بقلم الشيخ جاد الله بسام
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، واتبع هداه، أما بعد:
قد ذكرت فيما كتبته سابقاً في «التعليقات الشهودية» على رسالة الإمام الدردير «مشكاة الأسرار»، أنّ القائلين بوحدة الوجود الباطلة قد تلتبس بألفاظهم بعضُ ألفاظ أهل السنة والجماعة، على وجه الاشتراك اللفظي فقط، مع غاية البعد بينهما في المعاني، فكان لا بدّ لأهل السنة والجماعة -علماءَ وطلبة علمٍ- من التمييز بين الألفاظ والمباني بتحقيق العقود والمعاني، وكان ذلك هو الحامل لي على وضع تلك «التعليقات»، مستنداً في ذلك إلى الطرائق الأصولية المعتبرة عند أهل العلم في تحليل الكلام ومعرفة معانيه، ومستنداً أيضاً إلى عقيدة الإمام الدردير التي أطبق عليها أهل السنة والجماعة بغير خلاف، وقد ألفيت رسالته رضي الله عنه «مشكاة الأسرار» على وفق المعتقد الحقّ الذي صرح به في كتبه، بل هي هو، وبيّنت كيفية الفهم الصحيح لتلك الألفاظ التي قد تشتبه لدى الأذهان الكليلة والأبصار العليلة.
فأنكر عليّ ذلك بعض القائلين بوحدة الوجود، من غير تحرير لمرادهم بهذه الوحدة تهرباً من الصراحة في هذه المسائل خوفاً أو جهلاً، وزادوا على عدولهم عن المسلك الأقوم تشنيعاً من غير تحقيق ولا بيان، بل استطالوا بالدعاوى والكلام الزائد والحشو الفارغ والخروج عما سيقت له «التعليقات» من تحرير ألفاظ القطب الدردير من جهة اعتقادية متعلقة بما نسبوه إليه من الاعتقاد بوحدة الوجود، فصاروا يدققون في اصطلاحات فنية لدى بعض المتصوفة من جهة، ويذكرون نقولات لا تتعلق بموضوع الكلام من جهة أخرى، مع أنهم صدّروا كلامهم بما يفيد أنهم يبحثون في “التعليقات” نفسها، وهذا الطريق منهم في التعامل مع بحث علميّ طريق غير علميّ ولا حميد، بل هو عدول عن المطلوب وهروب، وإنما المقصود به التشنيع على شخصي الضعيف، متوسّلين بذلك إلى تمكين عقيدة وحدة الوجود التي لم يبينوا للخلق معناها أصلاً، ولا يبعد أن تكون هي تلك الوحدة الباطلة، مريدين التمهيد لاعتقادها بين الناس بترويج ما يزعمونه من أنّ القطب الدردير وغيره قائلون بها، ولو كان ذلك بالكذب والخداع ولبس لباس أهل التصوف والنطق ببعض اصطلاحاتهم.
ونذكّر المتابعين بما اعترف به بعضهم من التدليس حين صرح بما وقع في بعض تعليقاته على رسائل الإمام الدردير، وننبه أيضاً إلى عدم تصدّيهم لتحرير المراد بوحدة الوجود عندهم، مع مطالبة الناس بذلك مراراً في محاورات وأسئلة وغير ذلك، ومنها ما كان معي شخصياً.
وأما الآن؛ فنحن لا يلزمنا الخوض في شيء مما ينقلونه ولا التصدي للتباحث معهم من أي جهة، خصوصاً بعد معرفتي بما كنت أجهله منهم من مستوى ضعيف، وإنما ننبه بهذا الكلام إلى عدم تأهلهم علمياً أو أخلاقياً للخوض في مثل هذه المباحث، وعدم نيتنا الانشغالَ معهم في ضياع وقت لا طائل من ورائه، لما نحن منشغلون به من المهمات التي من الحري أن تصرف فيها الأوقات.
