يتوهم البعض أنّ الشيخ ابن عربي لا يقول بزوال الآلام بالمعنى المتبادر، بل بمعنى الذهول عنها بسبب اعتيادها، فالألم يبقى ولا يزول، لكنهم يغيبون عن الإحساس به، فيألفونه وتتغير أمزجتهم ويستعذبونه! والذي دفعه لهذا الفهم المخالف لنصوص ابن عربي توهمه عدم مصادمته للشريعة، بخلاف القول بزوال الآلام!
أقول: إن القول بذهول أهل النار عن الآلام وتخليد اللذة عليهم ودوامهم في النعيم، واعتيادهم عليها وتبدل مزاجهم وطبيعتهم، لا يقلّ ضلالًا عن القول بزوال الآلام وانقطاعها، وإن كان ابن عربي لا يقول بالذهول أصلاً، بل بزوال الآلام، فعلى كلا القولين يتنعم أهل النار في النار دون الإحساس بآلامها، وكأن الله تعالى يسرمد عليهم ألوان العذاب من الحرق وضرب المقامع والإصلاء والحميم والغساق وصهر البطون والجلود وسرابيل القطران.. إلخ، وهم ذاهلون عن جميع هذه الآلام متنعمون بما هم فيه متلذذون في العذاب!
فهل هناك كبير فرق بين قولنا بانقطاع الألم الحاصل بهذه الأصناف من العذاب، وبين القول بعدم إحساسهم بالآلام وذهولهم عنها؟ ليس ثمة فرق يعتبر، فعلى كلا الحالين ليس لهم شعور بالألم، وفي كلا الحالين يتنعمون في النار ويستعذبون عذابها، وهذان الأمران مصادمان للنصوص المحكمة، فيشترك القول بالذهول عن الألم مع القول بزواله في هذا الضلال!
وصاحب هذا التفريق -هداه الله- يتوهم أنّه بتفريقه بين الذهول عن شعورهم بالألم وبين زوال الألم لا يخالف النصوص الشرعية، وكأنه لم يقرأ ألفاظ آيات القرآن الكريم: لا يخفف عنهم، لا يفتر عنهم، فلن نزيدكم إلا عذابًا، لا يموت فيها ولا يحيا، وهي نصوص قاطعة في عدم انقطاع الآلام بأيّ سبب من الأسباب، سواء بالاعتياد أو الذهول والزوال.
ثم إنّ الألم إدراكٌ وشعورٌ حسيّ، فبقاء الألم يعني بقاء الشعور والإحساس به، لأنّ الألم إدراك حسيّ، والذهول عن الاحساس به يعني عدم حصول هذا الشعور، وانتفاء الإدراك الحسيّ يعني عدم الألم، وقد ضرب الإمام الرازي لذلك مثالًا، وهو أن السكين الحادة جدًا ربما عقر الإصبع ولا نحسّ بالألم إلا بعد زمان، فلو كان عَقْرُ الإصبع علة بالذات لوجود الألم لما تأخر وجود الألم عن عقر الإصبع، فإذا ذهلتَ عن الإحساس بالألم فإن الألم الذي هو إدراك حسيّ ليس موجودًا، وإن كانت أسبابه وصورته موجودة.
ودعوى أنّ الذهول عن الألم مع الاستلذاذ بالعذاب لا يصادم الشريعة من أعجب العجائب، فكأن الله تعالى حين توعّد الكفار بزيادة العذاب الذي هو الألم في قوله: (فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا)، كأنّه -سبحانه- توعّدهم بزيادته مع ذهولهم عنه واستعذابهم له! فما فائدة التهديد والوعيد بأمرٍ يستعذبونه ويتنعمون فيه؟! أليست زيادتهم من العذاب -والحال هذه- مبطلة للوعيد والتهديد؟!
ولماذا يخبرنا الله تعالى عن زيادتهم من السعير -وهو اللهب والتوقّد- كلما احترقت جلودهم، وأنّ الالتهاب والتوقد لا يزال يعود لهم، كما قال الله تعالى: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾، فما فائدة زيادة السعير مع إلفهم واستعذابهم له وذهولهم عن الإحساس بالآلام؟!
وهل يناسب كفرهم وصدّهم عن سبيل الله تعالى زيادتهم مما فيه عذوبة ونعيم؟! كما قال الله تعالى: «الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ».
