بقلم الشيخ جاد الله بسام
أقول بعد حمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
لقد سئلت عن كلام أحمد الشاذلي الذي يقول فيه:
[لأهل التأمل : الرازي من المعاصرين للشيخ الأكبر وكانت بينهما مراسلات …
والرازي في كتبه كلها يتكلم عن الحلول والاتحاد ويسترسل في كتبه بذكر ما يتعلق بها من قريب أو من بعيد …. ولا يذكر الشيخ الأكبر …
وله كتاب اعتقادات فرق المسلمين والمشركين وذكر فيه فرق الصوفية الداخلة في الإسلام والمارقة عنه ولم يذكر الشيخ الأكبر …
الإمام الرازي عند البعض إما جاهل بمذهبه وإما محسن الظن لا ثالث لهما…
الرازي الذي تعتبر كتبه مرجعًا أساسيًا لمعرفة مذاهب الفلاسفة على اختلاف علومهم ومعارفهم ومشاربهم جاهل أو محسن للظن به …
زد على ذلك شرح المواقف والمقاصد لا ذكر فيهما للشيخ الأكبر مع أنهما تكلما عن كل الفرق الداخلة والمارقة والباطنية والظاهرية … والشيخ الأكبر رأس في الضلال عند البعض …
ولم يذكر في هذه الكتب التي ناقشت كبار الفرق الفلسفية وأمهات المسائل العلمية ابن عربي ولم يتم التحذير منه …
هذه خطابة …. والخطابة مفيدة في بابها …] انتهى منشوره.
فأجبت بياناً لرأيي، ونشرته لما فيه من تنبيه لطلبة العلم على المنهجية العلمية لأهل السنة والجماعة في التعامل مع الدعاوى والادعاءات، وقلت وبالله التوفيق:
لقد قرأت هذا الكلام، وتعليقي هو الآتي بعيداً عن الأشخاص، مفيداً أهل العناية والاختصاص:
١. في آخر كلامه يقول: هذه خطابة، ومراده بذلك أن هذا الكلام في نفسه لا يفيد شيئاً حقيقياً، بل يساق لإقناع القاصرين فقط، ففائدتها علميًا وبرهانياً ومعدومة، فمن ثم لا تعويل عليها… ونشر الكلام الخطابي مع إدراك كونه خطابياً مستغرب جداً، لأن الخطابة ما دامت لا تفيد فلم تساق إذن، والمسألة علمية لا يخاطب بها القاصرون عنها أصلاً.
٢. قوله: “مراسلات”: إما أنه وهم من قائله أو تدليس، لأن الرازي لم يراسل ابن عربي، بل ابن عربي خاطب الرازي برسالة مشهورة موجودة في كتاب مطبوع بعنوان رسائل ابن عربي، وأنا قرأتها شخصيًا قديماً في نسختي من الكتاب، والرازي وقتئذ من عظام العلماء، وهذا لا يسمى مراسلات، وبالمناسبة خطاب ابن عربي غير مؤدب عرفياً لمثل من هو في قدر الرازي علماً وبحثاً.
3. مذهب الحلول ومذهب الاتحاد مختلفان تماماً عن مذهب وحدة الوجود، فإن كان الكاتب ذاهلاً عن الفرق فهذه مصيبة، أو لا يعرفه فهي أكبر، أو يدلس … لا أدري، المهم أن مذهب وحدة الوجود مختلف تماماً عن هذه المذاهب.
4. قد يسأل بعضهم: لماذا لم يرد الرازي والآمدي والسعد التفتازاني والسيد الشريف على ابن عربي؟ الجواب: لقد ردوا على هذا المذاهب في المقاصد والمواقف وردّ غيرهم من العلماء الذين لا يحصون بالتفصيل، وفي الكتب الرئيسة الكلامية، وأما عدم ذكر ابن عربي بالاسم فهذا أمر طبيعي وعادي وله أسباب كثيرة، واشتراط أن يذكر الرادّ شخص المردود اشتراط فيه سخافة علمية ظاهرة، وفي حالتنا هذه فيه عدم اتزان وعدم إدراك لقيمة العلوم وقيمة الكتب العلمية المنهجية كالمواقف والمقاصد وغيرها، وسواء ذكروا الشخص ولم يذكروه فهذا عائد إلى أمور اعتبارية ليست مؤثرة، وهنا وقفة منهجية:
أ. العلماء في كتب أصول الدين والعقائد لا ينصبون الخلاف مع الأشخاص، بل يتصدون لنقد المذاهب، لأن البحث في الشخص يتولاه القضاة والفقهاء، وفي المذهب الفكري يتولاه المتكلمون في علم الكلام والعقائد، ولأن البحث في معتقد الشخص وما يحتف بذلك من قضايا كثبوت ذلك عنه وتحرير مراده وصحة نقله وظهور ما يلتزمه مما لا يلتزمه… الخ، وهذه الأشياء جميعها جرت عادة العلماء الكبار على الكلام فيها مناظرة لا مكاتبة، وإن جرت فيها المكاتبة فتكون في أمور جزئية واضحة ومحددة كالذي كتبه العلاء البخاري في الردَ على هذه الفرقة.