وقد بلغني ما آسفني أنّ بعض الطلبة المساكين راج عليهم ذلك الخداع الذي قام به هؤلاء بعض رواج، وصار حشو كلامهم مقلقاً لهم كطنين ذباب، والأمر عندي في وضوحه أجلى من أن يزاد فيه على ما جاء في «التعليقات»، إذ إنّ عهد الله واعتقاد أهل السنة أعزّ عليّ من أن يُمارى فيه مراءً غير ذي بال، وإنّ دأب علمائنا بعد الإيضاح والبيان، أن يعرضوا عن اللّغو ويقولوا لأهله سلاماً، وأن لا يخوضوا فيه مع الخائضين، حتى لا ينتشر الكلام ويكثر القيل والقال من غير فائدة، وتنزل أوزان المسائل العظام ليتناولها السوقة والطغام، لكني آثرت أن أكتب هذه الكلمات معذرة لمن طلب مني أن أكتب وتوضيحاً لمن قد تاه في بيادي التشغيبات.
[الاشتراك اللفظي بين أهل السنة والقائلين بوحدة الوجود الباطلة]
لقد رأيت أن أذكر في كلماتي هذه أمراً مهماً بصورة أوضح وأجلى؛ لأدفع به كثيراً من التعلقات الباطلة بما يرد في كلام بعض أهل السنة والجماعة وبعض المتصوفة المنتسبين إلى مذهب أهل الحقّ، وهي قضية الاشتراك اللفظي الذي قد يقع بين أهل الحقّ وبين من تجاوز الحقّ وأوغل في الباطل، لأنّ هذا الاشتراك في الألفاظ صار معولاً عليه لدى بعض الناس بأن يزعموا أن ثمة “معارف وجودية” [نسبة إلى وحدة الوجود] مقبولة عند أهل السنة والجماعة أو بعضهم على الأقل، مع عدم توضيحهم لحقيقة تلك المعارف ومدى موافقتها للعقائد الصحيحة، وعدم تبرّيهم مما يخالف الشريعة بصورة واضحة، بل يقولون إن ثمة وراء العقل طوراً، وهي كلمة قد تفهم بصورة صحيحة وقد تفهم بصورة باطلة، وكل هذا التعبيرات التي يرتكبونها من غير إيضاح لها من حيث موافقتها للشريعة أو عدم موافقتها.
ولقد صار ديدن هؤلاء الناس أن يشيروا إلى انتشار هذه العقائد بمجرد الاعتماد على الاشتراك اللفظي المشار إليه، من غير تمييز لمعاني تلك الألفاظ، فكان تحليل ألفاظ الإمام الدردير بما ذكرته في التعليقات نوعاً من الإرشاد إلى كيفية التعامل مع هذه الألفاظ المشتركة، وتذكيراً لأهل التذكر أن الاشتراك اللفظي إجمال في الحقيقة لا يمكن فهمه ولا العمل به ولا التعويل عليه إلا بعد استحضار القرائن المناسبة لإيضاح المجمل وتبيين المراد منه، كما هو مقرر في علم أصول الفقه في أدنى كتبه التي صار هؤلاء المشاغبون يستهينون بها.
وإنني أورد ههنا عبارات لعالم كبير، وقطب آخر شهير، وجدتها ناصرة لمعتقد أهل الحقّ أولاً، ومبينة لقضية الاشتراك اللفظي وما يجب على قارئ تلك الألفاظ من البحث عن القرائن المميزة والمبينة لمجملات معانيها ثانياً، وموضحة أيضاً أتمّ إيضاح لما أردته في «التعليقات الشهودية» على «مشكاة الإمام الدردير»، الذي أسأل الله أن ينفعنا به وبعلومه، وأن يكتب لنا أجر ذبّنا عنه ذبابات اللّهو واللّغو ممن يتقنون ما لا نرتضيه من الأساليب المذمومة شرعاً وعرفاً.
