بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه وحزبه إلى يوم الدين وبعد:


هذا مقال متعلّق بمسألة خطيرة، قرّر الشيخ ابن عربي أنها مسألة أصلٍ لا مسألة فرع، وكرّرها في عشرات المواضع، وهي مسألة شمول رحمة الامتنان لأصحاب النار -ومنهم إبليس-، وما يترتب على ذلك من زوال آلامهم وشقائهم، وحصول اللذة والنعيم لهم، وقد بينتُها في مقالاتي ولقاءاتي المصورة، وبينتُ أن صريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة، على أنّ أصحاب النار محرومون من الرحمة ومن النعيم في النار، مخلدون في العذاب الحسي الأليم.

وقد حكى ابن عربي هذه المناظرة في غير ما موضع، وسأنقل موضعين حكى فيهما هذه المناظرة، ورتّب عليهما نفي الشقاء المسرمد، ودخول إبليس في الرحمة الإلهية.

[المطلب الأول: حكاية المناظرة في سياق نفي الشقاء المسرمد، للرحمة السابقة الواسعة]

• قال في الفتوحات (9/426):
«وفيه علم ما تكلّم به أوّلُ إنسانٍ في نشئه، وهو: (الحمد لله)، وهو آخر دعواهم: (أن الحمد لله)، فبدأ العالم بالثناء، وختم بالثناء، فأين الشقاء المسرمد؟! حاشا الله أن يسبق غضبُه رحمتَه، فهو الصادق، أو يخصصَ اتساعَ رحمته بعدما أعطاها مرتبة العموم.
حكاية في هذا: اجتمع سهلُ بنُ عبد الله بإبليس، فقال له إبليس في مناظرته إياه: إن الله تعالى يقول: (ورحمتي وسعت كل شيء)، و«كل» تعطي العموم، و«شيء» أنكر النكرات، فأنا لا أقطع يأسي من رحمة الله.
قال سهل: فبقيت حائرًا، ثم إني تنبهت في زعمي إلى تقييدها، فقلت له: يا إبليس، إن الله قيدها بقوله: (فَسَأَكْتُبُها).
قال فقال لي: يا سهل، التقييد صفتك لا صفته.
فلم أجد جوابًا له على ذلك». اهـ

نلاحظ هنا أن الشيخ ابن عربي حكى هذه المناظرة في سياق الحديث عن الرحمة الواسعة، وهي الرحمة الواردة في قول الله تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء)، وذهب إلى أن تسرمد الشقاء ينافي سبق الرحمة للغضب، وينافي سعة الرحمة الإلهية، فإن تخصيص الرحمة الواسعة ببعض «العالم» مناف لمرتبة العموم الثابتة للرحمة الواسعة، ولهذا قال:
«فأين الشقاء المسرمد؟! حاشا الله أن يسبق غضبُه رحمتَه، فهو الصادق، أو يخصصَ اتساعَ رحمته بعدما أعطاها مرتبة العموم».اهـ

وبما أنّ إبليس جزء من العالَم الداخل تحت هذه الرحمة العامة الواسعة، فلا بد أن تلحقه هذه الرحمة، لذلك ساق الشيخ ابن عربي هذه المناظرة التي ظهر فيها إبليس على سهل وألقمه الحجة، لبيان أنّ الرحمة الواسعة لا تتقيّد ببعض الخلق دون البعض، فلا بد أن يدخل فيها إبليس، ولا يمكن حجرها وتضييقها عن شمول أصحاب النار، لذلك يقول عن أصحاب النار في الفتوحات (7/404):
«وسألوه أن يدخلهم في رحمته، إذا أخذت النقمة حدّها، وإن كانوا عمار تلك الدار، فليَجعل لهم فيها نعيمًا به، إذ كانوا من جملة الأشياء التي وسعتهم الرحمة العامة، وحاشا الجناب الإلهي من التقييد، وهو القائل بأن رحمته سبقت غضبه، فلحق الغضبُ بالعدم، وإن كان شيئًا فهو تحت إحاطة الرحمة الإلهية الواسعة».اهـ