ب. مذهب وحدة الوجود ودعاوى ابن عربي لم تكن مشهورة في زمن الرازي، ولم تكن منقحة تماماً اصطلاحياً، فلا يبعد أن الرازي (لم يعبأ به)، وهو احتمال وارد فلا هو محسن للظن ولا غير هذا الكلام الذي لا وزن له، وأما مباحث الوجود والرد على الفلاسفة الذين طوّر ابن عربي مذهبهم فهو مستوفى في كتب الرازي وغيره، وكذلك مسائل المشائين والإشراقيين في طرائق العلم وكيفية ثبوته وآرائهم مبثوثة في كتب كثيرة للإمام الرازي.
ج. على نفس نسق عادة العلماء الذين لا يذكرون الأشخاص، بل يذكرون المذاهب، قد لا يكون السعد والشريف وغيرهم ذكروا ابن عربي بشخصه (لم أبحث)، لكنهم ذكروا وحدة الوجود وأصولها وردوا عليها، كما قررها بعض أتباعه وشراحه.
د. لا نغفل أن كثيرا من العلماء ألفوا رسائل خاصة في الرد على ابن عربي.
هذا ما يحضرني الآن في نقد هذه الكلمات التي كتبها صاحبها، وقد كتبت هذه التعليقات على عجل، ولم أعبأ بتحريرها كثيراَ، ولا زلت أتعجب كم مرة قلنا وقال أصحابنا: إن أي مقالة تقال لا يقصد بها ابن عربي شخصياً، وأن حق النقد مكفول للجميع، وأن الهمة العلمية والاهتمام البحثي ينبغي أن يكون متوقداً عند الكل.
وعندي سؤال: لماذا يكتب الكاتب هذا الكلام؟ خصوصا إذا كان يراه خطابة، ولماذا يتكلف الرد على التعليقات… الخ إذا كان يراه خطابة، ألأجل أن يخرج من الاعتراضات على كلامه بمجرد قوله هذه خطابة، أنا أقول هذه إساءة، ونحن ندعو الناس جميعاً إلى عدم الإساءة.
الجواب باختصار: أنه يحاول إلصاق تهمة التكفير بمن ينقد ابن عربي، وهو كغيره في هذه المشكلة، كما لاحظنا ذلك، وهي تهمة جاهزة، تبرأ منها كل الناس، وبينوا أنها قضية أجنبية عن البحث والنقد الفكري، وأن النقد لا يعني التكفير، بل ها هم العلماء ينقدون الغزالي والرازي والسعد ولا يبالون عند البحث بمجرد الأسماء، بل يهتمون بالحقائق والبراهين ويبتعدون عن الخطابة التي اعتمدها الكاتب في المقالات الفكرية، فهل يا ترى لا تكون عنده الأفكار ذات شأن وخطر، بحيث يورد الخطابة التي هي ناقصة عند نفسه كما يقول.
وعلى ذكر التكفير والإقصاء؛ فإن ابن عربي ومدرسته يتهمون المخالفين لهم بالشرك والإلحاد والجهل وأنهم من أهل الظلم والظلمات والحجب، ويشدون النكير على مثل حجة الإسلام الغزالي والرازي ولا يبالون بأهل تفسير أو فقه أو كلام أو منطق، وأهل السنة لا يفعلون ذلك بهذه الطريقة المتعالية المتكبرة، لكن لا أحد ينقد الشيخ الأكبر، بل يقدسون سرَّ سرِّ سره وسريرته الخالصة عن كل شوب، والتي لا يجوز نقدها بحال من الأحوال، وإلا فعاقبتك ستكون من السماء لا من الأرض حتى!!!
وعلى كل حال.. هذه التعليقات منهجية فيما أرى قوامها على مراعاة العلوم الشرعية، وليست خطابة كخطابة الكاتب فيما قال، ومعاذ الله أن نهلو مع اللاهين في مثل هذه المسائل.
وأعذروني على الإطالة يا إخوتي. نسأل الله السلامة لنا ولكم وللكاتب ولجميع المسلمين. والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. اللهم اغفر لنا وللمسلمين.