وذلك الإمام هو السيد محمد البكريّ الصديقيّ الشافعيّ الأشعريّ (المتوفى 994ه)، وهو ابن تاج العارفين الشهير السيد أبو الحسن البكريّ الصديقيّ الشافعيّ الأشعريّ (المتوفى 952ه)، وهذه التواريخ مستفادة عموماً من المخطوطات وكتب التراجم مما يستحق مزيد بحث.
والسيد محمد البكري هو كما جاء في «الأعلام» (باختصار): محمد بن محمد أبي الحسن بن محمد بن عبد الرحمن البكري الصديقي، أبو المكارم شمس الدين: من علماء المتصوفين، له شعر جيد. مولده ووفاته بمصر. قال مترجموه: هو المنعوت بأبيض الوجه، وحيثما أطلق في كتب التواريخ أو المناقب أو الطبقات اسم القطب البكري أو البكري الكبير أو سيدي محمد البكري فهو المعنيّ. له كتب، منها: شرح مختصر أبي شجاع في فقه الشافعية، وترجمان الأسرار وديوان الأبرار، ومعاهد الجمع في مشاهد السمع، وهو صاحب الحزب المعروف بحزب البكري. انتهى من الأعلام للزركلي، والعهدة عليه، إلا أني توثقت بحسب بعض المخطوطات أن له ديوان الشعر المسمى بترجمان الأسرار، ومعاهد الجمع، وله أيضاً غير ما ذكر: تأبيد المنة بتأييد السنة.
[موقف السيد محمد البكري من وحدة الوجود والقائلين بها في ديوانه ترجمان الأسرار وتوضيحه لقضية الاشتراك اللفظي]
قال السيد محمد البكري الأشعري في مقدمة ديوانه «ترجمان الأسرار وديوان الأبرار»: “ثم إنّ ديواننا هذا فيه بعض قصائد ومقاطيع على أساليب القائلين بوحدة الوجود، ومعاذ الله أن يكون ذلك عقيدة لنا، بل عقيدتنا ما عليه أهل السنة والجماعة، لكن تلطُفُ الإشارات فتقصُرُ عنها العبارات، ويقوم سلطان الشهود للمعبود بمحق سواه من كل مشهود، فتجري هذه الألفاظ لدقّة المعنى الشهوديّ والسرّ الإلهيّ المتعالي عن التقيد بالفرق الوجوديّ، ومبنى ذلك الذوق والعرفان، والرجوع إلى “كان الله ولا شيء معه”، وهو الآن على ما عليه كان، والله ولي التعليم لمن أتاه بقلب سليم”.
وهذه قطعة من كلامه رضي الله عنه هي غاية في الصراحة كما يرى أهل الإنصاف، ويستفاد منها أمور كثيرة، أذكر منها ثلاثة للاختصار:
الأول: بيان وقوع “اشتراكٍ ما” في الألفاظ بين وحدة الشهود المقبولة ووحدة الوجود الفلسفية الباطلة، ومن حقّ الطالب لمعاني الألفاظ المشتركة أن يطلب القرائن المبينة، لأن الاشتراك اللفظي هو إجمال لا يمكن فهمه حال كونه مجملاً عارياً عن القرائن.
