الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه وحزبه إلى يوم الدين، وبعد:

إن المرء ليعجب من احتفاء بعض الإخوة المنافحين عن الشيخ ابن عربي وإشادتهم بكتابٍ ككتاب الجاذب الغيبي، مع ما فيه من مخالفات للنصوص الشرعية، ولِما اتفق عليه أهل السنة والجماعة، في سبيل الانتصار للعقائدة المنتقدة على الشيخ ابن عربي، ولو بضرب القواعد المستقرة عند أهل السنة، وسلوك مسالك التعسف. وهي نفس المسالك التي نراها للأسف في بعض المدافعين عن الشيخ ابن عربي اليوم.
ولا أدري هل طاروا فرحًا بالكتاب مع اعتقادهم في خاصة أنفسهم بما فيه، وتصريحهم أمام الملأ بما يخالفه من باب عدم مناسبة الوقت، كما هو منهج بعض المدافعين عن الشيخ ابن عربي، أم أنهم كمن يحطب ليلًا دون تمييز؟ ولئن كان حاطب الليل قد يُهلك بغفلته الأبدان، فإن صنيع هؤلاء قد يحلق الإيمان.
وفي هذا المقال سأبين منهج الكتاب ومخالفته للشريعة ولمذهب أهل السنة، في مسألة لا زال البحث فيها مفتوحًا هذه الأيام، وهي مسألة انقطاع العذاب الحسي، أو انقلاب العذاب عذوبة، وليس غرضي المناقشة التفصيلية لجميع كلامه في هذه المسألة، بل سأضرب بعض النماذج لبيان تهافت منهجه، وفساد طريقته في الاستدلال، ومحاولة تشبثه بكل ما يخدم دفاعه عن قول الشيخ ابن عربي، مهما كان شاذًا أو ضعيفًا أو مخالفًا لمذهب أهل السنة.
وكتاب «الجاذب الغيبي» للشيخ البرزنجي هو ترجمة وإعادة ترتيب وزيادات على كتاب «الجانب الغربي» لأبي الفتح الكازروني، الذي كان قد ألفه بالفارسية.
وقسمت المقال إلى النقاط الآتية:

[ (1) – تصحيح نسبة انقطاع العذاب الحسي لابن عربي]

جزم المؤلف والمترجم بنسبة هذه العقيدة للشيخ ابن عربي، ولم يقولا بالدس ولا التأويل ولا التوقف، وقد نقل المؤلف من نصوص ابن عربي التي أثبت فيها هذه العقيدة ما زاد على خمس وثلاثين صفحة من المخطوط!، تلك النصوص التي تتضمن استدلاله على هذه العقيدة بشتى أنواع الأدلة، من أقيسة المعقول والآيات القرآنية والأحاديث النبوية والكشوفات.
وكنتُ قد وقفتُ على أكثر من خمسين موضعًا للشيخ ابن عربي في هذه المسألة، في الفتوحات والرسائل والفصوص، نشرتُ منها سابقًا خمسة وعشرين نصًا، إلا أنّ مؤلف الكتاب بعد أن ساق جملة من نصوص الشيخ ابن عربي، اعترف بصعوبة استيفائها لكثرتها، وأنّ الشيخ قد قرّرها وكررها في أكثر من سبعين موضعًا، قال:
«فهذه جملة من كلام الشيخ -قدس سره- في هذه المسألة، ويعسر استيفاؤها جميعها، فقد قررها وكررها في نحو سبعين موضعًا فأكثر». اهـ

بل نجد المؤلف لا يتوانى في الردّ على من أنكر نسبتها ونسبة أمثالها للشيخ ابن عربي، كما يظهر من ردّه على الشيخ الشعراني حينما حلف أن بعض العقائد ليست من كلام ابن عربي، كما في اليواقيت والجواهر، فقال المؤلّف ردًا عليه:
«وهو عجيب منه!، وخلاف الواقع، فإن كل مَن له ذوق في كلام الشيخ، يعلم أن هذه كلها عباراته، وأنها على طبق شربه، وكيف يدسّ قدر كراس في مواضع عديدة في كلام رجل إمام معروف، له تلامذة محققون، علماء أجلاء، مكبّون على تصانيفه مطالعة وقراءة وإقراء، كالصدر القونوي وأضرابه!». اهـ
أقول: نحن أمام تأكيدٍ على نسبة هذه الأقوال للشيخ ابن عربي، وجزمٍ بصحتها عنه، وثبوتها في كتبه وكتب طلابه وأصحاب مشربه، فليس هذا أمرًا خاصًا بنا، بل مؤلف الكتاب يصحح تلك النسبة إلى الحدّ الذي يُلجئه للتعجب ممن أنكرها، ويوافقه المترجم أيضًا.

ومع هذا الكم الهائل من نصوص الشيخ ابن عربي في تقرير هذه العقيدة، وما تتضمنه هذه النصوص من ألوان الاستدلالات والتعليلات، وما فيها من تعدد العبارات والصياغات، وسائر أنواع التأكيدات، والنفي والإثبات، والحصر والقصر.. إلخ طرق البيان والتعبيرات، يعسر جدًا القول بأنّه أراد معنى آخر، أو أنّ جميع هذه النصوص المبثوثة في طول الفتوحات وعرضها، وغيرها من كتبه، ليست له، خصوصًا أنها متوافقة مع أصوله التي قرّرها في عامّة كتبه.

وبيّن الشيخ البرزنجي مذهب الشيخ ابن عربي فقال:
«هذا إذا أريد بالعذاب حقيقته التي هو الألم، أما إن أريد به أسبابه من النار والأغلال والحميم والغساق ونحوها، فالشيخ قائل بخلود العذاب بهذا المعنى».اهـ
أي أنّ الشيخ ابن عربي يقول بانقطاع العذاب الحقيقي الذي هو الإيجاع والألم، مع دوام أسبابه وصورته على أهل النار.
وكون الإيجاع والألم هو حقيقة العذاب أو لازمًا ذاتيًا له ثابت عند أهل اللغة، قال الراغب:«والعَذَابُ: هو الإيجاع الشّديد». اهـ
وقال الإمام القرطبي في بحثه معنى العذاب عند أهل اللغة: «والعذاب: مثل الضرب بالسوط والحرق بالنار والقطع بالحديد، إلى غير ذلك مما يؤلم الإنسان..إلخ». اهـ
وقال الفيروزآبادي: «والعَذَاب: الإِيجاع الشديد». اهـ
وقال ابن عاشور ملخصًا كلام اللغويين والمفسرين في معنى العذاب وأصله: «العذاب: الألم، وقد قيل إن أصله الإعذاب مصدر «أعذب» إذا أزال العذوبة؛ لأن العذاب يزيل حلاوة العيش، فصيغ منه اسم مصدر بحذف الهمزة، أو هو اسم موضع للألم بدون ملاحظة اشتقاق من العذوبة، إذ ليس يلزم مصير الكلمة إلى نظيرتها في الحروف». اهـ
وهذا يفيدنا لاحقًا في فهم كلام الشيخ الكازروني والبرزنجي.

[ (2)- دعوى عدم مخالفة انقطاع العذاب للكتاب والسنة]

وبعد أن أثبت الكازروني نسبة هذه العقيدة للشيخ ابن عربي، من خلال النصوص المتكاثرة التي ساقها، لم يقم ببيان مخالفتها للكتاب والسنة والإجماع، ولم يقم بتأويلها؛ لأنها لا تقبل التأويل أصلًا، بل أيّد هذه العقيدة وانتصر لها!، واعتبرها مما لا يخالف عقلًا ولا نقلًا، ولا حتى بوجه من الوجوه!، فقال:
«وقد تبيّن لك بسردها أن ما ذهب إليه الشيخ ليس فيه مخالفة للشرع ولا للعقل بوجه من الوجوه، فإنه متمسك في ذلك بالآيات الفرقانية، والأحاديث النبوية». اهـ
وقال: «وعلى هذا، قول الشيخ -قدس سره-: إن عذاب الكفار من العذوبة، حق وصدق، ولا يلزم منه كفر ولا محذور، ولو استوعبنا كلام الفتوحات لكان مجلداً عظيم الحجم، وفيما أوردنا كفاية لأرباب الفطانة». اهـ
وزاد على هذه الدعوى أنّ تلك العقيدة من جملة عقائد الشيخ الموافقة لمذهب أهل السنة، فقال:
«بل عقيدته في الإعادة والحشر والنشر والحساب والميزان والصراط والشفاعة والجنة والنار، وغير ذلك كله، موافقة لمذهب أهل السنة، رضي الله عنه». اهـ
وقال الشيخ البرزنجي: «وإذ قد علمتَ مذهب الشيخ -رحمه الله- وأنه موافق للشرع، بل لأهل السنة..إلخ». اهـ

أقول: اتفقت كلمة أعلام أهل السنة على إبطال هذه العقيدة، والإقرار بمخالفتها لأهل السنة، لذلك نرى بعضهم ردّها على الشيخ ابن عربي، وقال بعضهم بدسّها، وتأوّلها آخرون لتصبح غير مخالفة للنصوص المحكمة، والقول بالدس أو التأويل فرعٌ عن الإقرار ببطلانها.
حتى قال الإمام الدردير في منهاج الصادقين: «ويجب على كلّ مكلف أن يعتقد أن كل مخلَّد في النار لا يفتّر عنه العذاب، ولا يخفَّف عنه، كما هو صريح القرآن والسنة، وإجماع المحققين من المسلمين. ولا تغتر بكلام بعض الملحدين الضالين من أن الخلود ليس على حقيقته، أو أن المخلَّد يصير بعد طول المدة يتلذذ بالنار، كما يتلذذ أهل الجنة بالجنة، ولربما نسب هذا الملحدُ هذه المقالةَ لبعض العارفين كسيدي محي الدين ابن عربي، وهي نسبة باطلة». اهـ
فانظر كيف قرّر الإمام الدردير أن هذه العقيدة مخالفة لصريح الكتاب والسنة، وللإجماع، وجعلها من كلام بعض الملحدين الضالين.
إلا أننا في هذا الكتاب نجد أنفسنا أمام دعوى خطيرة، تجعل هذه العقيدة موافقة للنصوص الشرعية ومذهب أهل السنة! ثم تتكلف في ليّ أعناق المحكمات لتوافق هذه العقيدة، كما سيظهر في هذا المقال.