وقد عبّر القرآن عن تعذيبهم بلفظ (الذوق) المستخدم للتعبير عن إحساس الذائقِ بالمذوق، قال الله تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ * هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاق﴾، وقال الله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ﴾.
و«الذوق» مستخدم للتعبير عن الإحساس بالمذوق، فهو دالٌّ على إحساسهم بالعذاب من حيث إنه لا يدخُله نقصانٌ بدوام الملابَسةِ، وللإشعار بمرارة العذابِ مع إيلامه، والتنبيه على شدة تأثيرِه من حيث إن القوةَ الذائقةَ أشدُّ الحواسِّ تأثراً، أو على سِرايته للباطن، كما قال المفسرون، فكيف يذوقون آلام العذاب وهم مستعذبون له؟!
فما فائدة إذاقتهم آلام العذاب وهم ذاهلون عنها مستعذبون لها؟! فهل يذيقهم الله العذاب ليزيدهم عذوبة واستلذاذًا؟!
ثم إن نفي التخفيف عنهم -فضلًا عن الانقطاع- ثابت في كثير من الآيات المحكمة، قال الله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾، وقال الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا ۖ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾، وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾، وقال الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَهُمۡ نَارُ جَهَنَّمَ لَا یُقۡضَىٰ عَلَیۡهِمۡ فَیَمُوتُوا۟ وَلَا یُخَفَّفُ عَنۡهُم مِّنۡ عَذَابِهَاۚ كَذَ ٰلِكَ نَجۡزِي كُلَّ كَفُورࣲ﴾، وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِینَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدۡعُوا۟ رَبَّكُمۡ یُخَفِّفۡ عَنَّا یَوۡمࣰا مِّنَ ٱلۡعَذَابِ * قَالُوۤا۟ أَوَلَمۡ تَكُ تَأۡتِیكُمۡ رُسُلُكُم بِٱلۡبَیِّنَـٰتِۖ قَالُوا۟ بَلَىٰۚ قَالُوا۟ فَٱدۡعُوا۟ وَمَا دُعَـٰۤؤُا۟ ٱلۡكَـٰفِرِینَ إِلَّا فِي ضَلَـٰلٍ ﴾..
فكيف يتلاءم نفي تخفيف العذاب مع استعذابه والذهول عنه؟! أليس إلفهم للعذاب وقبولهم واستعذابهم له منافياً للتخفيف الوارد في الآيات؟!
فنفي تخفيف الألم يبطل القول بانقطاع الشعور بالآلام لأي سبب من الأسباب.
وإذا كان تقليل إحساسهم بالعذاب منفيًا في هذه الآيات، فكيف بالذهول عن الإحساس به مطلقًا، بل مع استعذابه؟!
إذا لم يكن هذا تلاعبًا بدلالات الآيات فليس هناك تلاعب!
ولماذا يقول أهل النار لخزنة جهنم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ﴾، وهم ذاهلون أصلًا عن الإحساس بالآلام ومستعذبون للعذاب؟!
وهل الوعيد في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.. هل هذا وعيدٌ بالخلود في النار والطرد من الرحمة والإقامة في العذاب، مع استعذاب العذاب والذهول عن الألم؟!
فهل هذا وعيد أم تحبيب وترغيب؟
فهل يريد الله تعالى أن يطمئن أهل النار بأن شعورهم بالعذاب سينقطع ويذهلون عنه؟!
وكيف يتناسب بقاؤهم في الغموم مع استعذاب العذاب وذهولهم عن الألم؟! قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
وكيف يستقيم قوله تعالى: ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ مع استعذاب العذاب والذهول عن الألم، فأين الإهانة في العذاب المستعذب؟!
إنّ القول باستعذاب العذاب لأهل النار وتنعمهم فيه وذهولهم عن الإحساس بالآلام، يعود بالإبطال على جميع آيات الوعيد في حق الكفار، التي خرجت مخرج التهديد والوعيد والتخويف، لا مخرج التطمين والتحبيب والرغيب! وهذا هو تحريف الكلم عن مواضعه والتلاعب بنصوص الشريعة، وكأنهم لم يجدوا طريقة للانتصار للشيخ ابن عربي إلا على حساب ليّ أعناق النصوص!
ومن المصائب أن تحاول توضيح الواضحات، والاستدلال على القواطع المحكمات!