وقد قدمتُ في مقالاتي ولقاءاتي المصورة جملة من نصوص ابن عربي، يرفض فيها تقييد رحمة الله تعالى في الآخرة بالمؤمنين، ويصر على شمولها لغير المؤمنين، ولذلك يرى أن إبليس لو قنط من رحمة الامتنان لزاد عصيانًا! ويصرّح بأنّ إبليس داخل تحت وعد المغفرة الوارد في الآية الآتية!، قال في الفتوحات (10/119):
«((وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ)) فما خص عبيدًا من عبيد، وأضافهم إليه، وقوله: ((يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا))، فأضافهم إليه مع كونهم مسرفين على الإطلاق في الإسراف، ونهاهم أن يقنطوا من رحمة الله.
وهذا وأمثاله أطمع إبليس في رحمة الله من عين المنة، ولو قنط من رحمة الله لزاد إلى عصيانه عصيانًا، وأخبر الله عنه في إسرافه أنه يعدنا الفقر ويأمرنا بالفحشاء، ليجعل فضله تعالى في مقابلة ما وعد به الشيطان من الفقر الذي هو به مأمور، في قوله تعالى: ((وَعِدْهُمْ)) فهو مصدق لله فيما أخبر به عنه، ممتثل أمر الله بشبهة في أمره في قوله: ((وَعِدْهُمْ))، وجعل مغفرته في مقابلة الفحشاء، والأمر بالفحشاء من الفحشاء، فدخل تحت وعد الحق بالمغفرة، فزاده طمعًا، وإن كانت دار النار مسكنه؛ لأنه من أهلها، وإن حارت عليه أوزار من اتبعه ممن هو من أهل النار، فما حِمل إلا ما هو منقطع بالغ إلى أجل، وفضل الله لا انقطاع له؛ لأنه خارج عن الجزاء الوفاق، ورحمة الله لا تخص محلًا من محل، ولا دارًا من دار، بل وسعت كل شيء، فدار الرحمة هي دار الوجود».اهـ

وعلى الاستدلالات الواردة في هذا النص ملاحظات ليس هذا محلها، وما يهمني في هذا السياق هو قول ابن عربي بدخول إبليس في وعد المغفرة، فقد جعل قوله تعالى: ((يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا)) دليلًا على صحة طمع إبليس في رحمة الله تعالى، وإلا «لزاد إلى عصيانه عصيانًا» كما يقول ابن عربي!.
ويصرّح أيضًا بأنّ إبليس ممتثل أمر الله بشبهة في أمر الله له أن يعد بني آدم، هذا الأمر الوارد في قوله تعالى: ((قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا)).
وبما أنّ إبليس يأمر بالفحشاء، كما قال تعالى: ((الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاء))، فهو داخل في المسرفين الذين وعدهم الله تعالى بالمغفرة وأضافهم إليه في قوله: ((يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا)).
وبما أنّ الله تعالى أضاف هؤلاء العباد إلى نفسه -ومنهم إبليس-، فإنّ الله تعالى ما أضاف قط العباد لنفسه، إلا مَن سبقت له الرحمةُ أن لا يؤبد عليهم الشقاء وإن دخلوا النار! قال في الفتوحات (7/406):
«وقد قال عن نفسه -جل علاه- إنه أرحم الراحمين، فلا نشك أنه أرحم منّا بخلقه، ونحن قد عرفنا من نفوسنا هذه المبالغة في الرحمة، فكيف يتسرمد عليهم العذاب، وهو بهذه الصفة العامة من الرحمة؟! إن اللّه أكرم من ذلك… وقد قام الدليل السمعي أن اللّه يقول في الصحيح: «يا عبادي»، فأضافهم إلى نفسه، وما أضاف اللّهُ قط العباد لنفسه، إلا مَن سبقت له الرحمةُ أن لا يؤبد عليهم الشقاء، وإن دخلوا النار». اهـ
وهذا يعني أنّ إبليس وكل من يدخل في هذه الإضافة لا بد أنْ تشمله الرحمة؛ فلا يؤبّد عليه الشقاء ولا يتسرمد عليه العذاب، حتى وإن كان من أصحاب النار.

فإن قيل: كيف ذلك وإبليس قد أضل جبلًا كثيرًا وكان سبب كفرهم ودخولهم النار؟
فيجيب ابن عربي بقوله: «وإن حارت عليه أوزار من اتبعه ممن هو من أهل النار، فما حِمل إلا ما هو منقطع بالغ إلى أجل، وفضل الله لا انقطاع له؛ لأنه خارج عن الجزاء الوفاق». اهـ

فإن قيل: وكيف تشمله الرحمة ولا يتسرمد عليه العذاب ولا يؤبّد عليه الشقاء، مع أن محلّه وداره جهنم خالدًا فيها؟
فالجواب من كلام ابن عربي: «ورحمة الله لا تخص محلًا من محل، ولا دارًا من دار، بل وسعت كل شيء، فدار الرحمة هي دار الوجود». اهـ
إذن، فأوزار الكفر التي حارت على إبليس لها أجل منقطع، ورحمة الله تعالى لا تخص دار الجنة، بل دار الرحمة هي دار الوجود!