[ (3)- وجوب الإيمان بانقطاع العذاب الحسي عند صاحب الكتاب!]

لم يكتف الشيخ البرزنجي بتأكيد دعوى المؤلف في عدم مخالفة هذه العقيدة للكتاب والسنة والإجماع، بل أوجب قبولها والإيمان بها! فقال:
«وقد مر قريبًا أن الشيخ -قدس سره- أثبت إمكان انقطاع العذاب عقلًا، وأثبت وقوعه نقلًا، وكل ما أمكن عقلًا وأخبر به الصادق وجب قبوله والإيمان به، ولا سيما وقد ادعى إجماع أهل الكشف عليه، فيجب قبوله، وكيف وقبول ذلك لا يهد ركنًا من أركان الشريعة، بل هو من محاسنها الموافق للرحمة العامة والكرم..إلخ». اهـ
أقول: فها هو الشيخ البرزنجي يوجب علينا الإيمان بهذه العقيدة المخالفة للقواطع الشرعية، من الكتاب والسنة والإجماع، ويزعم أنّ وقوعها ثابت بالنقل!، وسيأتي بيان شيء من تهافت استدلالاتهم بالنقل على هذه العقيدة.

[ (4)- استدلال المؤلف بالقرآن على انقطاع العذاب الحسي]

بدأ المؤلف بذكر بعض أدلة الشيخ ابن عربي في انقلاب العذاب عذوبة، ليثبت أنّ انقلاب العذاب غير مخالف للقرآن، فنقل كلامًا للشيخ ابن عربي بمعناه، يتضمن الاستدلال على عقيدة انقطاع العذاب الحسي مع بقاء أهل النار في النار، ونصُّ الشيخ ابن عربي هو الآتي:
قال في الفتوحات (3/77): «وإن السكنى لأهل النار في النار لا يخرجون منها، كما قال تعالى: «خالِدِينَ فِيها» يعني في النار، و«خالِدِينَ فِيها» يعني في الجنة، ولم يقل «فيه» فيريد العذاب، فلو قال عند ذكر العذاب: «خالدين فيه» أشكل الأمر، ولمّا أعاد الضمير على الدار لم يلزم العذاب.
فإن قال قائل: فكذلك لا يلزم النعيم كما لم يلزم العذاب.
قلنا: وكذلك كنّا نقول، ولكن لما قال الله تعالى في نعيم الجنة أنه «عطاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ» أي عطاء غير مقطوع، وقال: «لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ» لهذا قلنا بالخلود في النعيم والدار، ولم يَرِد مثل هذا قط في عذاب النار، فلهذا لم نقل به». اهـ
ثم شرع في الردّ على مَن يستدل على خلودهم في العذاب بقوله تعالى: «فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً خالِدِينَ فِيهِ»، ثم قال:
«وما ورد في العذاب شي‏ء يدل على الخلود فيه كما ورد في الخلود في النار، ولكن العذاب لا بد منه في النار، وقد غيب عنا الأجل في ذلك، وما نحن منه من جهة النصوص على يقين». اهـ
أقول: إن الشيخ ابن عربي لم يعتمد في هذه العقيدة على الكشف فقط، بل استدل عليها بالنصوص الشرعية، كما يظهر في هذا النص وغيره، فادّعى أنّ خلودهم في الدارين -الجنة والنار- لا يستلزم الخلود في النعيم ولا في العذاب، ولمّا دلّت النصوص الأخرى على دوام نعيم أهل الجنة، كقوله تعالى: «عطاء غير مجذوذ»، ولم يَرِد مثل هذا قط في عذاب النار، لزم الإيمان بدوام نعيم أهل الجنة دون دوام عذاب أهل النار، هذا ملخص استدلاله.
وهذا الاستدلال ضعيفٌ جدًا، لا يقوم على قدم وساق، وقد أبطله الإمام السبكي في ردّه على ابن تيمية، لكن لا بأس بذكره بعض الوجوه المختصرة في ردّه، كما يلي:
قال الشيخ ابن عربي: «فلو قال عند ذكر العذاب: (خالدين فيه) أشكل الأمر».
وقال: «وما ورد في العذاب شي‏ء يدل على الخلود فيه». اهـ

أقول أولًا: هذا مخالف لصريح القرآن، بل ورد في القرآن خلودهم في العذاب أيضًا، كما في قوله تعالى: (إِنَّ المجرمين فِی عَذَابِ جهنّم خَـٰلِدُونَ ۝ لَا یُفَتَّرُ عَنۡهُمۡ وَهُمۡ فِیهِ مبلسون۝) [الزخرف: 74-75]، وقوله تعالى: (وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ) [المائدة: 80].

وثانيًا: لو سلمنا عدم وجود آيات فيها لفظ «الخلود» في العذاب، إلا أنّ آيات كثيرة دلّت على خلودهم في العذاب بغير ألفاظ الخلود، كالآيات الدالة على أن عذابهم مقيم، قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾، وأن عذابهم لا يخفف، قال تعالى: ﴿خَـٰلِدِینَ فِیهَا لَا یُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ یُنظَرُونَ﴾، وأن عذابهم في ازدياد، قال تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾.. إلخ تلك الآيات.

وثالثًا: لو لم يأتِ دليل على دوام العذاب الحسي على أهل النار، لكانت النصوص الدالة على خلودهم في النار كافية للدلالة على خلودهم في العذاب؛ لأن النار هي دار العذاب أصلًا، وتصوّر خلودهم فيها مع تلذذهم وتنعّمهم مخالف لما سيقت له الآيات من التهديد والوعيد، ولذا نجد العلامة الآلوسي، وهو وإن كان من المحبين لابن عربي عمومًا، إلا أنه لم يملك نفسه من الرد على ما يخالف الدلالات الشرعية المعتبرة، نجده يقول: «والأخذ بظواهر هذه العبارات النافية للخلود في العذاب، وتأويل النصوص الدالة على الخلود في النار بأن يقال: الخلود فيها لا يستلزم الخلود في العذاب لجواز التنعم فيها، وانقلاب العذاب عذوبة، مما يَجُرُّ إلى نفي الأحكام الشرعية، وتعطيل النبوات، وفتح باب لا يسد». اهـ

وأمّا التعليق على الاستدلال بقوله تعالى: «عطاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ» في أهل الجنة دون أهل النار، فقد تكلّم عليه الإمام السبكي في رسالته المشهورة، وقد فصّل فيه شيخنا السعيد -حفظه الله- في كتابيه: أصحاب النار ومصيرهم، والرد على د.عدنان إبراهيم، فلن أذكره خشية إطالة المقال.

فنحن أمام استدلالات عقلية ونقلية للشيخ ابن عربي في إثبات عقيدته في انقطاع العذاب الحسي، وليست عقيدة مبنية على الكشف فقط، ولذا قال الشيخ البرزنجي:
«قد استدل الشيخ -قدس سره- على مذهبه، بعد أن أثبت الإمكان العقلي والوقوع الكشفي المتفق عليه من أهل الكشف، كما مر نقله، بأدلة من العقل والنقل، بل في الحقيقة ما استدل إلا بالنقل، لما ذكر أن العمدة في الأمور الأخروية النصوص، أحدها: قوله تعالى في حق أهل النار: {خالدين فيها إلا ما شاء ربك} في سورة هود، ثانيها قوله تعالى: {قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله} في الأنعام، ثالثها قوله تعالى: {لابثين فيها أحقابا}، رابعها قوله تعالى: {جزاء وفاقا}، خامسها قوله تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء}، سادسها قوله تعالى: «سبقت رحمتي غضبي»، رواه مسلم بهذا اللفظ..إلخ».اهـ
أقول: يلاحَظ من نصوص ابن عربي التي نقلها صاحب الكتاب، ونصوصه التي نقلتُ بعضها في مقالاتي السابقة، أنه جعل النصوص العامة في الاستثناء، والنصوص العامة في كرم الله تعالى وسبق الرحمة وسعتها، جعلها قاضية وحاكمة على الآيات المحكمة الخاصة في خلود العذاب الحسي، وسلك ابن تيمية وتلميذه نفس هذا المسلك، وتبعهم بعد ذلك خلق كثير، ولا يخفى فساد هذه الطريقة من الاستدلال عند أهل السنة.