الثاني: سبب استعمال الألفاظ المشتركة في هذه المسائل، وهو جريانها عند مستعمليها مجرى التوسّع في العبارة لدقّة المعاني ولطفها، فمَنْ حَمَل هذه اللطائف على وحدة الوجود الفلسفية كان وهماً منه، ودليلاً على أنه لا فهم له في طريق القوم ولا عقل ولا قدم ولا ساق ولا شيء يذكر عند العقلاء، خلافاً لمن يروجون بضاعتهم بأنّ لهم معرفة بالاصطلاح، وما هم إلا نقلة ألفاظ يحملون معانيها على غير محاملها، بل لم تتصل معانيها بقلوب منهم أو عقول، فهل مَن يغيب عنه الفرق بين وحدة الوجود ووحدة الشهود أو لا يقدر على تحرير مراده يؤمن له جانب في العلم والضبط؟ وهل من يروج لوحدة الوجود تحت ألفاظ الشهود يؤمن له جانب في النقل والعدالة؟
الثالث: يستفاد ممّا ذكره السيّد محمد البكري أنّ العرفان والكشف والذوق ينبغي أن يكون مبنياً على عقائد أهل السنة والجماعة، وإلا لم يكن من العرفان والكشف والذوق في شيء، بل كان تلبيساً عاطلاً، وخيالاً باطلاً، ووهماً مردوداً على صاحبه.
[موقف الشيخ السيد محمد البكري من وحدة الوجود في رسالة تأبيد المنة بتأييد السنة]
هذه الرسالة معدودة عند أصحاب التراجم والمؤلفين في كتب السيد البكري الثابتة له، وقد بدأها بنقل بعض مسائل العقائد المتعلقة بالسلوك من كتاب الإمام القشيري “الرسالة”، ونصّ فيه على إثبات وجود العالم وجوداً حادثاً، وأنه نتيجة أفعال الله تعالى، وأثر من آثار قدرته، وهذا فيه مناقضة لمذهب وحدة الوجود الفلسفية، ونصّ فيه أيضاً على أن العلم العياني والذوقي تابع للعلم البرهانيّ متصل به، لا يخالفه، ولا يكون في طور آخر مناقضاً له. فليراجع.
ومما قاله الشيخ محمد البكري في رسالته هذه المسماة “تأبيد المنة في تأييد السنة” ناقلاً كلام السعد التفتازاني المشهور في ذكر مذهب وحدة الشهود الصحيح ووحدة الوجود الباطل القبيح ومعلقاً عليه:
“ما قال السعد التفتازاني في بعض كتبه، أنّ السالك إذا انتهى سلوكه إلى الله تعالى يستغرق في بحر التوحيد والعرفان، بحيث تضمحل ذاته في ذاته، وصفاته في صفاته، ويغيب عن كل ما سواه، ولا يرى في الوجود إلا الله تعالى. قال: وهذا الذي يسمونه الفناء في التوحيد، وإليه يشير الحديث الإلهي: إن العبد لا يزال يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به… الحديث، وحينئذ ربما تصدر عن الولي عبارات تشعر بالحلول والاتحاد لقصر العبارة عن بيان تلك الحال، وبُعْد الكشف عنها بالمثال. قال: ونحن على ساحل بحر التمني نغترف من بحر التوحيد بقدر الإمكان، ونعترف بأن طريق الفناء فيه العيان دون البرهان. المذهب الثاني: أن الواجب هو الوجود المطلق وهو واحد لا كثرة فيه أصلاً، وإنما الكثرة في الإضافات والتعينات التي هي بمنزلة الخيال والسراب، إذ الكل في الحقيقة واحد يتكرر على مظاهر لا بطريق المخالطة، ويتكثر في النواظر لا بطريق الانقسام”. قال الشيخ محمد البكري رحمه الله تعالى معلقاً على هذا: “وما أحسن الكلام في المذهب الأول، وأليقه بشؤون الشهود، وأنسبه بكشوفات أهل التوحيد الرّكع السجود وإن نسبت نسبة اعتبار الثاني كما هو واضح، وعلى الأول عندي المعوّل…”.
انتهى ما أريد نقله في هذا الموضع الذي نصّ فيه على أنّ المعول عليه هو المذهب الأول أي وحدة الشهود، وهذا النسخة التي بين يدي صعبت عليّ قراءة بعض مواضعها، فلعلّ الله يمنّ عليّ بنسخة أجود لنزداد تبيناً، مع أنّ هذا المعنى الذي نقلته عنه واضح في النسخة على كلّ حال.