والقول بأنّهم يذهلون عن الألم لأنّ طبيعتهم تتغير فتستعذب العذاب، كما يستعذب الجُعلُ القذارة ويتأذى من ريح الورد، وكما توافق طبيعة السمك الماء، قولٌ بانقطاع حقيقة الألم أصلًا؛ لأنّه لم يعدْ ألمًا بعد تغيّر طبيعتهم.
فإذا قلنا إنّ الألم (الفلاني) ألمٌ حقيقي للإنسان العادي، الذي لم تتحول طبيعته كما تحولت طبائع أصحاب النار، وجعلنا هذا الألم (الفلاني) يحلّ في الإنسان الطبيعي، فماذا ينتج؟ ينتج = ألم، كما هو حال أهل النار قبل أن تتبدل طبائعهم.
ولكن بعد أن يتحول مزاج الكفار في النار، فإنّ الألم (الفلاني) -الذي ينتج عنه الألم في طباع الناس العاديين-، إذا حل في الكفار ينتج عنه = نعيم وعذوبة، فهل يسمى ألمًا في هذه الحالة؟! أم هو نعيم وعذوبة؟!
فلو فرضنا أنا سميناه ألمًا، وقلنا إنه في الحقيقة مستعذب لهم، فماذا أبقينا من حقيقة الألم إلا التلاعب اللفظي؟! أليس هذا هو نفس القول الذي نتكلم عليه في تحول العذاب لعذوبة، وأليس هذا هو المخالفة للإجماع والنصوص القرآنية وللغة أيضًا؟
كل هذا لعب بالشريعة وتضليل للناس، وتحريف للكلم عن مواضعه.
على أنّ القول باعتياد الكفار على ألوان العذاب الحسيّ مصيبة أخرى، فلا يتصوّر ولا يمكن أن يكون اعتياد الشيء المنافي والمنافر للطبيعة سببًا للذهول عنه، فضلًا عن استعذابه والتنعم به! فكيف يتسبب في الذهول وهو في كل لحظة ينبهه ويؤزُّه أزًّا.. لمعارضته طبيعته وما يكمله! هذا لو سلمنا تنزلًا أن الاعتياد يكون سببًا للذهول، ولو سلمنا أن العذاب يمكن اعتياده بهذا المعنى أصلًا.
فالأمر الذي يأتيك ويهجم عليك لا بإرادتك ولا بعشقك له، ولا يوافق كمالك ولا طبيعتك ومزاجك، ثم هو يُعمل فيك حرقًا وتمزيقًا وتأليمًا وتكسيرًا، كيف تعتاده بحيث تغيب عنه، لا سيما وقائل هذا القول العجيب ينفي أصلًا وجود لذة عظيمة جدًا إلى الحد الذي يجعل أهل النار يذهلون عن آلامهم، ويعتبر مجرد دوام العذاب عليهم واعتيادهم كافياً في ذهولهم عنه!!
وما يُستعذب لا يقال له عذاب أصلاً، فالعذاب فيه ألم وإيجاع وإزالة للعذوبة، فإطلاق اسم العذاب على صورته الظاهرة وإطلاق اسم العذوبة على أثره اللازم عنه الذي يفترض أن يكون ألمًا محسوسًا به، عبارة عن سفسطة ظاهرة، حتى وإن كان الاستعذاب لأجل تغير الطبيعة، مع أن تغير طبيعتهم هذه من البدع التي تناقض صريح الكتاب والسنة.