[ (5)- تطويع الآيات لتوافق كلام ابن عربي]

تبع المؤلفُ الشيخَ ابن عربي في القول بعدم ورود شيء من النصوص الشرعية يدل على الخلود في العذاب، وكذلك بعض أصحاب مدرسته، وقد بينتُ بطلان هذه الدعوى في النقطة السابقة، لكنّ الشيخ البرزنجي وجد آية تنقض هذه الدعوى، فقال:
«لكن بقي عليه قوله تعالى في المائدة: ﴿تَرَىٰ كَثِیرࣰا م‍ِّ‍نۡهُمۡ یَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَن‍‍فُسُهُمۡ أَن سَخِطَ الله عَلَیۡهِمۡ وَفِی ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَـٰلِدُونَ﴾.
فإن هذا كما ترى نص في خلودهم في العذاب، وقد أسند الخلود عليهم، وأثبت الظرفية للعذاب، وأضافها إلى لفظ العذاب دون ضمير حتى يحتمل إعادته إلى غيره، ولم يتعرض الشيخ -قدس سره- ولا أحد من ناصري مذهبه وشراح كلامه للجواب عنه، ولم يتفطن له الأصل أصلًا، ولا بد من ذكر ما يبديه الله تعالى بحسب الوقت، فنقول وبالله العون…». اهـ

أقول: لمّا كانت هذه الآية عقبة صعبة أمامه، تهدم دعوى الشيخ ابن عربي ومَن وافقه، لم يجد بُدًا من ليّ عنقها وإرغامها لتوافق كلام الشيخ ابن عربي، فأخذ يورد عليها الاحتمالات الواهية، مع اعترافه سابقًا بكونها نصًا على خلودهم في العذاب، وسأبيّن تهافت كلامه بإيجاز شديد كما يلي:
قال البرزنجي: «أن الآية نازلة في اليهود، بدليل قوله تعالى قبلها: (لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) الآية».
أقول: إذن، ربط الآية التي تنصّ على خلودهم في العذاب بآية سابقة، والآية السابقة نصّت على أمرين لهما مدخلية مهمة في تفسير العذاب المُخَلَّد عليهم، الأمر الأول: وقوع اللعنة عليهم، واللعنة هي الطرد والإبعاد من الرحمة، والأمر الثاني: أن هؤلاء القوم كفار وليسوا بمؤمنين، والذي يدل على هذين الأمرين قوله تعالى في الآية السابقة: (لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل).
ثم قال الشيخ البرزنجي:
«والمراد بالذين كفروا في قوله: (يتولون الذين كفروا) المنافقون، يعني ترى كثيرًا من اليهود يتولون المنافقين، وحينئذ فلا يخلو إما أن يكون المراد بالعذاب: عذاب الدنيا، المذكور في قوله تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا… وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ)، أو: عذاب الآخرة.
فإن كان الأول [أي عذاب الدنيا]، فالمراد بالخلود هو خلود في الحياة الدنيا، بمعنى أنهم ما دامت الدنيا، فالذل والمسكنة والغضب لا يفارقهم، والخلود بهذا المعنى يزول بزوال الدنيا، كما قاله الشيخ -قدس سره- في حمل الأوزار يوم القيامة، وقد مر». اهـ
أقول: إنّ حَمْلَ العذاب الوارد في قوله تعالى: ﴿وَفِی ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَـٰلِدُونَ﴾ على العذاب الدنيوي تكّلفٌ ظاهر، وقد راجعتُ أربعين تفسيرًا تقريبًا فلم أجد في شيء منها تفسير العذاب هنا بالعذاب الدنيوي، ومما يدلّ على فساد حمل العذاب في هذه الآية على الدنيوي الوجوه الآتية:
• الوجه الأول: أن الأصل في الخلود هو الثبات والدوام من غير عروض فساد، وهذا هو اللائق بالآخرة لا بالدنيا، قال ابن فارس: «(خلد) الخاء واللام والدال أصل واحد، يدل على الثبات والملازمة». اهـ
وقال الجوهري: «الخُلْدُ: دوامُ البقاء». اهـ
وقال الراغب: «الخلود: هو تبري الشيء من اعتراض الفساد، وبقاؤه على الحالة التي هو عليها». اهـ
وقال التقي السبكي: «وحقيقة الخلود التأبيد». اهـ
فالأصل أن يحمل الخلود في العذاب على الخلود الأخروي، لدوامه وثباته وتبرّيه من اعتراض الفساد.

• الوجه الثاني: أنه حَمَلَ العذاب الدنيوي على العذاب الوارد في سورة آل عمران، وتمام الآية يبيّن أن هذا العذاب ليس ثابتًا دائمًا عليهم في الدنيا من غير اعتراض فساد، قال تعالى: «ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ».
فقد نصّت الآية أنّ الذلة مضروبة عليهم، واستثنت حالة تلبسهم بعهد من الله تعالى أو بعهد من الناس، وهذا يدل على أنّ وقوع الذلة عليهم ليس خالدًا لا يعتريه انقطاع ما دامت الدنيا، بل يتخلله فترات تنقطع عنهم الذلة فيها، فلزم أن يكون العذاب الخالد عليهم هو العذاب الأخروي، قال البيضاوي:
«أيْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ في عامَّةِ الأحْوالِ إلّا مُعْتَصِمِينَ أوْ مُلْتَبِسِينَ بِذِمَّةِ اللَّهِ، أوْ كِتابِهِ الَّذِي آتاهم، وذِمَّةِ المُسْلِمِينَ». اهـ

• الوجه الثالث: أنّ الآية رتّبت الخلود في العذاب على لعنهم وكفرهم المذكور في الآية السابقة، والمناسب لطردهم من رحمة الله تعالى وكفرهم هو العذاب الأخروي لا مجرد وقوع الذلة في الدنيا، قال الإمام أبو حيان: «(وفِي العَذابِ هم خَـالِدُونِ) لَمّا ذَكَرَ ما قَدَّمُوا إلى الآخِرَةِ زادًا، وذَمَّهُ بِأبْلَغِ الذَّمِّ، ذَكَرَ ما صارُوا إلَيْهِ وهو العَذابُ وأنَّهم خالِدُونَ فِيهِ». اهـ

• الوجه الرابع: وقوع العذاب الدنيوي عليهم من الذلة والمسكنة لا ينافي أيضًا خلودهم في العذاب الأخروي، قال البقاعي: «{أن سخط الله} أي وقع سخطه بجميع ما له من العظمة {عليهم}، ولما كان من وقع السخط عليه يمكن أن يزول عنه، قال مبينًا أن مجرد وقوعه جدير بكل هلاك: {وفي العذاب} أي الكامل من الأدنى في الدنيا والأكبر في الآخرة {هم خالدون}».

ثم قال الشيخ البرزنجي:
«وإن كان الثاني [أي عذاب الآخرة] فإما أن تكون الآية عامة بحيث تشمل الفساق أيضًا، كما يدل عليه ما رواه ابن أبي حاتم والخرائطي وابن مردويه والبيهقي -وضعفه- عن حذيفة -رضي الله عنه- أنه ﷺ قال: (يا معشر المسلمين، إياكم والزنا، فإن فيه ست خصال، ثلاثة في الدنيا وثلاثة في الآخرة)، وقال في الأخروية: (سخط الله، وسوء الحساب، والخلود في النار)، ثم تلا رسول الله ﷺ: {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم} الآية، فالخلود حينئذ ليس المراد به الأبد باتفاق أهل السنة، إذ لم يقولوا بخلود الزناة في النار، فالمراد بالخلود المكث الطويل، نظير ما قالوا به في قاتل النفس.
أو تكون خاصة أريد بها اليهود خاصة أو مطلق الكفار، وحينئذ فالجواب من وجهين..» اهـ
أقول: إن الأصل في الخلود الوارد في آية قتل النفس هو حقيقته، وهو الدوام بلا انقطاع، وعليه فإن الأصل حملها على قاتل النفس الكافر، لكن لمّا دلّت بعض الأدلة على شمولها لقاتل النفس المؤمن، والمؤمن لا يخلد في العذاب عند أهل السنة للأدلة المتواترة، حمل بعض المفسرين الخلود فيها على معنى المكث الطويل، بخلاف الآية محل البحث، فالحديث المذكور مع ضعفه لا يكفي لإخراج معنى الخلود عن حقيقته، ولا كون العذاب فيها شاملًا للكافر والفاسق، لا سيما والعذاب الوارد فيها مترتب على اللعنة والكفر، فظهر الفرق بين الآيتين.

على أنّا لو قلنا بشمول العذاب فيها للكافر والفاسق، لم يكن هذا دليلًا على حمل الخلود فيها على المكث الطويل، بل يحمل في حق الكافر على حقيقته وهو التأبيد، ويحمل في حق المؤمن على المكث الطويل، ويكون هذا من استعمال الشيء في حقيقته ومجازه معًا.

ثم قال البرزنجي: «أو تكون خاصة أريد بها اليهود خاصة أو مطلق الكفار، وحينئذ فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن هذا مطلق، وقوله تعالى في هود: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا… إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} مقيد، فيحمل المطلق على المقيد.
بيانه: أنّ كونهم في النار في حال كونهم لهم فيها زفير وشهيق هو عذابهم، فكأنه تعالى قال: خالدين في العذاب إلا ما شاء الله، فكأن الخلود في العذاب مقيد بالمشيئة، فلم تكن الآية دليلًا على تسرمد العذاب.
الثاني: أن غاية هذا أنه وعيد، وقد مر جواز إخلاف الوعيد، بل وجوبه عليه تعالى».

أقول: استدل هنا بدليلين أوهى من بيت العنكبوت، وهذا الاستدلال بعينه هو استدلال ابن تيمية وابن القيم على فناء النار، وقد انتصر الشيخ البرزنجي لقولهما أيما انتصار، وسيأتي اعتماده قولهما والتوفيق بينه وبين قول ابن عربي.
والاستدلال بهذين الوجهين فاسد لما يلي:

أولًا: إن قوله تعالى في سورة هود: «فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ»، دال على خلودهم في النار، لأنّ تعليق الخلود على المشيئة لا يحدّد تلك المشيئة بكونها متعلقة بخروجهم من العذاب، فقد يشاء الله تعالى خلودهم فيه وقد يشاء خروجهم منه، لكن لمّا دلّت الآيات المحكمات على مشيئة الله تعالى تخلديهم في العذاب، قطعنا بنفي تعلق المشيئة بخروجهم من العذاب، قال السبكي: «أو أنه استثناء معلق بالمشيئة، وهو لا يشاء خروجهم، فهو أبلغ في التأبيد […] وقوله في النار: (إن ربك فعال لما يريد) يناسب الوعيد والزيادة في العذاب، ولا يناسب الانقطاع».

