنه نفس الوجه الذي أثبت فيه الأستاذ المقدسي اتصاف الفانيات بالوجود، فلا حاجة بك إلى قطعه عن أصله، فليسا موضعين، بل هما موضع واحد، مؤدّاه على تصريح الشهاب (وهو النصّ المقتطع من جنابك في المنشور الأصلي) أنّ العمل الصالح بشرطه هو الذي يلي جهته سبحانه لخلوصه من حظوظ النفس، فهو نور ووجود مجازاً؛ لأنه يلي جهته تعالى، ومقابلُه فانٍ وهالك وعدم وظلمة مجازاً؛ لأنه لا يلي جهته.
ثم قال الشهاب: “الوجه الباقي [العمل الصالح] يطلق عليه لفظ الوجود”، فهو لا يقول: الوجه الباقي [العمل الصالح] وجودٌ حقيقةً، كما يرى أهل الوحدة من أنّ الوجه الباقي هو الوجود حقيقة، بل يطلق عليه عند الشهاب ذلك مجازاً للسبب المذكور، أي ليس هو وجوداً في الحقيقة، وهو مخالف لمذهب الوحدة.
ثمّ شرح الشهاب سبب هذا الإطلاق المجازي، قائلاً: إنّ الوجود مظهر النّور الإلهيّ، على معنى: أنّ وجود الكائنات مخلوق، ويتوقّف على الإمداد الإلهي بدوام الوجود واستمراره، وهو مبنيّ على مذهب الشيخ الأشعريّ من أنّ الممكنات الموجودة تفنى إن انقطع عنها مدد الإيجاد، وهو إثبات كثرة أولاً، وفيه وجود فاعل ووجود مفعول على الحقيقة ثانياً، فهو مناف لمذهب الوحدة الذي يعدّ الموجودات والعوالم خيالاتٍ في نفسها مظاهر للنور الأتمّ (الوجود المطلق). وإذ تقرّر أنّ النور الإلهي على مذهب الوحدة هو الوجود، فيصير تقدير عبارة الشهاب على فهمك: الوجود مظهر الوجود، وهو غير مفيد، وليس دالاً على مذهب الوحدة أصلاً، بل هو منافٍ له، وهو ما صرّحتَ به حضرتك في تقدير العبارة. أرى أنك تحتاج إلى ضبط مراد أهل الوحدة بعبارة صحيحة، فإنهم لا يقولون كما قلت في تعقيبك: [[ومعناه المتبادر: ووجود الأشياء مظهر الوجود الإلهي]]، ولا أقبل أن يكون هذا الإطلاق هنا جرى منك تسامحاً؛ لأنه عين الدعوى التي فيها النزاع، وهو مفضٍ إلى الكثرة، فكيف يتسامح فيه؟!
– وما ذُكِر في ترجمة المقدسي أنه “شهد الوحدة في الكثرة، والكثرة في الوحدة”، فأفهم من الشق الأول منه: أنه رأى الكثرة فأرجعها إلى باريها، فصارت وحدة بهذه الجهة، فهو شهود على طريقة المتكلمين بالاستدلال والنظر، وأمّا الشق الثاني: فأفهم منه أنه شهد أي لاحظ الله تعالى الواجب الوجود، فانعدم عنده وجود ما سواه؛ لأنّ كلّ ما سواه في حدّ ذاته وبدون استمداده من واجب الوجود “لا شيء”، وهذا الشقّ الثاني جارٍ أيضاً على طريقة المتكلمين وذوقهم، لكنه متوقف على دوام مجاهدة واستمرار حضور بحيث تحصل له تلك الحالة، وهو ما نعنيه بوحدة الشهود التي دلّ عليها البيضاوي والخفاجي والأستاذ المقدسي، ولم يخرجوا عنها، بل خرجوا بصريح عباراتهم عن مذهب أهل الوحدة.
– وكلام الشهاب عن قول القاشاني الذي نقلتَه؛ أنا مطّلع عليه، ولم أرَ فيه ما رأيت من إقرار بوحدة الوجود؛ لأنّ غاية ما هنالك تنبيهٌ من الشهاب على أنّ المعنى المذكور (وحدة الوجود) ليس مستفاداً من النظم، ودفعٌ لدعوى من قال: إن ذكر القاشاني لها في شرح الآية منافٍ للنظم، لجريانه عند القاشاني على طريقة الإشاريين في نظر الشهاب، فهو مزيد تحقيق من الشّهاب في هذا الموضع يريد به غرضاً تفسيرياً يدخل في موضوع علم التفسير، ويعدّ من مسائله، وهو ضبط مفادات النظم، ودفع ما قد يرد عليها من قيل وقال، وهذا من عبارات أصحاب الشروح والحواشي التي تشمّ شمَّ الورد ولا تفرك فرك النقد، فليس فيه إقرار بوحدة الوجود.