[ابن عربي يقول بزوال الآلام لا بمجرد الذهول عنها]
بينتُ في مقالي السابق أن ابن عربي يقول بزوال الآلام، ونقلتُ عددًا من نصوصه الدالة على قوله بانقطاع الآلام وارتفاعها، والقول بقبول مزاجهم للعذاب واستعذابه كما يستعذب الجعل ريح النتن كاف في الدلالة على انقلاب الألم، وكذلك مذهب ابن عربي في تنزلات الأسماء الحسنى كاف في الدلالة على انقطاع الألم ، لكنني سأزيد الأمر بيانًا وتبسيطًا وتوضيحًا حتى يتجلى لكل ذي بصيرة، أما مَن يقوم بتحريف الكلم عن مواضعه ويتجاهل سيل النصوص التي أسوقها فليس لي معه كلام، وإليك عشرة أنواع من نصوص ابن عربي الدالة على قوله بزوال الآلام، لا ببقائها مع الذهول عنها، ويمكن الإتيان بالعديد من النصوص ضمن كل نوع، لكنني سأقتصد في نقل النصوص قدر المستطاع، وفي مقالي السابق نصوص أخرى:
[النوع الأول]: ابن عربي يحصر العذاب المسرمد على أهل النار بالعذاب النفسي، وينفي العذاب الحسيّ:
(1) قال في الفتوحات (1/169): «ولا يبقى عليهم من العذاب إلا الخوف من رجوع العذاب عليهم، فهذا القدر من العذاب هو الذي يسرمد عليهم، وهو الخوف، وهو عذاب نفسي لا حسي، وقد يذهلون عنه في أوقات». اهـ
فهو يصرّح هنا بنفي بقاء العذاب الحسي ويثبت بقاء العذاب النفسي فقط، ويستخدم أسلوب النفي والاستثناء لحصر العذاب المتبقي في النفسيّ، فيقول: «ولا يبقى.. إلا الخوف.. وهو عذاب نفسيّ لا حسيّ».
وقد بينتُ سابقًا أن حقيقة العذاب الحسيّ هو الألم، وليس مجرد أسبابه وصورته من الضرب والحرق واللدغ، فإذا نفى ابن عربي (بقاء) العذاب الحسي فقد نفى (بقاء) الألم بالضرورة، فهو لا ينفي بقاءهم في صورة النار واللدغ والضرب، أي لا يقول بفناء النار، بل يقول بفناء الألم الحاصل بالنار.
[النوع الثاني]: زوال الروح الحيواني الحساس الناقل للألم، يستلزم زوال الألم وانقطاعه.
يرى ابن عربي أن الأعضاء والجوارح لا تتألم بل تتنعم في النار، لكنها تنقل آلام ما يلابسها من العذاب إلى النفس، فهي وسائط لنقل الآلام إلى النفس، قال (3/75):
«والآلام تختلف على النفس الناطقة بما تراه في ملكها وبما تنقله إليها الروح الحيواني، فإنّ الحسّ ينقل للنفس الآلام في تلك الأفعال المؤلمة، والجوارح ما عندها إلا النعيم الدائم في جهنم، مثل ما هي الخزنة عليه ممجدة مسبحة لله تعالى، مستعذبة لما يقوم بها من الأفعال». اهـ
فهو يرى أنّ الروح الحيواني الحساس ينقل للنفس الآلام التي تحصل بأسباب العذاب من الحرق والضرب واللدغ، وإذا أراد الله تعالى أن يرحم أهل النار أزال من جوارحهم الروح الحساس الناقل للألم، فتتخدر الجوارح عن إيصال الآلام إلى النفس، فتفقد النفس الإحساس بالآلام، فإذا أزيلت وسائط نقل الآلام فقد زالت الآلام نفسها، وبقيت صورة العذاب وأفعاله دون إحساس بالألم، قال في الفتوحات (1/303):
«ولا بدّ لأهل النار من فضل الله ورحمته في نفس النار بعد انقضاء مدة موازنة أزمان العمل، فيفقدون الإحساسَ بالآلام في نفس النار؛ لأنهم ليسوا بخارجين من النار أبدًا، فلا يموتون فيها ولا يحيون، فتتخدر جوارحهم بإزالة الروح الحساس منها». اهـ
[النوع الثالث]: عين الألم عين الغضب، فإذا زال الغضب زال الألم
يرى ابن عربي أن الغضب ملازم للآلام على أهل النار، فإذا زال الغضب ارتفعت الآلام، وهذا صريح في زوال الآلام لا في بقائها مع الذهول عنها، قال (الفتوحات 3/411):
«فما دام الحق منعوتًا بالغضب فالآلام باقية على أهل جهنم الذين هم أهلها، فإذا زال الغضب الإلهي كما قدمنا وامتلأت به النار ارتفعت الآلام». اهـ
فيصرح هنا بعبارة واضحة لا لبس فيها بارتفاع الآلام لزوال الغضب، فأين هذا من بقاء الألم ممتزجًا بعذوبة، مع الذهول عنه دون الذهول عن العذوبة؟!