[المطلب الثاني: الاستشهاد بالمناظرة في بيان شمول رحمة الامتنان لإبليس]

• قال الشيخ ابن عربي في الفتوحات (7/259-260):
«قال سهل بن عبد الله، عالمنا وإمامنا:
“لقيتُ إبليس، فعرفته وعرف مني أني عرفته، فوقعت بيننا مناظرة، فقال لي وقلت له، وعلا بيننا الكلام، وطال النزاع، بحيث أن وقفتُ ووقف، وحِرتُ وحار، فكان من آخر ما قال لي:
يا سهل! الله عز وجل يقول: (ورحمتي وسعت كل شيء)، فعمَّ، ولا يخفى عليك أني شيء بلا شك، لأن لفظة (كل) تقتضي الإحاطة والعموم، و(شيء) أنكر النكرات، فقد وسعتني رحمته.
قال سهل: فوالله لقد أخرسني وحيرني بلطافة سياقه، وظفره بمثل هذه الآية، وفَهِمَ منها ما لم نفهم، وعلم منها ومن دلالتها ما لم نعلم. فبقيتُ حائرًا متفكرًا، وأخذتُ أتلو الآية في نفسي، فلما جئتُ إلى قوله تعالى فيها: (فسأكتبها)، سررتُ وتخيلتُ أني قد ظفرتُ بحجة، وظهرتُ عليه بما يقصم ظهره، وقلت له:
يا ملعون! إن الله قد قيدها بنعوت مخصوصة، يخرجها من ذلك العموم، فقال: (فسأكتبها).
فتبسم إبليس وقال: يا سهل! ما كنتُ أظن أن يبلغ بك الجهل هذا المبلغ، ولا ظننتُ أنك هاهنا! ألست تعلم -يا سهل- أن التقييد صفتك لا صفته؟!
قال سهل: فرجعتُ إلى نفسي، وغصصتُ بريقي، وأقام الماء في حلقي، ووالله ما وجدت جوابًا، ولا سددتُ في وجهه بابًا، وعلمتُ أنه طمع في مطمع، وانصرف وانصرفتُ، ووالله ما أدري بعد هذا ما يكون! فإن الله سبحانه ما نص بما يرفع هذا الإشكال، فبقي الأمرُ عندي على المشيئة منه في خلقه، لا أحكم عليه في ذلك بأمد ينتهي أو بأمد لا ينتهي”.
فاعلم -يا أخي- أني تتبعت ما حكي عن إبليس من الحجج، فما رأيتُ أقصر منه حجة، ولا أجهل منه بين العلماء، فلما وقفتُ له على هذه المسألة التي حكى عنه سهل بن عبد الله، تعجبتُ، وعلمتُ أنه قد علم علمًا لا جهل فيه، فهو أستاذ سهل في هذه المسألة.
وأما نحن فما أخذناها إلا من الله، فما لإبليس علينا منة في هذه المسألة بحمد الله، ولا غيرها، وكذا أرجو فيما بقي من عمرنا، وهي مسألة أصل لا مسألة فرع؛ فإبليس ينتظر رحمة الله أن تناله من عين المنة والجود المطلق، الذي به أوجب على نفسه سبحانه ما أوجب، وبه تاب على من تاب وأصلح، فالحكم لله العلي الكبير». اهـ