ثانيًا: قوله تعالى: «خَالِدِينَ فِيهَا» دالٌّ على تسرمد العذاب بلا انقطاع كما سبق، وقوله: (ما دامت السماوات الأورض) دالٌّ على تسرمد العذاب بلا انقطاع أيضًا، قال الإمام ابن جزي: «فيه وجهان: أحدهما: أن يراد به سمٰوات الآخرة وأرضها، وهي دائمة أبداً، والآخر: أن يكون عبارة عن التأبيد، كقول العرب: ما لاح كوكب، وما ناح الحمام، وشبه ذلك مما يقصد به الدوام».
فالحكم المثبَت في هاتين الجملتين من الآية هو التأبيد في عذاب النار، ومعلوم أنّ الاستثناء لا ينفي الحكم الثابت قبله ولا يرفعه، بل يخرج بعض الأفراد من هذا الحكم، فلو كان الاستثناء في الآية دالًا على عدم تسرمد العذاب، لعاد على الحكم السابق بالإبطال، وهذا لا يصح.

ثالثًا: إن من أعجب ما في كلامه -وما أكثر عجائبه- زعمه أنّ خلف الوعيد في حق الكفار واجب! قال:
«الثاني: أن غاية هذا أنه وعيد، وقد مر جواز إخلاف الوعيد، بل وجوبه عليه تعالى» اهـ.
وهذا مخالف لاتفاق أهل السنّة، بل لإجماع المسلمين على امتناع خلف الوعيد في حق الكفار، وسيأتي الكلام فيه.

وأقٌول بعد البيان المختصر لفساد جوابه عن الآية السابقة:
ليست هذه الآية الوحيدة التي تدل على خلودهم في العذاب بلفظ (الخلود)، بل هناك آية أخرى تنص على الخلود في العذاب، ولئن حاول البرزنجي تطويع الآية السابقة لكلام الشيخ ابن عربي، لتصبح دالّة على الخلود في العذاب الدنيوي ما بقيت الدنيا، ومراده بالعذاب الدنيوي الذلة والمسكنة، أو أنّ هذا العذاب لو كان أخرويًا فيجب انقطاعه، فأنّى له أن يلوي عنق الآية الآتية المحكمة في كون العذاب المخلّد هو العذاب الأخروي، الذي لا يخفف عنهم فضلًا عن أن ينقطع! قال تعالى -ومن أصدق من الله قيلًا- : (إِنَّ المجرمين فِی عَذَابِ جهنّم خَـٰلِدُونَ ۝ لَا یُفَتَّرُ عَنۡهُمۡ وَهُمۡ فِیهِ مبلسون۝) [الزخرف: 74-75].
فهذه آية تنص على خلودهم في العذاب، وأن هذا العذاب هو العذاب الأخروي، وأنه لا يفتّر عنهم فضلًا عن أن ينقطع، وهم مبلسون آيسون من النجاة منه.

[ (6)- الاعتداد بتفرد ابن تيمية بتصحيح الأحاديث التي تخدم مذهبه]

ادّعى المؤلف والمترجم -كما سبق- أنّ قول الشيخ ابن عربي موافق للكتاب والسنة، ولمذهب أهل السنة والجماعة، وقد رأينا في النقطة السابقة بعض ما اعتمد عليه من الآيات في هذه الدعوى، وفي هذه النقطة سأذكر شيئًا مما اعتمد عليه من السنة، وأبين فساد منهجه في الاستدلال بهذه الأحاديث، قال:
«ومن أهل السنة قد ذهب إلى أن الكفار بعد الأحقاب والقرون العديدة يخرجون من جهنم، وروى حديثًا عن رسول الله ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده، ليأتين على جهنم زمان تصفق الريح أبوابها، وينبت في قعرها الجرجير»، وهذا حديث مشهور، إلا أن العلماء ضعفوه، ولكن ابن تيمية قد قواه وصحح إسناده. وروى حديثًا آخر عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: «أهل جهنم يخرجون منها ولو مكثوا فيها عدد رمل عالج»، وعالج اسم موضع كثير الرمل». اهـ

أقول: إن مقصوده ببعض أهل السنة هنا هو ابن تيمية الذي قال في ابن عربي ما قال! فهل أصبحت يد المؤلف صفرًا من الأدلة حتى يستنجد بكلام ابن تيمية، وقد بيّن الأئمة مخالفته لقواطع الكتاب والسنة وإجماع المسلمين؟!
قال الإمام السبكي في رده على ابن تيمية في هذه المسألة: «ولذلك أجمع المسلمون على اعتقاد ذلك، وتلقوه خلفًا عن سلف عن نبيهم ﷺ، وهو مركوز في فطرة المسلمين، معلوم من الدين بالضرورة، بل وسائر الملل غير المسلمين يعتقدون ذلك».
والمؤلف اعترف أن العلماء ضعّفوا الحديث، ونقل تفرّد ابن تيمية بتصحيحه، مع أن تفرّد ابن تيمية بذلك في مسألة خطيرة، لا يعني صحة هذه الأحاديث في نفس الأمر، وعليه فلا يجوز اعتماد تصحيح ابن تيمية للاحتجاج بالحديث.
وما احتج به ابن تيمية على صحة الحديث ظاهر الفساد، فإن سكوت كبار الرواة عن حديثٍ لا يعني تصحيحه كما ادعى ابن تيمية، بل قد يقال: إن سكوتهم عنه لظهور بطلانه، وجَزْمُ رواي الحديث المرسل لا يدل على صحة الحديث أيضًا، بل الجزم تدليس، وهو علة أخرى في الحديث!
وقد ضعّف الإمام السبكي هذه الأحاديث، وقال عن أحدها: «ولو صح حُمِل على طبقة العصاة». اهـ
فهذه هي المنهجية العلمية التي سلكها صاحب «الجاذب الغيبي»، في تلقّف أي قول يسعفه في الدفاع عن عقيدة الشيخ ابن عربي، دون التحقق والتفتيش عن صحته وسلامة دلالته على المطلوب.

[(7)- التشكيك في حجية الإجماع كما يقول به أهل السنة]

ادّعى المؤلف أن قول الشيخ ابن عربي في هذه المسألة موافق لأهل السنة، فقال: «وإذ قد علمتَ مذهب الشيخ -رحمه الله- وأنه موافق للشرع بل لأهل السنة».اهـ
لكنّه بعد أن استدل بعدد من نصوص القرآن والسنة في تأييد هذه العقيدة، وقد أطلعناك على شيء من فساد استدلالاته، أخذ يشكك في حجّية الإجماع المعتبر عند أهل السنة، حتى يُسقط الإجماع المتواتر في خلود العذاب على الكفار، ويبقى قول الشيخ ابن عربي سالمًا من خرق الإجماع.
وقبل أن أسوق كلامه لا بد من التنبيه إلى أنّ الإجماع حجة قطعية، لا سيما في مسألة مستندها قطعي كهذه المسألة، وأنّ الإجماع حجة في جميع الأحكام العملية والاعتقادية التي لا تتوقف عليها حجّيته، فلا تختص حجّية الإجماع بالأحكام العملية، إذ يصح الاحتجاج بالإجماع على هذه المسألة اتفاقًا، وأنّ إجماع كل عصر حجة، وحجية الإجماع ليست مقصورة على الصدر الأول، وأن الإجماع على خلود الكافرين في العذاب لم يزل منقولًا خلفًا عن سلف، حتى قال الباقلاني أنّ نفوذ الوعيد في الكفار واستغراقه لجميعهم معلوم من الدين بالضرورة، منقول بالتواتر، وأصبحت هذه العقيدة جزءًا من المنظومات الاعتقادية عند المسلمين ينشدها الصغار والكبار، قال في جوهرة التوحيد:
«والنار حقّ أوجدت كالجنة * فلا تمل لجاحد ذي جنة
دارا خلود للسّعيد والشّقي * معذّب منعّم مهما بقي». اهـ
لكنّ المؤلف شكّك في المسائل السابقة المتعلقة بالإجماع، فقال:
«فإن قيل: الإجماع منعقد على أن عذاب الكفار أبدي.
قلنا: إن أردتم إجماع عوام الأمة فذلك ليس بدليل».اهـ
أقول: إن الذين قالوا بانعقاد الإجماع هم أئمة أهل السنة على مر القرون، من عهد الإمام الأشعري، ومرورًا بالباقلاني والعضد والدردير، وقرونًا بين ذلك كثيرًا، ولم يحتجّ أحدٌ بإجماع عوام الأمة في مثل هذه المسائل، فلا معنى لذكر هذه المعارضة سوى مجرد التشكيك.
ثم قال:
«أو إجماع أهل الحل والعقد من مجتهدي الأمة؟ فهو حجة، لكن عنه الجواب بوجهين:
أحدهما: أنه كما قال الإمام الرازي وغيره: الدليل على حجية الإجماع سمعي، والأدلة السمعية لا تفيد إلا الظن، وإذا كان أصل الإجماع ظنيًا فلا يفيد إلا الظن، والأمور الظنية لا تكون حجة في الاعتقاديات.
والوجه الثاني: سلمنا أن الإجماع مفيد لليقين، لكن وقوعه غير ممكن؛ لأن الإجماع الممكن الوقوع الذي يكون خرقه كفرًا إنما هو إجماع الصدر الأول من الصحابة؛ لأنهم كانوا محصورين معدودين معروفين، وكان محلهم مكة والمدينة والشام، وأما غير الصدر الأول من الصحابة والتابعين فلم يكونوا كذلك، بل كانوا متفرقين في أقطار الأرض، فيتعذر وقوع إجماعهم.
وأيضًا، فإجماع الصحابة لا بد أن يكون معناه متواترًا حتى يكون خرقه موجبًا للكفر، بخلاف ما إذا لم يتواتر لفظه أو تواتر لفظه دون معناه، فلا يكون خرقه كفرًا، ولم يقع في تسرمد العذاب إجماع متواتر المعنى.
نعم، عند عوام الأمة تسرمد العذاب متفق عليه، وهذا ليس بدليل، والمراد بعوام الأمة غير المجتهدين من العلماء دون السوقة والدهاقين وأرباب الحرف والأجناد، فإنهم في مثل هذه المعاقد والمقاعد خارجون من دائرة النفي والإثبات». اهـ