بل يصرّح في الفصوص بأن عين الألم عين الغضب، فزوال الغضب زوال الألم، قال:
«وإن سكنوا النار، فذلك رضا، فزال الغضب لزوال الآلام، إذ عين الألم عين الغضب إن فهمت». اهـ
وهذا نصّ محكم في زوال الألم مع زوال الغضب، إذ: «عين الألم عين الغضب إن فهمت»، فهل فهمت؟!
[النوع الرابع]: انقضاء مدة المؤاخذة بزوال الآلام، وإن بقي العذاب المستعذب
يثبت ابن عربي مدةً من العذاب تبقى فيها الآلام على أهل النار، وهذه المدة هي أجلهم في الآلام، وبانقضاء هذه المدة تزول آلامهم وترتفع، ولا تبقى ممتزجة بالعذوبة كما يزعم بعضهم، ولا تبقى مع الذهول عنها، وسأكتفي بنقل ثلاثة نصوص لابن عربي في زوال الآلام عند انقضاء مدة المؤاخذة، وأحيل القارئ إلى مقالي السابق:
(1) قال في الفتوحات (3/463): «وحالهم فيها كما قدمناه بعد فراغ مدة الشقاء، فيستعذبون العذاب، فتزول الآلام ويبقى العذاب، ولهذا سمي عذابًا لأن المآل إلى استعذابه لمن قام به». اهـ
يصرّح هنا بأن مدة الشقاء إذا فرغت، فإن الآلام «تزول» مع بقاء العذاب، فقوله: «فتزول الآلام ويبقى العذاب» صريح في عدم بقاء الآلام، فلو كانت الآلام باقية لقال: «فتبقى الآلام والعذاب، لكن مع الذهول عنها»، وهذا العذاب الباقي مآله إلى «استعذابه لمن قام به» كما يقول ابن عربي.
فأين هذا مما يزعمه هؤلاء من بقاء الآلام مع الذهول عنها؟!
(2) وقال في المعرفة (ص271): «فإذا انقضت مدة الآلام في جهنم … للرحمة التي سبقت، ارتفعت عنهم الآلام». اهـ
يثبت هنا مدة للآلام في جهنم، وهذا يعني أنّ الآلام ترتفع وتزول بانقضاء هذه المدة، يقول: «فإذا انقضت مدة الآلام في جهنم.. ارتفعت عنهم الآلام»، وهذا نصّ محكم في ارتفاع الآلام لا في بقائها.
ومدة الآلام هي نفسها مدة المؤاخذة، فإذا انقضت ارتفعت الآلام، وإذا ارتفعت الآلام آل أمرهم إلى الفرح! قال في الفتوحات: «ومآل الكل في الآخرة بعد انقضاء مدة المؤاخذة إلى الفرح بما عنده وبما هو عليه».اهـ
(3) وقال في الفتوحات (2/648): «فإن لكل واحدة من الدارين ملأها، وتتنوع عليهم أسباب الآلام ظاهرًا لا بد من ذلك، وهم يجدون في ذلك لذة في أنفسهم -بالخلاف المتقدم- باطنًا، بعد ما يأخذ الألم منهم جزاء العقوبة».اهـ
فهم يجدون «لذة في أنفسهم باطنًا» مع بقاء «أسباب الآلام ظاهرًا»، فحقيقة عذابهم ليس عذابًا بل نعيم، وصورته عذاب مقيم، فهو عذاب من حيث الظاهر والصورة فقط، وهو عذوبة ونعيم من الحسّ والباطن.
وقوله: «بعد ما يأخذ الألم منهم جزاء العقوبة» بعد قوله: «وهم يجدون في ذلك لذة في أنفسهم»، يعني أنّ الألم يأخذ منهم جزاء العقوبة ثم يجدون لذة في أنفسهم باطنًا؛ أي أن الألم ينقطع ثم يجدون لذة بعده، إذ استيفاء جزاء العقوبة يستلزم انقطاع الألم لا بقاءه، ومدة أخذ جزاء العقوبة هي التي يسميها ابن عربي بـ«مدة المؤاخذة» أو «مدة الشقاء»، وبانقضائها تزول الآلام ويفقدون الإحساس بها، فبعد فراغ مدة الشقاء تزول الآلام ويستعذبون العذاب.