ففي هذه المناظرة نرى أنّ إبليس احتج على سهل التستري بالعموم والتنكير الوارد في آية الرحمة الواسعة: ((ورحمتي وسعت كل شيء))، مما يدلّ على أنّ الرحمة الواسعة لا بد أن تسع كلّ شيء، وبما أنّ إبليس شيء فلا بد أنْ يدخل تحت هذه الرحمة.
ومع فساد التمسك بهذا العموم في مقابل النصوص المحكمة الخاصة في عدم شمول الرحمة للكفار في الآخرة، وقد قدمتُ بعضها في اللقاء المصور الأول، مع إجماع الأمة على ذلك، إلا أنّنا نجد ابن عربي يحكي انقطاع سهل أمام هذه الشبهة الإبليسية، ونلاحظ أن انقطاعه لم يكن بما ذكره إبليس من العموم والتنكير الوارد في الآية فحسب؛ فإن سهلًا تفطّن لتخصيصها بتكملتها، بل بقول إبليس: «التخصيص صفتك لا صفته»، فعندها -كما يرى ابن عربي- أفحم إبليس سهلًا حتى غص بريقه، وأقام الماء في حلقه، فلم يجد جوابًا، ولا سدّ في وجه إبليس بابًا، وعلم أنه طمع في مطمع، أي أنّ طمعه في الرحمة صحيح!
والمتتبع لكلام الشيخ ابن عربي يجده يحتج بنفس هذه الشبهة الإبليسية في مواطن عديدة، إلا أنّه لم يأخذها عن إبليس كما حصل مع سهل التستري، بل يدّعي أنّه أخذها من الله تعالى كما في النص السابق، ومن المواضع التي احتج فيها بنفس هذه الشبهة، قوله في الفتوحات (7/404):
«وسألوه أن يدخلهم في رحمته، إذا أخذت النقمة حدّها، وإن كانوا عمار تلك الدار، فليَجعل لهم فيها نعيمًا به، إذ كانوا من جملة الأشياء التي وسعتهم الرحمة العامة، وحاشا الجناب الإلهي من التقييد، وهو القائل بأن رحمته سبقت غضبه، فلحق الغضبُ بالعدم، وإن كان شيئًا فهو تحت إحاطة الرحمة الإلهية الواسعة».اهـ

[المطلب الثالث: تقسيم الشيخ ابن عربي الرحمة إلى الرحمة الواجبة وإلى رحمة الامتنان والفضل]

يقول ابن عربي في نهاية تعليقه على هذه المناظرة: «فإبليس ينتظر رحمة الله أن تناله من عين المنة والجود المطلق، الذي به أوجب على نفسه سبحانه ما أوجب، وبه تاب على من تاب وأصلح». اهـ
أقول: هذا معقد الأمر ومفصله، ولأجله ساق ابن عربي هذه المناظرة، فإنّ ابن عربي يقسّم الرحمة إلى قسمين:
الأول: الرحمة التي تُنال بالوجوب والاستحقاق، لا بالمنّة والفضل، وهذه هي الرحمة التي تكون في مقابل الأعمال، وإن كان التوفيق للأعمال مِنّة، إلا أن الرحمة بعد قيام العبد بالعمل تكون واجبة له ومستحقة لا مِنة، فالعمل عندها يوجب الثواب.
الثاني: الرحمة التي تُنال بالمنّة والفضل لا بالوجوب والاستحقاق، وهذه الرحمة التي لا تكون في مقابل عمل، بل تتناول أهلها من عين المنّة والفضل.
يقول (الفتوحات 8/547): «ولا تكن ممن غلب اليُبس عليه، فحجر رحمة الله أن تصيب إلا المؤمن، ولم يفرق بين من يأخذها وتتناوله بطريق الوجوب، ممن تتناوله من عين المِنّة».اهـ
يرى الشيخ ابن عربي أنّ مَن يقيّد الرحمة الأخروية بالمؤمنين، فهو ممن غلب اليبس عليه! لأن الرحمة -كما يدّعي- تشمل غير المؤمن لكن بطريق المنّة لا بطريق الوجوب، أما المؤمن فيأخذها بطريق الوجوب والاستحقاق لا بطريق المنّة والفضل! وقد صرّح بهذا كثيرًا، يقول مثلًا (10/77):
«وإفضاله على العالَمين المؤدين حقوق الله ليس منة، كما نالوا ما استحقوا به هذا الثواب من طريق المنة، فاعلم ذلك».اهـ
فقد حصل الثواب لهؤلاء المؤدين حقوق الله تعالى بطريق الوجوب وليس منّة؛ إلا أنّ توفيق الله تعالى لهم للعمل الصالح من باب المنّة.
وقال (9/421): «واعلم أنه كل ما ينال بسعاية فليس فيه امتنان». اهـ