قلتُ: فها هو يحاول جاهدًا التشكيك في الإجماع على تسرمد العذاب على أهل النار، لكنّ تشكيكاته ليست معتبرة عند أهل السنة كما سبق، وقد استخدم ابن تيمية هذه التشكيكات قبله، فلعله تلقفها منه، وردّ الإمام السبكي على تشكيكات ابن تيمية بإيجاز فقال:
«قلت: الإجماع لا يعترض عليه بأنه غير معلوم، بل يعترض بنقل خلاف صريح ولم ينقله، وإنما هو من تصرفه وفهمه.
وقوله: إن هذه المسائل لا يقطع فيها بإجماع، دعوى مجردة».اهـ
على أنّا لو سلمنا جدلًا ظنيّة الإجماع في هذه المسألة، لم يكن ذلك مسوغًا لمخالفته، لأن الإجماع وإن كان ظنيًا فمخالفته غير مشروعة.

[ (8)- اللجوء إلى شذوذ ابن تيمية لإبطال دعوى الإجماع! ]

من العجائب أو الطرائف -سمّها ما شئت- أن يجيب المؤلف عن مخالفة الشيخ ابن عربي للإجماع، بما شذ به ابن تيمية من القول بفناء النار، وكأنّ ابن تيمية سابق على ابن عربي حتى يكون قوله ناقضًا لذلك الإجماع!.
لكن المؤلف بعد أنْ شكّك في الإجماع على طريقة ابن تيمية، وعجز عن ذكر خلاف صريح أو صحيح في المسألة قَبْل الشيخ ابن عربي، استنجد بشذوذ ابن تيمية في هذه المسألة، بل صرّح باعتماده على ابن تيمية في تشكيكه في الإجماع، فقال:
«والدليل على عدم وقوع الإجماع على تسرمد العذاب أن شيخ الإسلام ابن تيمية الحنبلي من كبار حفاظ الحديث وأئمة الفقه ومن أهل السنة قد ذهب إلى أن الكفار بعد الأحقاب والقرون العديدة يخرجون من جهنم […] وبالغ ابن تيمية في ذلك مبالغة كلية، وأورد أحاديث غير هذين، ومنع إجماع الأمة على ذلك، بل رواه عن جمع من فقهاء الصحابة، وعلى هذا منعنا تواتر الإجماع بل وقوعه على خلود العذاب… إلخ». اهـ

أقول: سبق أن نقلتُ تصريح الإمام السبكي بمخالفة ابن تيمية لصريح الكتاب والسنة، وما علم من الدين بالضرورة، وأجمع عليه أهل الإسلام قاطبة، فليس في مخالفته نقضٌ للإجماع الثابت قبله بقرون.

[ (9)- انتصار الشيخ البرزنجي لقول ابن تيمية في فناء النار]

قال الشيخ البرزنجي:
«ولا بأس بنقل مذهب ابن تيمية هنا، وذكر أدلته إتمامًا للفائدة، فأما كلامه هو فلم أقف عليه، ولكن نقل عنه تلميذه الحافظ الجليل ابن القيم ذلك في كتابه شفاء العليل على سبيل الاختصار، وأطال في الاستدلال له في كتابه حادي الأرواح إلى دار الفلاح». اهـ
ثم ساق كلامًا طويلًا لابن القيم، ثم قال:
«قد تبين لك أنه لا إجماع أصلًا لا من الصحابة ولا ممن بعدهم، إذ كل من قال بفناء النار والجنة معًا فقد قال بفناء النار وحدها، وكل من قال بفنائها فقد قال بانقطاع العذاب، وكذلك من قال بموت أهل الدارين، أو بموت أهل النار وحدها، فقد قال بانقطاع العذاب، فالشيخ -قدس سره- لم يخرق إجماعًا، ولم يأت ابتداعًا، بل قوله أقرب إلى موافقة الجمهور من هؤلاء، فلا تشنيع يتوجه إليه، فضلًا عن التبديع، فضلًا عن التكفير، وبالله التوفيق الكبير». اهـ

أقول: استراح الشيخ البرزنجي لاستدلالات ابن القيم واعتمد عليها، مع أنّ العلماء لم يزالوا يردّون عليها ويشنّعون على قائلها، ويقررون مخالفتها لصريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة، مما دفعه إلى إنكار حصول الإجماع في أي عصر من العصور!
وأنّى له أن ينكرالإجماع الثابت قبل ابن عربي بكلام ابن تيمية المتأخر عنه؟!
ثم صرّح البرزنجي بأنّ قول ابن تيمية وتلميذه نهاية في التحقيق، فقال:
«إنَّ ما مشى عليه هذان الحافظان الجليلان: ابن القيم وشيخه ابن تيمية، نهايةٌ في التحقيق، عند مَن صادفته العناية وساعده التوفيق».اهـ
أقول: فهذه هي الأقوال التي ينسبها صاحب «الجاذب الغيبي» إلى الكتاب والسنة، ومذهب أهل السنة والجماعة، ويزعم أنها نهاية في التحقيق، انتصارًا للشيخ ابن عربي.

ونلاحظ أنّ الشيخ البرزنجي استعار جملة من أدلة ابن القيم في فناء النار ليثبت انقطاع العذاب، مع أنّ هذه الأدلة مبنية على أصول تخالف وتعارض أصول أهل السنة والجماعة.

ويظهر أنّ الشيخ البرزنجي حذف كلام ابن القيم في التعقيب على ابن عربي، دون أن يشير إلى ذلك، فإنّ ابن القيم قال عن كلام ابن عربي في انقلاب العذاب وكلام المعتزلة في تخليد أهل الكبائر: «والفريقان مخالفان لما علم بالاضطرار أن الرسول جاء به، وأخبر به عن الله عز وجل». اهـ

[ (10)- مخالفة إجماع أهل السنة في امتناع خلف الوعيد للكفار]

أجمع المسلمون على أنّ الوعيد في حق الكفار لا يجوز أن يخلف، قال الإمام أبو الحسن الأشعري: «وأجمع المسلمون أنه لا يغفر وهو الشرك والكفر». اهـ
وقال السنوسي: «فمذهب جميع أهل الحق وأهل السنة أن الناس على قسمين: مؤمن وكافر، فالكافر مخلد في النار بإجماع» اهـ
كما انعقد الإجماع على نفوذ الوعيد في طائفة من العصاة، قال الأبي: «..الإجماع انعقد على أنه لا بد من نفوذ الوعيد في طائفة من العصاة». اهـ
وقال المناوي: «والإجماع منعقد على أنه لا بد إنفاذ الوعيد في طائفة من العصاة». اهـ
واختلف أهل السنة في جواز خلف الوعيد فيما هو دون الكفر، فقال السادة الماتريدية بامتناع تخلف الوعيد كما يمتنع تخلف الوعد، وجعلوا نصوص العفو مخصوصة بالمؤمن المغفور له، وأجاز السادة الأشاعرة الخلف في الوعيد في حق ذلك المؤمن، مع قولهم بنفوذ الوعيد في بعض العصاة غير المغفور لهم.

لكنّ الشيخ البرزنجي لم يأبه بإجماع أهل السنة، حتى استنصر بابن القيم ليثبت جواز خلف الوعيد في حق الكفار، فقال:
«وما نقله ابن القيم عن الشيخ -قدس سره- في الفصوص، وذَكرهُ في مواضع من الفتوحات وغيره، من جواز خلف الوعيد، فقد ورد في الأحاديث ما يدل له، فقد روى أبو يعلى في مسنده: حَدَّثَنَا هُدْبَةُ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ وَعَدَهُ اللَّهُ عَلَى عَمَلٍ ثَوَابًا فَهُوَ مُنْجِزُهُ لَهُ، وَمَنْ وَعَدَهُ عَلَى عَمَلٍ عِقَابًا فَهُوَ فِيهِ بِالْخِيَارِ».اهـ
وقال أيضًا عند الجواب عن الاستدلال بقوله تعالى: (وفي العذاب هم خالدون):
«وحينئذ فالجواب من وجهين […] الثاني: أن غاية هذا أنه وعيد، وقد مر جواز إخلاف الوعيد، بل وجوبه عليه تعالى، وقد دلت الظواهر المتقدمة والكشف الصحيح على أن هذا الوعيد وأمثاله في حق أهل النار مخلف». اهـ