وقال في موضع آخر من هذه الرسالة نفسها: “ومما يجمع في الوجوه، وينظم ما تبدّد وانتشر [لعلها: واستتر]، وطال وانتشر، قولنا: الوحدة شهودية لا وجودية”.
وقال في أواخر رسالته: “ولا يخرج لأهل الله تعالى مقال في مقام عن آداب الشرع، والسلام”.
وهذه نصوص واضحة في أن وحدة الوجود الفلسفية مقابلة لوحدة الشهود ومغايرة لها، وأن وحدة الوجود الفلسفية باطلة شرعاً وعقلاً، ومن زعم أن ثمة “وحدة وجود” ليست هي وحدة الوجود الفلسفية ولا وحدة الشهود السنية، فقد خالف الأصل والمشهور، وأفرغ اللفظ من معناه، ولا أقل من أن يكون عليه واجب البيان، إن استطاع، وعندئذ نحكم عليها بعد تصورها، ولا نتشاغل بأي شيء قبل ذلك، مع ما بيناه سابقاً من أن الكلام فيها من طرفنا ابتداء وانتهاء، ولا شأن لنا بمحاورة أحد حتى يثبت أنه متأهل بوجوه الاستحقاق والاستعداد.
[زيادة أخرى في موقف السيد مصطفى البكري من أي شيء يخالف الشريعة]
لقد تعجّب بعض الناس من قولي في آخر «التعليقات الشهودية» على «مشكاة الأسرار» للقطب الدردير: “ولو فرضنا أنه ثبت أنّ قائلاً منهم يقول بها، فهو ليس على نهج الجادة أياً كان”، وأنا في الحقيقة أتعجب منهم، بل لسان الشريعة ناطق بالتعجب منهم والإنكار عليهم، فإني لم أزد في كلماتي هذه على ما نتفق عليه جميعاً من أنه لا معصوم إلا النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنه لا عصمة لي إن أخطئت في البحث أو غاب عني شيء، ولا عصمة لأحد من الناس أن تضلّ بهم الأقدام، وإن رجع بعضهم أهل الحقّ عن مقتضى الحقّ فذلك ليس بلازم على أهل الحق، بل هم منه براء.
وموقفي هذا الذي يتعجبون منه هو عين موقف السيد مصطفى البكريّ أيضاً في هذه الرسالة: “ولسنا مأمورين باتباع زيد وعمرو، ولو أنهما من الأنجاب، وإنما أمرنا أن نتبع ما جاءنا به الرسول عن التواب، وإذا رأينا من خالف حكماً من الأحكام، نرده عليه ولا نرتاب، ولو أنه قطب إقليم أو غوث أحقاب، فإن الكتاب ناطق بالحق، مرشد صوب الصواب”.
فهذا نصّ منه على أنه لو قال قائل بقول مخالف للكتاب والسنة وللمعتمد عند أهل السنة والجماعة وما عليه إجماع من يعتدّ بإجماعهم؛ فإنّ قوله لا يلتفت إليه طرفة عين، ولا شكّ أن أكبر الشيوخ ليس مستثنى من هذا الحكم، وإلا لما كان لهذا الكلام فائدة في الواقع.
ثم إذا ورد شيء عن عالم من العلماء ففيه طرق للتعامل معه بحسب الشريعة، وقد وضح بعضها الشيخ البكري في هذه الرسالة، ونقل فيها نصوصاً كثيرة عن الشيخ ابن عربي تفيد وجوب رد الخطأ ولو كان منه هو. فلتراجع.
