بقلم الشيخ جاد الله بسام
السلام عليكم
سأترك الكلام على الشهاب وذيول النقول الآن؛ لأنه ليس محلّ بحثنا أصلاً. وأرى من الواجب أنْ نسلط الضوء على محلّ النزاع ابتداءً، وفضيلتك ختمت الكلام فيه بما يشعر بموافقتك على تبييني لمعنى وحدة الوجود، وأنه يتلخص في أنّ واجب الوجود هو الوجود المطلق، والعالم عدمٌ حقيقةً، وأنّ ما نراه من الأشياء خيالات لا حقيقة لها، ولا وجود لها في نفس الأمر، بل هي أمور موجودة من حيث هي مظاهر لله تعالى ومجالٍ له، لكنك لم تبيّن مرادك بوحدة الوجود بعباراتك الخاصة هنا، لنعلم موافقتك تماماً على هذا.
ومع أنك ذكرت مشكوراً أنّ تعليقك ختاميّ، إلا أني أرجو أن تعلّق بكلمة توضيحية موجزة لبيان معنى وحدة الوجود بالضبط، من باب أنّ التّصور سابق على التّصديق، ثمّ إذا لم تُرد البحث في النقول التي عن الشّهاب فيمكن أن أتكلّم أنا فيها لاحقاً، ولا ألزمك بشيء لا تريد البحث فيه، هكذا أرى أن يكون الترتيب، وبه نستغني عن كلام كثير.
وأمّا القضية الثانية التي أطلب من حضرتك التّعليق عليها وتوضيحها هي مفهوم أهل السنة عندك، فإني لا أسلّم أنّ مذهب أهل السنة يثبت بمجرّد ما سمّيته “إذعان البيئة السنية”، وذلك للأسباب الآتية:
أولاً: لو فرضنا مجرد فرض أنّ “بيئة سنية” ما قبلت “وحدة الوجود” (ونحن هنا لا نسلّم ذلك، ولكن نفرضه مجرد فرض للمناقشة، وادعاؤه بحاجة لدليل)، وأنّ بيئة سنية أخرى رفضت وحدة الوجود وأنكرتها، (وهذا الرفض قطعاً متحقق وثابت، ولا يحتاج لبيان، وهو مسلَّم عندكم)، فأيّ البيئتين يقرّر كون وحدة الوجود سنيةً أو لا؟ وما هو مرجّح ذلك؟
قطعاً لا يجوز أن يجاب بأنّ أحدهما يقرّر من تلقاء نفسه أو بمجرد قبول البيئة، لأنّ هذا يجعل الحقّ متعدّداً ونسبياً، ونحن لا نعتقد ذلك أصلاً. بل حضرتك من تزعم أنّ هذا القرار يكون لإحدى البيئتين لمجرّد قبولها بذلك، وهي عندك البيئة الموافقة لوحدة الوجود، فأيّنا أحقّ باسم الإقصاء، وأن يوصف بالوهابية وغير ذلك؟! أهو مَن يرجع إلى الأدلة المعتبرة والأصول المشتهرة عند أهل السنة والجماعة التي هي محلّ الوفاق والاتفاق الحقيقيّ، أم من يرجع إلى كلام لا طائل تحته مما سأبينه في النقطة الآتية؟!
ثمّ أليس أهل السنة يقولون: لا تقليد في العقائد، وأنّ الاعتقاد لا يكون بمتابعة الآخرين، وأن النظر والاستدلال واجب شرعاً، أليس هذا محلّ وفاق في كتب الاعتقاد والفقه السنية؟ وأنت هنا تفاجئنا بأنّ أعظم مسائل العقائد تؤخذ بالتقليد والإذعان من غير الحاجة إلى بيان، وهذا فعلاً لوحده لو سيق في مسألة يسيرة جداً، لكان مشكلاً حقاً، فكيف بأصل اعتقادي كبير وخطير -عندنا وعندكم- كمسألة وحدة الوجود؟
ثانياً: لو فرضنا أنّ جماعة من الناس انحرفوا عن مذهب أهل السنة والجماعة انحرافاً أصلياً، كقولهم بالتجسيم الصريح، أو وحدة الوجود الباطلة، أو التعددية الدينية الفلسفية، أو تصويب القائل بعدم اتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو ما شئت مما نتّفق على بطلانه، ثم افرض أنّ هذا الانحراف انتشر في بيئة منسوبة إلى السنة، وكان سبب ذلك الانتشار خفاء تصوّر ذلك الانحراف، وتمريره من بعض المنحرفين تحت ستار وقناع الدين، أو أنه تم انتشاره بقوة الشبهة، أو لجهل الناس، أو غير ذلك من الأسباب المحتملة، فهل تراك أنت يا أستاذ محمد نصار تقول بسنيّة هذه الانحرافات لمجرّد رواجها التاريخي أو الجغرافي؟!