أقول: ما استدل به ابن القيم وابن عربي ومَن تبعهم في جواز خلف الوعيد في حق الكفار، مخالف لمذهب أهل السنة كما سبق، والآياتُ والأحاديث الواردة في جواز المغفرة والعفو محمولة على غير الشرك؛ لأن النصوص المحكمة من الكتاب والسنة دالّة على عدم غفران الكفر والشرك، كما في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)، وقوله تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).
كما دلّت النصوص على أن الكفار محجوبون عن رحمة الله تعالى، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، وأن الرحمة مختصة بالمؤمنين، قال تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ).
قال الواحدي في الوسيط: «{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] قال الحسن وقتادة: إن رحمته وسعت في الدنيا البر والفاجر، وهو يوم القامة للمتقين خاصة».
وقال في الوجيز: «والأحسن في تفسير هذه الآية ما ذهب إليه الحسن وقتادة..»، وذكر كلامهما السابق.
كما دلّت الآيات على خلودهم في العذاب، وعدم خروجهم منه، وأن عذابهم دائم لا ينقطع ولا يخفف، وأنه في ازدياد.. إلخ النصوص الصريحة القطعية في عدم خلف الوعيد في حقهم.
ثم استشهد الشيخ البرزنجي بكلام الإمام الواحدي في تفسيره الوسيط بجواز خلف الوعيد، فقال:
«وقال الواحدي في الوسيط في قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا): الأصل في هذا أن الله يجوز أن يخلف الوعيد، وإن كان لا يجوز أن يخلف الوعد […] والوعيد حقه تعالى على العباد أن قال: لا تفعلوا كذا فإني أعذبكم ففعلوا، فإن شاء عفا وإن شاء أخذ؛ لأنه حقه، وأولاهما العفو والكرم؛ لأنه غفور رحيم، انتهى كلام الواحدي». اهـ

أقول: إن الشيخ البرزنجي لا يألو جهدًا في التشبث بأي قول ما دام يخدم معتقده، دون البحث في صحة القول أو التقصي عن مراد صاحبه، على طريقة: «الغريق يتعلق بقشة»، حتى نقل كلام الإمام الواحدي متوهمًا تجويزه خلف الوعيد في حق الكافر، مع أنّ نصوص الواحدي مستفيضة في امتناع خلف الوعيد في حق الكافر، في هذا التفسير وفي غيره، كما سبق نقله، ولو رجعنا إلى نص الإمام الواحدي كاملًا لظهر مقصوده، وأنّه يعني بالقاتل هنا المؤمن الذي يمكن أن تقبل توبته، فقد قال قبل هذا النص بقليل:
«ومذهب أهل السنة: أن قاتل المؤمن عمدًا له توبة؛ أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، أخبرنا أبو عمرو بن نجيد، أخبرنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا هشام بن حسان، قال: كنا عند محمد بن سيرين، فقال له رجل من القوم: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} [النساء: 93] حتى ختم الآية، فقال محمد: أين أنت من هذه الآية: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 116]». اهـ
وهذا صريح في أن المقصود بالقاتل الذي يجوز في حقه خلف الوعيد هو المؤمن لا الكافر.
ولعل البرزنجي اغتر بنقد الإمام الرازي للواحدي في هذا الموضع، حيث قال الرازي ردًا على الواحدي:
«فَإذا جَوَّزَ -يعني الواحدي- عَلى اللَّهِ الخُلْفَ فِيهِ فَقَدْ جَوَّزَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وهَذا خَطَأٌ عَظِيمٌ، بَلْ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ كُفْرًا، فَإنَّ العُقَلاءَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الكَذِبِ، ولِأنَّهُ إذا جَوَّزَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ في الوَعِيدِ لِأجْلِ ما قالَ: إنَّ الخُلْفَ في الوَعِيدِ كَرَمٌ، فَلِمَ لا يَجُوزُ الخُلْفُ في القَصَصِ والأخْبارِ لِغَرَضِ المَصْلَحَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ فَتْحَ هَذا البابِ يُفْضِي إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ وكُلِّ الشَّرِيعَةِ». اهـ
أقول: ولو رجع الشيخ البرزنجي إلى كلام الواحدي كاملًا لعَلِم أنه لم يرد خلف الوعيد في حق الكفار، لكنه يلجأ إلى هذه المنهجية إذا أعوزته الحجة!

[ (11) – مخالفة البرزنجي أهل السنة بقوله بـ«وجوب» خلف الوعيد]

حاول الشيخ البرزنجي أن يثبت التلازم بين قاعدة العفو وبين جواز خلف الوعيد بطريقة عجيبة، فقال:
«لا يتم مذهب أهل السنة في جواز العفو عن الذنب ولو لم يتب إلا بالقول بجواز خلف الوعيد، ولا يغني في ذلك ما قالوا: من أنه لا بد من نفوذ الوعيد في طائفة من كل صنف من العصاة ولو واحد»اهـ.
أقول: شبهته هنا قريبة من شبهة المعتزلة المشهورة في إلزام أهل السنة بخلف الوعيد في حق الكفار، فكأن الشيخ البرزنجي استعار هذه الشبهة من كلام المعتزلة، مع أنّ الرد عليها مشهور جدًا في الكتب الكلامية الأساسية لأهل السنة.
وقد مرّ سابقًا اختلاف أهل السنة في جواز خلف الوعيد، وأن الماتريدية يمنعونه، مع قولهم بجواز العفو عن الذنب، فلا تلازم بينهما كما ادّعى البرزنجي، وكأن أهل السنة جميعهم غاب عنهم التلازم بين جواز العفو وجواز خلف الوعيد، حتى جاء الشيخ البرزنجي ليكشفه لهم ويلزمهم به!
ثم إن جواز الخلف لا يعني وجوب وقوعه، وجوازه في حق المؤمن لا يستلزم جوازه في حق الكافر حتى يستدل بذلك على انقطاع عذابه.
وبدأ الشيخ البرزنجي بالاستدلال على التلازم بين جواز العفو وجواز خلف الوعيد، فقال:
«أما الأول: فلأنه تعالى قد وعد العفو والغفران المطلق فقال: {ويعفو عن السيئات}، وقال: {إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم}، وأمثالهما، ويدخل في ذلك جميع آيات قيد الغفران بالمشيئة؛ لأن الخصم يمنع الجواز مطلقًا، فإذا جاز مع المشيئة فقد بطل قوله.
وأيضًا، فإنه تعالى لا يغفر إلا بالمشيئة، كما أنه لا يفعل شيئًا إلا بالمشيئة، فالتقييد بالمشيئة قيد لازم، وكلما غفر فقد أخلف الوعيد، بل نقول يجب خلف الوعيد وإلا لزم خلف الوعد، وهو نقص لا يجوز على الله، بخلاف خلف الوعيد فإنه كمال وكرم وفضل، فوجب أن يخلف الوعيد؛ لئلا يلزم خلف الوعد الذي وعده في الآيات المتقدمة» اهـ.
أقول: إن قوله تعالى: {وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} [الشورى: 25]. وقوله تعالى: {وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ} [الفاتحة: 34]. وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53]. وقوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} [الرعد: 6] وغيرها من نصوص العفو والمغفرة، لو سلمنا أنّها من باب الوعد وليست من باب الوصف، لم يلزم منها خلف الوعيد؛ لأنها تدل على جواز العفو فيما هو محل للعفو والغفران، وقد اتفق المسلمون على أنّ الكافر ليس محلًا للمغفرة، فلا تدل هذه الآيات على خلف الوعيد، فضلًا عن وجوب وقوعه كما قال البرزنجي.
وقوله: «كلما غفر فقد أخلف الوعيد، بل نقول يجب خلف الوعيد وإلا لزم خلف الوعد» غير لازم؛ لأنّا لو سلمنا دلالة نصوص الوعيد على أن كل عاص يعاقب، دون دلالتها على أن العاصي يعاقب في الجملة، فنقول: إن هذا الوعيد قد خرج منه نحو التائب الذي استوفى شروط التوبة، وخرج منه مَن تعلّقت مشيئة الله تعالى بعدم نفوذ الوعيد فيه، فتكون نصوص الوعيد مخصصة بإخراج أمثالهم، فلا يتناولهم الوعيد أصلًا، أي أنّ هذه النصوص من العام الذي خص منه البعض، فلا يلزم خلف الوعيد ولا وجوبه، ويظهر أن لا تلازم بين عدم خلف الوعيد وخلف الوعد.
ويمكن أن يقال أيضًا: لا يلزم من عدم نفوذ الوعيد الخلف بوعد العفو؛ لأن العفو كما يصدق بعدم التعذيب ابتداء، يصدق أيضًا بما بعد العذاب ونفوذ الوعيد.

وبعد أن حاول الشيخ البرزنجي أن يعلّق العفو عن الذنب بخلف الوعيد، أراد أن يبيّن أنّ إجماع أهل السنة على لزوم نفوذ الوعيد في طائفة، لا يغني في ذلك، فقال:
«وأما الثاني : فإنه أوعد كل العصاة؛ لأن قوله: {ومن يقتل مؤمنًا}، {ومن يفعل ذلك يلق أثامًا} وأمثالها من صيغ العموم، فعمّ الوعيدُ كل فاعل لذلك الذنب، فإذا عفا عن بعضهم، ولو أنفذ الوعيد في طائفة منهم، فقد لزم خلف الوعيد المتعلق بالكل». اهـ
أقول: لا يلزم من عفوه عن بعضهم لزوم خلف الوعيد لجميعهم؛ لأنّ نصوص الوعيد مخصصة بمن لم يتعلق به العفو، فهي من العام الذي خص منه البعض كما سبق.
ثم إن القول بوجوب خلف الوعيد للكل مخالف لأحاديث الشفاعة المتواترة، الدالة على نفوذ الوعيد في طائفة من العصاة، والعفو عن بعضهم إما بشفاعة الشافعين أو برحمة الله تعالى.
والقول بوجوب خلف الوعيد ليس مذهبًا لأحد من أهل السنة، بل هو منقول عن المرجئة، لكن المرجئة خصّوه بالمسلمين، وقالوا بوجوب نفوذ الوعيد في الكافرين، أما الشيخ البرزنجي فعمم خلف الوعيد ليشمل الكفار، وانتصر لعقيدة فناء النار، وهذا مخالف لما اتفق عليه أهل الإسلام قاطبة.