ولا يقولنّ قائل: إنّ الشيخ البكريّ معظم لابن عربي، فإننا نعلم ذلك تماماً، ونقول علاوة على ذلك: لسنا منتقصين من شأن أحد، بل إننا نقرّ الأمور على موازينها الحقة في نفس الأمر، فمن أوصله نظره وثبت في قناعته الشخصية أنّ المقولات المخالفة لأهل السنة مدسوسة على ابن عربي فله رأيه المحترم، ويكتفى منه بإبطال تلك الأقوال كما فعل الدردير، ومن أوصله نظره أن هذه الأشياء ثابتة لكنّ لها تأويلاً مقبولاً عنده بحسب القواعد المعتبرة فله أيضاً رأيه المحترم، ومن أوصله نظره إلى أن هذه الآراء فاسدة وأنها ليست بمدسوسة ولا تأويل لها فله رأيه المحترم أيضاً.
ومحلّ الاستشهاد بكلام السيد مصطفى البكري الذي ذكرناه هنا، هو أن الشرع حاكم لا محكوم عليه، وأنّ احترام الأشخاص فرع احترام الشريعة، كما أن وجود ذواتهم فرع لخلق الله إياهم، فقلب هذه المقامات في منتهى الخطورة والتلاعب بضروريات الدين.
ويا لعجب أهل الحقّ من أهل الباطل! هل نحتاج في تقرير هذه الأشياء الواضحة إلى الاستشهاد بكلام متكلمين أو فقهاء أو صوفية، أو ذكر كلام الدردير أو السادة البكرية، لكننا نستعين بذكر كلام هؤلاء الأكابر لدفع التعصبات عن أذهان الضعفاء. والله المستعان.
وبالجملة؛ فميزان الشرع تعاير به كل الأقوال، سواء كانت لفلان أو علان، فالشرع يوزن به ولا يوزن عليه، وهذا حاصل إجماعاً واتفاقاً، ولا يجرؤ أحد على التصريح بخلاف ذلك، وإن كان يمكن في الاحتمال أن يبطن بعض أهل الباطل خلافه، ولا أعين أحداً بكلامي هذا، لأن الأسرار عند الله الذي يبليها يوم تقوم القيامة، نسأل الله بياض الوجوه ونقاء القلوب.
وأما القول بانقلاب عذاب النار عذوبة، أو فناء النار، أو أن العباد منقادون لربهم انقياداً يفيدهم مهما اختلفت عباداتهم، أو أن إبليس وفرعون يتقلبان في الرضوان، أو أن أهل النار يتنعمون في النار وأن حالهم فيها كحال سيدنا إبراهيم عليه السلام، أو الإنكار على سيدنا هارون عليه السلام أنه أنكر على قومه، أو اتهام الملائكة بالاعتراض على ربهم، أو اتهام نوح عليه السلام بأنه قصر في الدعوة وأن الله عاقبه على أفعاله بولد كافر من صلبه… الخ هذه المفتريات التي ما أنزل الله بها من سلطان…
أقول: كل هذه الأقوال مخالفة للشريعة، فمهما قال بها قائل وجب تخطئته قطعاً واتفاقاً، وإن لم نجزم بكفره لما قد يكون من تراجعه عن ذلك، أو احتمال الدسّ عليه إن أمكن ذلك الاحتمال علمياً عند القائل به، أو إمكان تأويله بما يناسب الشرع من المعاني إن أمكن ذلك علمياً عند القائل به.
وفوق هذه الوجوه المانعة من التكفير، هناك وجه آخر فوقها؛ فإنه قد اتفق أهل السنة والجماعة أن التخطئة أعمّ مطلقاً من التكفير، بل قد يحكم عالم الاعتقاد مثلاً بخطأ فلان من الناس ولا يخطر بباله تكفيره، فهاتان مسألتان لا يجوز الخلط بينهما، بل لكل منهما قانونها الخاص بها، وعلمها الذي يبحث فيها.
ولنا في التفرقة بين تخطئة القول والحكم على القائل موقف الإمام الصوفي الشهير زروق المالكي الشاذلي رضي الله تعالى عنه، حيث ينصّ على إبطال أي قول باطل، مع عدم الخوض في الحكم على الأشخاص وتسليم حالهم إلى الله تعالى، والتمسك من وراء ذلك بمبادئ العقائد السنية المعلومة.
