[انتصار الشيخ ابن المبارك السجلماسي للشريعة في مسألة انقلاب العذاب عذوبة]

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه وحزبه إلى يوم الدين، وبعد:

بينتُ في مقالٍ سابقٍ نموذجًا من نماذج الانتصار للأشخاص، ولو على حساب التعسف والتلاعب بالقواعد الشرعية المستقرة، ذلك النموذج الذي مثّله الشيخ الكازروني والشيخ محمد رسول البرزنجي في كتاب «الجاذب الغيبي إلى الجانب الغربي»، حيث قاما بليّ أعنقاق النصوص، والتلاعب بالإجماع المعتبر وبقواعد أهل السنة في الوعيد، انتصارًا لقول الشيخ ابن عربي في مسألة انقلاب العذاب عذوبة.وقد رفض مؤلف «الجاذب الغيبي» فكرة تأويل نصوص الشيخ ابن عربي؛ لأن نصوصه -مع كثرتها وكثرة استدلالاته فيها- لا تقبل التأويل، كما رفض القول بالدس لنفس السبب، وقال في ردّه على الشيخ الشعراني الذي نفى نسبتها للشيخ ابن عربي:«وهو عجيب منه!، وخلاف الواقع، فإن كل مَن له ذوق في كلام الشيخ، يعلم أن هذه كلها عباراته، وأنها على طبق شربه، وكيف يدسّ قدر كراس في مواضع عديدة في كلام رجل إمام معروف، له تلامذة محققون، علماء أجلاء، مكبّون على تصانيفه مطالعة وقراءة وإقراء، كالصدر القونوي وأضرابه!». اهـ

وفي هذا المقال سأضرب نموذجًا مخالفًا للنموذج السابق، انتصر فيه الشيخ أحمد بن المبارك السجلماسي (صاحب الإبريز) للشريعة المطهرة، ولم تمنعه مرتبة صاحب المقولة من إحقاق الحق وإبطال الباطل، فقام بردّ تلك العقيدة وبيان مخالفتها لصريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة.

[المطلب الأول: سبب كتابة السجلماسي في هذه المسألة]

للشيخ السجلماسي كتاب بعنوان: «إزالة اللبس عن المسائل الخمس»، أجاب فيه عن خمس مسائل وجهه إليها بعض العلماء، وكان موضوع المسألة الثالثة هو انقلاب عذاب أصحاب النار عذوبة، بعد بقائهم عددًا من الأحقاب في العذاب الأليم. ونص السؤال: «المسألة الثالثة: أن بعض الأئمة الأكابر، القاطنين بأحد نواحي الجزائر، وهو من المعدودين في طبقة الشيخ سعيد قدورة ونظائره، ألف تأليفًا اشتمل على خمسة عشر ألف بيت، سماه: «سلّم السعادة»، ضمّنه طرفًا وتحفًا دنيوية ودينية، وقد وقفنا فيه على مسألة قفّ منها الشعر، ولم أعرف لها وردًا ولا صدرًا، وجلالة قائلها منعتنا من مقابلتها بالجحود، ومعاملتها بالإعراض والصدود، وقلنا: لعل هذا من عدم فهم كلامه، والوقوف على رسم مرامه، ولا بد فيها من الرجوع لذوي البصائر، فالمطلوب منك -زادك الله شهرة في البوادي والحواضر-، أن تنظر هل هي سالكة جادة التحقيق، التي لم يحصل لمتبعها تعويق، أم هي على عكس ذلك، موقعة في أقبح المسالك، مستعملين في توضيح أي الطريقين، ما يزول به عنّا عوارض الشك والمَين، وهذا نصّه…». اهـ

أقول: من الظاهر أنّ صاحب هذه المنظومة رجل صاحب مكانة عند العالِم السائل، حيث وصفه بأنه من الأئمة الأكابر، فاحتاج أن يسأل الشيخَ السجلماسي عمّا في كلام الناظم، لمعرفة الشيخ السجلماسي بعلوم الشريعة والحقيقة، وبعد أن أبدى السائل تعجّبه من المسألة المذكورة، سرد الأبيات التي استشكلها وقف منها شعره، وهي الأبيات المذكورة في المطلب الآتي:يتبع….