وبما أن رحمة الامتنان تشمل أصحاب النار بعد انقضاء مدة الآلام، فلا بد أن يزول شقاؤهم وترتفع آلامهم بمقتضى هذه الرحمة الامتنانية.
وقد أخبرني أحد الإخوة زعم بعضهم أنّ رحمة الامتنان لا تقتضي زوال الآلام الحسية عن أصحاب النار، بل حكمها أن يزول جزعهم من الخلود في النار إذا انجلت لهم حقيقة خلودهم في النار، وذلك بعد أن يخاطبهم الله تعالى بقوله: «اخسؤوا فيها».
ولا أدري هل هذا من باب الاستخفاف بعقول القراء أم من باب العناد أم ماذا؟!
فهل يحصل لهم نعيم نسبي ويزول جزعهم إذا علموا تخليدهم في العذاب الأليم؟ أم أنّ الجزع والأحزان تزداد عليهم إذا انجلت لهم حقيقة خلودهم، وعلموا أنّ جميع فرص الخروج منها قد انتفت؟ وهذا ما صرّحت به الأحاديث التي رواها الشيخان وأصحاب السنن، في أنّ أصحاب النار يزدادون حزنًا إلى حزنهم عند ذبح الموت وإخبارهم ببقاءهم في النار.
وكيف يزول عنهم الجزع الذي هو ألم نفسي مع بقاء الآلام الحسية، والشيخ ابن عربي يصرّح ببقاء العذاب النفسي وزوال العذاب الحسي، كما بينتُه في مقالاتي السابقة؟
ثم أليس زوال الجزع -الذي هو أشد من العذاب الحسي كما يقول- نوعٌ من التخفيف المنفي في الآيات؟
والآيات القرآنية دالّة على أنّ أصحاب النار ليس لهم خروج من شيء من الغموم، فكيف يقال بزوال هذا النوع من العذاب النفسي عنهم؟ قال تعالى: ((كلما أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا)).

[المطلب الرابع: جواب الأمير عبد القادر الجزائري عن كلام الشيخ الدباغ، انتصارًا لشبهة إبليس السابقة]

يظهر من النص الثاني للمناظرة، أن الشيخ ابن عربي أيّد شبهة إبليس في دخوله وطمعه في الرحمة الإلهية في الآخرة، بحجة أنّ التقييد صفة العبد لا صفة الرب، ويقول عن هذه الشبهة الإبليسية: «فلما وقفتُ له على هذه المسألة التي حكى عنه سهل بن عبد الله، تعجبتُ، وعلمتُ أنه قد علم علمًا لا جهل فيه، فهو أستاذ سهل في هذه المسألة».
فتأمل قوله: «وعلمتُ أنه قد علم علمًا لا جهل فيه» الدال على أنّ إبليس أصاب وأفحم سهلًا، وبما أنّ إبليس أستاذ سهل في هذه المسألة، فإن ابن عربي يحمد الله تعالى أنه ما تلقاها منه، بل من الله تعالى، فيقول:
«وأما نحن فما أخذناها إلا من الله، فما لإبليس علينا منة في هذه المسألة بحمد الله، ولا غيرها».
ثم صرّح بأن مسألة سعة الرحمة الإلهية لكل العالم حتى إبليس، مسألة أصل لا مسألة فرع، وبيّن أن الرحمة التي تشمل إبليس هي رحمة المنّة والفضل، فقال:
«فإبليس ينتظر رحمة الله أن تناله من عين المنة والجود المطلق، الذي به أوجب على نفسه سبحانه ما أوجب، وبه تاب على من تاب وأصلح، فالحكم لله العلي الكبير». اهـ

وقد بينتُ فيما مضى مآل أصحاب النار إلى رحمة الامتنان، وما تقتضيه من زوال آلامهم وتنعمهم في النار الموافقة لمزاجهم.
إلا أن الشيخ الدباغ استبعد موافقة الشيخ ابن عربي لشبهة إبليس، وصرّح ببطلان هذه الشبهة التافهة التي تمسك بها إبليس، فقال -كما في الإبريز-:
«بأن التقييد في الآية من الله تعالى لا من الخلق، وتمسك إبليس -لعنه الله- بالشبهة التي أوردها بتمسك باطل، والصواب مع سهل -رضي الله عنه- لا مع إبليس لعنه الله.
ووجه مدح ذلك الكلام الذي جرى على لسانه -لعنه الله-، أن الحاتمي وسهلًا فهما منه ما لم يفهمه إبليس -لعنه الله- ولا جرى على خاطره، فحرك من سهل التستري الساكن، وأيقظ منه النائم والكامن، ورجع إلى مشاهدة ما يعرفه من الحق سبحانه وتعالى؛ فإن الصوفية -رضي الله عنهم- بعد الفتح ومعرفة الحق على ما هو عليه، إذا نظروا إلى الحالة التي كانوا عليها قبل الفتح، يجدون أنفسهم مقيدين للحق -سبحانه وتعالى- فيما لا يحصى من التقييدات، جاهلين به لا يعرفونه حق معرفته، فلما قال اللعين: التقييد من صفتك لا من صفته، حصل بسبب هذا القول التفات من سهل إلى الحالتين، فحصل له ما حصل، وإن كان اللعين لم يرد المعنى الذي التفت إليه سهل، ولا جرى على خاطره، وهذا فن من سماع الصوفية -رضي الله عنهم-.
فقد جاء بعض الأشياخ إلى دار مريد له، فدق عليه الباب ولم يكن في الدار غير المريد، فقال المريد: من يدق الباب؟ ما هنا غيري. فسمع الشيخ قوله: ما هنا غيري، فصعق وخر مغشيًا عليه، ولم يشعر المريد بشيء من ذلك، فمن قال: إن المريد أستاذ شيخه في هذا الباب فلا ضيق عليه.
وطلبتْ بنت من أبيها حاجة يأتي بها من السوق، فخرج الأب ليأتي بها، فقالت الأم لها: لم كلفت أباك؟ فقال البنت لها: وهل عندي غيره، فسمع قولها صرفي فخر مغشيًا عليه.
وبهذا يعلم بطلان كلام إبليس لعنه الله، وصحة لمحات الصوفية وإشاراتهم رضي الله عنهم، والله تعالى أعلم».اهـ