[النوع الخامس]: ادّعاؤه أنه ما ثَم نصّ بتسرمد العذاب الذي هو الألم
يطلق ابن عربي العذاب على أمرين: حقيقة العذاب الذي هو الألم، وأسباب العذاب وصورته من الضرب واللدغ، ويدّعي عدم وجود نصّ على تسرمد العذاب الذي هو الألم، وأنّ العذاب المسرمد هو الحركات السببية، وهذا وحده كاف في الدلالة على قوله بانقطاع الآلام وزوالها، لا بقائها ممتزجة بعذوبة أو مذهولًا عنها، قال في الفتوحات (2/673):
«وإن عمروا النارَ فإنّ لهم فيها نعيمًا ذوقيًا لا يعرفه غيرهم، فإنه لكل واحدة من الدارين ملؤها، فأخبر الله أنه يملؤها ويخلِّدُ فيها مؤبدًا، ولكن ما ثَم نصٌّ بتسرمد العذاب الذي هو الألم، لا الحركات السببية في وجود الألم في العادة، بالمزاج الخاص المُحِس للألم، فقد نرى الضربَ والقطعَ والحرقَ في الوجود ظاهرًا، ولكن لا يلزم عن تلك الأفعال ألم، ولا بد وقد شاهدنا هذا من نفوسنا في هذا الطريق، وهذا من شرف الطريق، وفيه يقول أصحابنا: ليس العجب من وَرْدٍ في بستان، فإنه المعتاد، وإنما العجب من وردٍ في وسط النار؛ لأنه غير معتاد. يريد أنه ليس العجب ممن يجد اللذة في المعتاد، وإنما العجب ممن يجد اللذة في غير السبب المعتاد».اهـ
فهو يفرّق بين العذاب الذي هو الألم، ويدّعي عدم وجود نصّ على بقائه، وبين العذاب الذي هو الحركات السببية في وجود الألم، وهي التي تبقى وتتسرمد، لكن بلا ألم بل بعذوبة ونعيم!
فالحركات التي هي أسباب الألم المعتادة، كالضرب واللدغ والحرق، تصبح أسبابًا للنعيم واللذة لأهل النار، ولذا نجده استشهد بقول أصحابه: «ليس العجب من وَرْدٍ في بستان، فإنه المعتاد، وإنما العجب من وردٍ في وسط النار» للدلالة على أن أهل النار يتلذذون بغيرالأسباب المعتادة، بل بأسباب الألم، فإن أسباب الألم تصبح في حقهم أسبابًا للنعيم، فلذتهم تكون في أسباب العذاب المعتادة كلدغ الحيات والعقارب، لا في أسباب النعيم المعتادة، ولذا يقول: «والملدوغ يجد لذلك اللدغ لذة واسترقادًا في الأعضاء، وخَدَرًا في الجوارح، يلتذّ بذلك التذاذًا هكذا دائمًا أبدًا».اهـ
[النوع السادس]: تشبيه حالهم بعد مدة المؤاخذة بحال سيدنا إبراهيم -عليه السلام- حينما ألقي في النار
لا أظن أخانا المتسرع يقول بأن سيدنا إبراهيم -عليه السلام- كان متألمًا حين ألقي في النار، بل كان متنعمًا حقيقة في صورة العذاب، ونجد أن ابن عربي يشبّه حال أهل النار في عدم الإحساس بالألم واستعذاب العذاب بحال سيدنا إبراهيم، فقال في الفتوحات (4/307) :
«فلذة أصحاب الجحيم عظيمة، لمشاهدة الدار وحكم الأمان من حكمها فيه، ليس العجب من ورد في بستان، وإنما العجب من ورد في قعر النيران. إبراهيم الخليل -عليه السلام- في وسط النار يتنعم ويلتذ، ولو لم يكن -عليه السلام- إلا في حمايتها إياه من الوصول إليه، فالأعداء يرونها في أعينهم نارًا تأجّج، وهو يجدها بأمر الله إياها بَرْداً وسَلاماً». اهـ
ومعلوم أن سيدنا إبراهيم وإن كان في النارالتي هي سبب عادي للألم، إلا أنّ الألم زائل عنه، فهو في نعيم حقيقي مع أنّ الصورة صورة العذاب، فليس هناك ألم بل عذوبة، فكذلك حال أهل النار، وهذا يعني أنهم متنعمون لا متألمون كما يزعم الزاعمون.