[خاتمة: وزن القائلين بوحدة الوجود الفلسفية عند السيد محمّد البكري]
ونزيد القراء شيئاً لطيفاً مما جاء في ديوان السيد محمد البكري الذي ذكرناه سابقاً المسمى بـ«ترجمان الأسرار وديوان الأبرار» ممّا له مناسبة مما نحن فيه مع بعض المغرضين الداعين إلى وحدة الوجود الفلسفية الباطلة، يقول رضي الله عنه:
أين أهل القلوب والأسرار أين أهل الإشراق والأنوار
أنت من ذا حتى دريت بقوم من سناهم تبلج الأقمار
هم شموس الهدى وأهل التجلي والتخلي عن ساير الآثار
كم أناس توغلوا في الدعاوي وزعموا أنهم من الأبرار
أطلقوا وحدة الوجود وقالوا كل شيء هو الإله الباري
يا لقومي أما لطه نصير خاب من لم يكن من الأنصار
أي شخص يقول آمنت بالله ويرضى مقالة الفجار
وتراهم تمشدقوا بالأكاذيب افتروها بالنظم والأشعار
اطرقوا الرأس حيلة لحطام أوسعوا فيه حيلة الأفكار
قائل منهم أنا الحق والـكل أنا وحدة بلا إنكار
وغدوا في أثواب زور ولبس وشنار وذلة وغوار
يجلبون الأنام منهم بلين في مقال وهم أسود ضوار
في تباع الأغراض والتيه والغي وإظهار ذلة وانكسار
وادعوا أنهم أذابوا هواهم وتفانوا عن ساير الأطوار
وغدوا في الأخلاق يكون روضا فتحت زهره يد الأمطار
وإذا واحد خالف شيئا من هواه يصير كالجبار
عالي الصوت صاخيا في عتو وصراخ وشدة في النفار
يحقرون العلوم حيث غدوا في جهلهم بالعلوم مثل الحمار
ويجلون فتية قصدوهم بالملاهي غنت بعود وطار
فانظر هذه الفوائد الكثيرة في هذا الشعر المنتقى من ديوانه، ومنها:
– بعض الدعاة إلى وحدة الوجود ليسوا بأبرار، بل هم متوغلون في الدعاوى الكاذبة، يتدثرون بأثواب الزور، يخدعون الناس بمعسول الكلام، وهم في الحقيقة وحوش ضارية، وهذا من وجهة نظر المصنف فيما عاصره من أحوال واطلع عليه.
– هؤلاء القوم يتصفون بالكذب والفجور في الخصومة، وإذا خالفهم أحد الناس خلعوا ثياب الزور التي كانت لهم من لين الكلام، حتى بدلوها بالجبروت والطغيان والظلم والانتقام، وهذا أيضاً لعله من تجارب السيد البكري.
– هؤلاء يحتقرون العلوم (ولعل مراده: علم الكلام وعلوم المعقولات والأدلة العقلية، بدعاوى الكشف والذوق والعرفان).
– هؤلاء يلاينون أصحابهم الذين يصفقون لهم ما داموا مصفقين لهم، وينقلبون عليهم إذا اكتشفوا حقيقة كذبهم.
وختاماً أقول: ما أشبه اليوم بأمس، على أننا لا نعمّم المقال، بل نحكي عن السيد البكري ما يشهد به هو رحمه الله، وما اطلعنا عليه من بعض الناس في زماننا هذا.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، سائلين المولى أن يعصمنا ويؤيدنا ويحسن لنا الختام، ويقينا والمسلمين شرّ هذه الفتنة الوجودية، بحرمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه وآله ومن تبعهم واستنّ بالسنة. اللهم آمين.
كتبه جاد الله بسام
6 حزيران 2020م
14 شوال 1441ه
“إن العهد كان مسؤولاً”