نلاحظ أن الشيخ الدباغ نفى موافقة الحاتمي وسهل لشبهة إبليس في دخوله تحت الرحمة، وصرّح ببطلان كلامه.

ولما كان كلام الشيخ ابن عربي صريحًا في تأييد شبهة إبليس في الموضعين السابقين، فقد صرّح بأنّ سهلًا انقطع ولم يجد جوابًا، ونصّ على أنّ إبليس عَلِم -في هذه المسألة- علمًا لا جهل فيه، وحمد الله تعالى أنّه لم يتعلمها -ولا غيرها- من إبليس، بخلاف سهل فإنّ إبليس أستاذه فيها، وأيدها بقوله أن إبليس ينتظر الرحمة من عين المنّة، مع نصوصه في رحمة المنة وما تقتضيه من شمول أصحاب النار وزوال آلامهم، مما يدل على موافقته على شبهة إبليس وتأييدها، لما كان الأمر كذلك، لم يجد الأمير عبد القادر الجزائري بُدًا من القول بأنّ رجاء إبليس في رحمة الامتنان صحيح، وأنّ طمعه في محله! وشرح شبهة إبليس وسماها «حُجة!»، ثم اقترح شبهة أخرى في إفحام سهل فقال في المواقف الروحية (2/606):
«ولو قال إبليس كلمة لحج سهلًا أول وهلة… فيقول إبليس: مشاهدة ما خوّفهم بعد التأمين، والبشارة بالسعادة، هو الذي جعلني أرجو رحمته بعد طردي وإبلاسي». اهـ
فنجد الأمير عبد القادر يقترح على إبليس شبهة أقصر وأخصر، وأسهل في الرد على سهل وإفحامه، وإنا لله وإنا إليه راجعون!

ثم قال الأمير عبد القادر (2/607): «فرجاء إبليس في نيل الرحمة من عين المنة صحيح، وطمعه في محله، وقد سلّم له الإمامان الكبيران: سهل ومحيي الدين». اهـ
إذن، نرى الأمير عبد القادر يصحح شبهة إبليس، ويرى أن ابن عربي سلّم له، بخلاف الشيخ الدباغ الذي رأى مخالفة ابن عربي لتلك الشبهة.

ثم بدأ الأمير عبد القادر بالجواب عن كلام الشيخ الدباغ فقال:
«وما ذكره صاحب الإبريز عن شيخه القطب عبد العزيز الدباغ -رحمه الله- لا يخفى ما فيه من المخالفة لما قدّمناه». اهـ
وهذا جليٌّ في مخالفة الأمير للشيخ الدباغ، فهو يرى أنّ شبهة إبليس صحيحة، وأن ابن عربي أقرّها وأيدها ولم يخالفها.
ثم حاول الأمير الاعتذار للشيخ الدباغ، فقال كلامًا خطيرًا، ونصه:
«ولعل الشيخ عبد العزيز أجاب بذلك لمقتضى الوقت، فإن العارف له ثلاثة أثواب: ثوب إيمان، وثوب كفر، وثوب نفاق». اهـ
فهل يريد القول بأنّ الشيخ الدباغ قال هذا في ثوب الكفر أو النفاق لمقتضى الوقت؟ دون أن يؤمن بحقيقته؟!
أترك الجواب للقراء..