[النوع السابع]: ربط زوال الألم بكرم الله تعالى:
اعتبر ابن عربي أن سرمدة الألم على أهل النار غير لائق بكرم الله تعالى، فالله تعالى أكرم من أن يسرمد عليهم الألم، قال:
«فعين العالم عين الرحمة لا غيرها، فاشحذ فؤادك، فما يكون العالم رحمة للحق، ويكون الحق يسرمد عليه الألم، الله أكرم وأجلّ من ذلك». اهـ
ومعنى سرمدة الألم أي بقاؤه بلا انقطاع وزوال، وبما أن هذا لا يليق بكرم الله تعالى فلا بد من قطعه وإزالته، خلافًا لمن يزعم سرمدته لكن مع الذهول عنه.
[النوع الثامن]: رحمة الله تعالى تقتضي قطع العذاب الذي هو الألم
استنكر الشيخ ابن عربي تسرمد العذاب على أهل النار، ورأى أنّ الله تعالى أرحم من ذلك، فقال:
«فلا نشك أنه أرحم منّا بخلقه، ونحن قد عرفنا من نفوسنا هذه المبالغة في الرحمة، فكيف يتسرمد عليهم العذاب وهو بهذه الصفة العامة من الرحمة؟! إن اللّه أكرم من ذلك». اهـ
ثبت مما مضى أنّ العذاب الذي يقول ابن عربي بانقطاعه وعدم تسرمده هو العذاب الأليم، مع بقاء صورته وأسبابه الظاهرة، فإبقاء العذاب دون انقطاع لا يليق بأرحم الراحمين -عنده-، وبالتالي فلا بد من نفي سرمدة العذاب على أهل النار، ونفي سرمديته يعني انقطاعه، لا سرمديته مع الذهول عنه!
ثم هل الأليق بكرم الله تعالى إزالة العذاب الأليم، أم إبقاء العذاب أليمًا مع مزجه بعذوبة؟!
[النوع التاسع]: شفاعة الله تعالى لأهل النار بإزالة آلامهم:
بما أن الشيخ ابن عربي لا يقول بخروج أهل النار منها، فإن الله تعالى يتولى نقلهم من شقاء الآلام إلى سعادة إزالتها، قال (الفتوحات 3/400):
«فإن الله يقول في ذلك اليوم: (شفعت الملائكة والنبيون والمؤمنون، وبقي أرحم الراحمين)، فدل بالمفهوم أنه لم يشفع، فيتولى بنفسه إخراج من يشاء من النار إلى الجنة، ونقل حال من هو من أهل النار من شقاء الآلام إلى سعادة إزالتها». اهـ
فهو يصرّح بإزالتها، لا ببقائها مع الذهول عنها، وإذا كان الله تعالى يريد سعادتهم، فالأليق بسعادتهم أن يزيل الآلام، لا أن يبقيها مع الذهول عنها.
[النوع العاشر]: النعيم من كل وجه لا يمازجه ألم
صرّح ابن عربي أنّ أهل النار بعد انقضاء مدة المؤاخذة سيكونون في نعيم، وأن هذا النعيم قد بلغ الغاية!
فقال (4/338): «فالصورة عذاب مقيم، والحسّ في غاية النعيم، فإن نعيم الأمشاج فيما يلائم المزاج».اهـ
فكيف يكون «غاية في النعيم» وهو ممازج للآلام والآلام موجودة؟!
بل جعل نعيم أهل النار نعيمًا «بكل وجه»! قال (الفتوحات 3/411): «وبعد انقضاء هذا الأجل، فنعيمٌ بكل وجه أينما تولى»!. اهـ
فقوله:«نعيم بكل وجه» دالّ على زوال الآلام وارتفاعها، لا على بقائها ممتزجة بالعذوبة، فلو كان نعيمًا مع وجود الألم فليس نعيمًا بكل وجه، بل هو نعيم من وجه وألم من وجه.
وهذا الأخ العجول يقول مرة أنهم يستعذبون العذاب لتغيّر أمزجتهم وطبيعتهم بسبب الإلف، وأن الاعتياد هو سبب ذهولهم عن الألم، وأن نعيمهم في تذوق شعور طارئ يذهل عن العذاب الأليم، ومرة يقول أن استعذاب العذاب هو زوال شهود الألم الأعلى لشهود الألم الأدنى، فشهود الألم باق أبد الآبدين، فهل هو من باب التلاعب وتغيير الأقوال حسب الحال، أم تخبط وتسرع؟!