[ (12)- التوفيق العجيب بين كلام ابن عربي وابن تيمية!]

إن القول بكون النار دار عذاب مهين وأليم، وخلود أهلها فيها هو الخزي العظيم والخسران المبين، والخلود فيها جاء على سبيل التهديد والوعيد، ومع ذلك فأهلها فرحون فيها، مستعذبون لعذابها، وأمزجتهم موافقة لها، بحيث لو عرضت عليهم الجنة لتأذّوا منها، إن هذا القول أقرب إلى السفسطة منه إلى التحقيق، فإما أن يقال ببقاء النار وخلودها عليهم بما فيها من عذاب وإهانة وخزي، وإما أن يقال بفنائها وانقطاعها.
وكأنّ صاحب الجاذب الغيبي لمّا لم يقتنع بما تقدّم من كلام الشيخ ابن عربي، مع موافقته له ولابن تيمية في قولهما بخلف الوعيد وسبق الرحمة ونحو ذلك، أراد أن يؤوّل كلام ابن عربي ليتوافق مع كلام ابن تيمية، فقال:
«قد علمتَ أن ما ذهب إليه الحافظان ابن تيمية وابن القيم لا يَرِد عليه شيء من تلك الإيرادات؛ لأنهما لا يقولان بالخروج من النار، ولا بعدم الخلود فيها ما دامت موجودة، ولا بتخفيف العذاب وتفتيره، ولم يرد نص بخلود النار أصلًا، إنما ورد النصوص بالخلود في النار ما دامت موجودة، وأما بخلود النار نفسها فلا، بل وردت الأحاديث بانطفائها كما مرت مفصلة، وهذا المذهب حقيق بالاعتماد، ويمكن رد قول الشيخ إليه بضرب من التأويل، يهتدى إليه من متفرقات كلامه وإشارات إعلامه». اهـ

أقول: فنحن إذن أمام تأويل لكلام الشيخ ابن عربي، وتوفيق بينه وبين كلام الشيخ ابن تيمية، فكيف سيكون مآل هذا التوفيق؟
بعد أن ساق بعض نصوص ابن عربي التي تستلزم -عنده- فناء النار، قال:
«فإذا نظرت في هذه المقدمات أنتجت انتفاء النار، فإن النار لما كانت صورة الغضب، والغضب ينتهي، حيث لم يكن له اسم إلهي يستند إليه، فإذا انتهى حقيقة الغضب لزم أن تنعدم صورته، ويبدل العذاب بالنعيم وهم في مكانهم، وهو من جهنم، لما علمت أن جهنم اسم لما بين مقعر فلك الثوابت إلى أسفل سافلين، فصدق أنهم خالدون في جهنم، وصدق أن النار منطفئة، وصدق أنهم منعمون في دارهم، وصدق أنهم لم يخرجوا من النار، بل النار فنيت، غايته أنهم في جهنم باعتبار المكان لا باعتبار العذاب، وإذا لم يعذبوا فيها، بل نعموا وأبدل ما فيها من النار بالريح، فصفق أبوابها، ونبت فيها الجرجير، فصار مكان الزقوم والحميم خضرة، ومتعوا بالنظر إلى وجه الله، وكسيت وجوههم نضرة، لم يضرهم كونهم في جهنم باعتبار الاسم، فإن جهنم حينئذ بمنزلة الجنة لهم، بل هي حينئذ طبقة منها، وحيث إن مآل الكل إلى الرحمة والنعيم، والروح والراحة، بفضل الله العميم، استوى في المعنى سكنى الجنان والجحيم». اهـ

أقول: فها نحن نرى هذه العقيدة الهجينة، التي تجمع بين قول الشيخ ابن عربي بانقلاب العذاب عذوبة، مع بقاء أهل النار خالدين في النار، وبين قول ابن تيمية بفناء النار! فيكون أهل جهنم خالدين فيها باعتبار المكان لا باعتبار العذاب، فتنطفئ النار ويبقى النعيم، وتحل الخضرة محل الزقوم والحميم.
ثم قال:
«وقد أشار قدس سره إلى هذا إشارة قريبة من التصريح في جواب السؤال الخمسين ومائة في بركة أهل البيت […]
وهو كالصريح فيما ذكرت لك، وقد مرّ أنه قال إن بعض أهل الكشف قال إن النار تنطفئ، وإنه تنبت فيها الجرجير، ولم يردّ عليه، بل أقره، فإن كان هذا البعض هو نفسه، فهذا الذي فهمنا، وإن كان غيره فقد ارتضاه، فتمسك بهذا، فإنه من سوانح الغيب وجواذبه، وبالله التوفيق.
فالقولان متقاربان، بل هما واحد في المعنى، فلله الحمد بجميع أسمائه الحسنى. والله أعلم».اهـ
أقول: لله در صاحب هذا التلفيق والتوفيق، كم حاول أن يلوي أعناق النصوص، ويتلاعب بالإجماع، ويستنبط اللوازم الفاسدة في مسألة خلف الوعيد، لينتصر لابن عربي، حتى خرج بهذه العقيدة الفريدة والخريدة العجيبة، لم يجُد الدهر بمثلها، وإنا لله وإنا إليه راجعون!
وما رآه من استلزام قول ابن عربي لانطفاء النار وبقاء أهلها فيها من حيث المكان، مخالف لصريح كلام ابن عربي ونصوصه المحكمة المستفيضة، في أنّ النار تبقى وأن أسباب العذاب من الضرب واللدغ تبقى، مع انقطاع الألم الحاصل بهذا العذاب، فكيف يُلجأ إلى الأخذ باللازم مع وجود النصوص الصريحة المحكمة؟!
وأيضًا، فإنّ صريح كلام ابن تيمية وابن القيم دالّ على فناء النار التي هي الدار، بما فيها من العذاب، ولم يقولا بانطفاء النار وبقاء الدار، وهذا يعني أنّ البرزنجي خرج بقول ثالث في المسألة، مخالف لصريح كلام ابن عربي، كما هو مخالف لصريح نصوص ابن تيمية وتلميذه!
ما أشد ظلم هؤلاء المدافعين عن ابن عربي له، فتجد أحدهم يتهمه بالتناقض، وتجد الآخر يؤول بعض كلامه مخالفًا نصوصه المحكمة، وتجد ثالثًا يلوي أعناق الآيات ليثبت صحة قوله..إلخ، ولعل الشيخ ابن عربي لو رآهم لزجرهم وقال لهم: بئس الصنيع صنيعكم، فقد كررتُ وقررتُ مذهبي في هذه المسألة في أكثر من سبعين موضعًا، فما لكم كيف تحكمون؟!

[ (13)- تطويعه نصوص ابن عربي لتوافق مراده]