لا أخالك تقول ذلك، فلِمَ تعمد إلى “مذهب أهل السنة” دفعة واحدة وتنسب إليه وحدة الوجود، ألا يشبه ذلك صنيع الوهابية الذين اختطفوا “مذهب أهل السنة”، وادّعوا اتباع الكتاب والسنة من دون الناس؟
ثالثاً: ما سمّيته “إذعان بيئات سنية كاملة” أمرٌ لا صدق له في نفسه، ولا هو مسلّم عندنا، بل نقول: إنّ طائفة من العلماء في كلّ زمان قد يحسنون الظنّ بعالم ما، لموافقتهم له في جهة أو جهات معينة، واستحسانهم لتلك الجهات مع تحقّق مخالفتهم له من جهات أخرى، ولا يُشترط أنْ يوافقوه في كلّ الأمور. فالشيخ عبد الغنيّ النابلسيّ مثلاً عالم فقيه وصاحب ذوق عالٍ سُلّم له حاله من جهةٍ ما، ولا يستلزم ذلك تسليم قوله بوحدة الوجود، والكلام نفسه يقال فيمن ذكرت من الناس، غير أنّ الكوراني لا قبول له عند عامّة أهل العلم فلا يقارن بالشيخ النابلسي، بل ردّ عليه كثيرون وجهّلوه. ولا يقل قائل: إنّ قبول الرأي يكون بمجرّد طباعة كتب صاحبه ونشرها بين الناس وموافقتها لرأي البعض، وإلا لكانت أكثر الآراء مقبولة؛ فما أجدرنا باطّراح قبول كهذا.
وقد نادينا مراراً بأنّ احترام العلماء لشخص الشيخ ابن عربي، والشيخ النابلسي، بل حتى الفلاسفة من أمثال ابن سينا، وكانوا وما فتئوا يسمّونه الشيخ الرئيس، ويحترمون الطوسيّ ويلقبونه بالمحقّق… الخ، بيّنا ذلك مراراً وتكراراً، وقلنا: إنّ هذا التقدير والاحترام لا يدلّ على موافقة في المذهب، بل هو لجهات أخرى كعمق البحث والتحقيق، وسعة الاطلاع، والقدرة على تقرير المذاهب وتفنيدها… وغير ذلك مما يمكن أن نجده في أولئك العلماء من الصفات، فلماذا تصرفون مدح العلماء لابن عربي دائماً على معنى موافقته في المذهب الذي قدْ لا يعرفونه أصلاً، أو يعرفونه وجعلوه من المفترى المدسوس عليه، أو وجدوا له تأويلات ذوقية تجعله من قبيل وحدة الشهود، وهذه الاحتمالات كلها حاصلة عند العلماء كالشعراني وغيره؟ لم تجعلون تحسين كثير من العلماء الظنّ به والقول بولايته قولاً منهم بالموافقة على وحدة الوجود، حتى وصلتم إلى هذا الاستنتاج الخطير بأنّ “وحدة الوجود سنية”!
وختاماً؛ فإنني أستغرب كثيراً رميك لنا بالوهابيّة والإقصاء والتقسيمية، بدون دليل ولا حجّة، ولا تصوير واضح لمصطلح أهل السنّة والجماعة. وآسف أنك تدافع عن قالةٍ قالها بعض المغالطين بأسلوب لا يخفى ما فيه من قلة أدب مع شيخنا فضيلة الشيخ سعيد ومنهجه الأشعريّ الذي لم يُسجَّل فيه عدولٌ عن معتبرات أهل السنة والجماعة، كيف صحّ عندكم ومن أي قبيل أو دبير عرفيّ أو عقليّ أو نقليّ، حقيقيّ أو اعتباريّ، كيف صحّ وصف الأشعرية بالوهابية، مع اختلاف المنهجين في العقيدة والفقه والتصوف، وهل يكون هذا من الأدب البحثيّ الذي درجنا عليه في حوارنا هذا مع فضيلتكم، ألسنا نقرأ نحن وإياكم في علم المنطق أنّ هذه مغالطة خارجية من أشد أنواع المغالطات وأنكاها في النفوس؟
وأما أنّ مساحة الاتفاق كبيرة وحاصلة.. فنعم وبُشراً، ونحن حريصون عليها شبراً شبراً، ونتحاور لنزيدها ونوسعها ونعالج هذا الإشكال الطارئ، وهو ما دعا إليه فضيلة الشيخ بلال النجار فيما نُشر مؤخراً، إذ دعا الباحثين إلى المناقشة العلمية على وفق آداب البحث، ودعا القاصرين إلى الانتهاء عن الكلام في هذه المسائل العويصة… وأحسبنا نمارس هذا الحوار المتحضر أنا وأنت معاً بترحيب منك ومنا… لكن ألا ترى يا أستاذ محمد كم تضيقها حضرتك حين تصف الأشاعرة ومذهبهم وشيوخهم في هذا الزمان بالوهابية، مثلك يفعل فعلهم ثم يصفنا بوصفهم… عجباً لذلك. ودمتم بودّ وعافية. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