بينتُ فيما مضى طريقة التعسف التي سلكها صاحب «الجاذب الغيبي» انتصارًا لعقيدة انقلاب العذاب عذوبة، من ليّ أعناق النصوص، والتشكيك في الإجماع، والانتصار بالأقوال الشاذة، ومخالفة إجماع أهل السنة، والاستنصار بشبهات ابن القيم والمعتزلة، لكنني لم أتوقع أن يتعسف في تحميل كلام الشيخ ابن عربي ما لا يحتمل، في سبيل التوفيق بين كلامه وكلام ابن تيمية! وإليك بيان ذلك:
لمّا قابلتُ نصوص الكتاب ببعض النسخ المطبوعة من الفتوحات، وجدتُ بعضها مطابقًا لما في النسخ المطبوعة بالحرف، ووجدتُ بعضها اختصارًا لما في الفتوحات، وقد نبّه المؤلف أحيانًا على الاختصار، ولم ينبّه أحيانًا أخرى، وما أغفل الكازروني التنبيه على اختصاره، قام المترجم بالتنبيه على بعضه، إلا أنه أغفل التنبيه على بعض النصوص أيضًا.
ومن النصوص المهمة التي لم ينبّه المؤلف ولا المترجم على اختصارها، وأدى اختصاره إلى الإخلال بمعناه، قول ابن عربي الآتي:
قال في الفتوحات (2/648): «وفي هذا خلاف بين أهل الكشف، وهي مسألة عظيمة بين علماء الرسوم من المؤمنين وبين أهل الكشف، وكذلك أيضًا بين أهل الكشف فيها الخلاف، [وهو أنه]* هل يتسرمد العذاب عليهم إلى ما لا نهاية له، أو يكون لهم نعيم بدار الشقاء، فينتهي العذاب فيهم إلى أجل مسمى؟
واتفقوا في عدم الخروج منها، وأنهم بها ماكثون إلى ما لا نهاية له، فإن لكل واحدة من الدارين ملؤها، وتتنوع عليهم أسباب الآلام ظاهرًا، لا بد من ذلك، وهم يجدون في ذلك لذة في أنفسهم بالخلاف المتقدم باطنًا بعد ما يأخذ الألم منهم جزاء العقوبة […]
فإذا فرغ الأمد جعل لهم نعيم في النار [والسلاسل]*، بحيث إنهم لو دخلوا الجنة تألّموا لعدم موافقة المزاج الذي ركبهم الله فيه، فهم يتلذذون بما هم فيه من نار وزمهرير، وما فيها من لدغ الحيات والعقارب، كما يلتذ*** أهل الجنة بالظلال والنور، ولثم الحور الحسان، لأن مزاجهم يقضي بذلك، ألا ترى الجُعل في الدنيا هو على مزاج يتضرر بريح الورد، ويلتذ*** بالنتن، كذلك من خلق على مزاجه، وقد وقع في الدنيا أمزجة على هذا شاهدناها، فما ثم مزاج في العالم إلا وله لذة بالمناسب وعدم لذة بالمنافر، ألا ترى المحرور يتألم بريح المسك، فاللذات تابعة للملائم، والآلام لعدم الملائم، [فكما أهل الجنة يتعذبون برؤية النار، فكذلك أهل النار الذين هم أهلها، يتألمون برؤية الجنة، فلو دخلوها هلكوا]، فهذا الأمر محقق في نفسه، لا ينكره عاقل.
وإنما الشأن: هل أهل النار على هذا المزاج بهذه المثابة بعد فراغ المدة (أم لا)**، أو هم على مزاج يقتضي لهم الإحساس بالآلام (للأشياء المؤلمة)** [والعذاب]*؟
والنقل الصحيح الصريح النص الذي لا إشكال فيه إذا وجد مفيدًا للعلم يحكم به بلا شك، فـ(الله عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ)، وإن كنت لا أجهل الأمر في ذلك، ولكن لا يلزم الإفصاح عنه، فإن الإفصاح عنه لا يرفع الخلاف من العالم.
وبعض أهل الكشف قال: إنهم يخرجون إلى الجنة حتى لا يبقى فيها أحد من الناس (ألبتة)**، وتبقي أبوابها تصفق، وينبت فيها الجرجير، ويخلق الله لها أهلًا يملؤها بهم من مزاجها، كما يخلق السمك في الماء..إلخ». اهـ
* زيادة من طبعة بولاق.
** زيادة في طبعة الأمير عبد القادر الجزائري، وطبعة عبد العزيز المنصوب.
*** في نسخة بولاق: «يتلذذ» .
أقول: مما يدل عليه هذا النص ما يلي:
أولًا: الخلاف قائم بين علماء الرسوم وبين أهل الكشف، وأيضًا الخلاف قائم بين أهل الكشف أنفسهم.
ثانيًا: قرّر اتفاق الجميع -علماء الرسوم وأهل الكشف جميعًا- على عدم خروج أهل النار من النار، فقال بعد أن نقل الخلاف السابق: «واتفقوا في عدم الخروج منها، وأنهم بها ماكثون إلى ما لا نهاية له».اهـ
ثالثًا: بعد أن قرّر الاتفاق السابق، نقل عن بعض أهل الكشف ما يخالف هذا الاتفاق، فقال:
«وبعض أهل الكشف قال: إنهم يخرجون إلى الجنة حتى لا يبقى فيها أحد من الناس ألبتة، وتبقي أبوابها تصفق..إلخ». اهـ
ونقله كلام هؤلاء المخالفين للاتفاق من أهل الكشف لا يعني إقراره لهم ورضاه بقولهم، بل لا يبعد أن يكون نقله بيانًا لمخالفتهم لما هو متفق عليه بين علماء الرسوم وأهل الكشف.
إلا أنّ مؤلف الكتاب لمّا اختصر النص السابق، جاء اختصاره مخلًا بالمعنى، فقال ناقلًا عن ابن عربي:
«وهي مسألة عظيمة فيها خلاف بين علماء الرسوم من المؤمنين وبين أهل الكشف، وهي: هل يسرمد العذاب على أهل النار إلى ما لا نهاية له؟
فإن لكل واحد من الدارين ملؤها، وتتنوع عليهم أسباب الآلام ظاهرًا، لا بد من ذلك، وهم يجدون في ذلك لذة في أنفسهم بالخلاف المتقدم باطنًا بعد ما يأخذ الألم منهم جزاء العقوبة، فيأخذ جزاء العقوبة الألم موازيًا لمدة المعمَّر في الشرك في الدنيا، فإذا فرغ الأمد جعل لهم نعيم في النار، بحيث إنهم لو دخلوا الجنة تألموا لعدم موافقة المزاج الذي ركبهم الله فيه، فهم يتلذذون بما هم فيه من نار وزمهرير، وما فيها من لدغ الحيات والعقارب، كما يلتذ أهل الجنة بالظلال والنور ولثم الحور الحسان […]
وبعض أهل الكشف قال: إنهم يخرجون إلى الجنة حتى لا يبقى فيها أحد من الناس ألبتة، وتبقي أبوابها تصفق، وينبت فيها الجرجير، ويخلق الله لها أهلًا يملؤها بهم من مزاجها، كما يخلق السمك في الماء..إلخ». اهـ
أقول: بعد مقارنة هذا المختصر بالنص الموجود في العديد من النسخ المطبوعة، لاحظتُ ما يلي:
أولًا: أن هذا الاختصار جعل الخلاف منحصرًا بين علماء الرسوم من جهة، وعلماء الكشف من جهة أخرى، وكأنّ علماء الكشف مجمعون على مخالفة علماء الرسوم في هذه المسألة، وليس هناك خلاف بين أهل الكشف أنفسهم، مع أنّ النص الأصلي صريح في الخلاف بين أهل الكشف أيضًا.
ولعل هذا ما دفع البرزنجي أن يقول:
«وقد مر قريبًا أن الشيخ -قدس سره- أثبت إمكان انقطاع العذاب عقلًا، وأثبت وقوعه نقلًا، وكل ما أمكن عقلًا وأخبر به الصادق وجب قبوله والإيمان به، ولا سيما وقد ادعى إجماع أهل الكشف عليه».اهـ
فقد فهم البرزنجي أن الشيخ ابن عربي ادّعى اتفاق أهل الكشف على انقطاع العذاب.
ثانيًا: نصَّ الشيخ ابن عربي على اتفاق الجميع -علماء الرسوم وأهل الكشف- على أنّ أهل النار لا يخرجون منها، وأنهم بها ماكثون إلى ما لا نهاية له، وهذا ما استفاضت نصوصه في الدلالة عليه.
لكنّ البرزنجي لمّا كان غرضه التلفيق بين مذهب ابن عربي ومذهب ابن تيمية، لم يبال بمخالفة عشرات النصوص لابن عربي، ولا مخالفة الاتفاق السابق الذي نقله ابن عربي، فتشبث بقول بعض أهل الكشف القائلين بخروج أهل النار إلى الجنة، واعتبر نقلَ ابن عربي لهذا القول إقرارًا له ورضى به! فقال:
«وقد مرّ أنه قال إن بعض أهل الكشف قال إن النار تنطفئ، وإنه تنبت فيها الجرجير ولم يردّ عليه، بل أقره، فإن كان هذا البعض هو نفسه، فهذا الذي فهمنا، وإن كان غيره فقد ارتضاه، فتمسك بهذا، فإنه من سوانح الغيب وجواذبه، وبالله التوفيق». اهـ
أقول: هكذا يتعسف الشيخ البرزنجي في فهم كلام ابن عربي، فيجعل نقلَ ابن عربي عن بعض أهل الكشف حاكمًا على عشرات النصوص المحكمة له في خلود أهل النار فيها، لكنّ المهم عنده التلفيق بين كلام الرجلين، بغض النظر عن سلامة طريقته في التلفيق، متجاهلًا ما نقله هو نفسه عن الشيخ ابن عربي، وضاربًا ببقية نصوص ابن عربي عرض الحائط!

وأختم هذا المقال بكلام للشيخ أحمد الغماري، يظهر فيه سلوكه مسلك صاحب «الجاذب الغيبي»، في تصحيح كلام ابن تيمية وابن عربي، لتعلم أثر السكوت عن هذه العقائد الفاسدة والآراء الكاسدة، حيث قال الغماري في «در الغمام الرقيق» ما نصه:
«فالأمر دائر بين انقلاب العذاب عذوبة وذهاب الألم به مع بقاء الصورة، تحقيقًا للوعيد، كما يقول الشيخ الأكبر، وبين ما يقوله غيره من الفناء، على أن هذا القول قد يرجع إلى قول الشيخ الأكبر بأن المراد بالفناء ذهاب الألم وانقطاع العذاب، لا صورته التي هي في الحقيقة عين النعيم، فالقولان عندي سواء في المعنى، وإلى ذلك نميل، وبه ندين الله تعالى». اهـ
فسبحان الله! كيف يكون الأمر دائرًا بين هذين القولين ولا يعتبر أي قول آخر! أين قول أهل السنة يا أهل السنّةَ!
ولعلّ الشيخ الغماري أخذ هذه الطريقة من البرزنجي، خصوصًا أنه صرّح باطلاعه على كتاب الجاذب الغيبي، ويظهر على صورة المخطوط المرفقة تملك الغماري لهذا الكتاب.
ولئن أوّل البرزنجي كلام ابن عربي ليتوافق مع قول ابن تيمية، مخالفًا نصوصهما الصريحة، فإنّ الغماري أوّل كلام ابن تيمية وتلميذه ليتوافق مع كلام ابن عربي، مخالفًا نصوصهما المحكمة بفناء النار، فقد سلك البرزنجي والغماري نفس المسلك في تطويع النصوص لما تهواه الأنفس، مع إهمال القواعد العلمية المعروفة في التأويل وفهم الكلام.

ولاحظ نسبة الغماري انقلاب العذاب عذوبة لابن عربي، فلم يقل بالدس، ولم يؤوّل كلامه، واعتقده على حقيقته، وهو من أشد الناس دفاعًا عن ابن عربي.
وقارن قوله: «فالقولان عندي سواء في المعنى، وإلى ذلك نميل»، بقول البرزنجي: «فالقولان متقاربان، بل هما واحد في المعنى».

وفي الكتاب أخطاء جسيمة، ومخالفات لأهل السنة عظيمة، خصصتُ لها بحثًا مفردًا، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، والله المستعان.