بقلم الشيخ عثمان النابلسي

رأيتُ مقالًا لأحد الإخوة -وفقه الله- ضمّنه نصوصًا للشيخ ابن عربي، وزعم أن ظواهرها متناقضة، واختار تحريم تداول كتب الشيخ، مع الجمع بين أقواله لإثبات العذاب بألم، وذلك بتأويل نصوص نفي الألم لتوافق نصوص بقاء الألم، ولم يقدّم دليلًا صحيحًا على حمل نصوص انقطاع الألم على النصوص التي يدّعي دلالتها على بقاء الألم، دون العكس.

ومن اللطيف أنه كان أعلن عن أنه يقرأ كتاب الفصوص، وهو من أشكل ما كتب الشيخ ابن عربي، كأنه يدعو رواد فيسبوك قراءته، والآن يحرم النظر في كتبه.

وألطف منه قوله: «وذلك لإثبات التناقض في كلام الشيخ»!

مع أنّ التناقض في الكلام مذموم في حق عامة الناس، فضلًا عن كلام الشيخ الأكبر! فكان الواجب عليه حتى «لا يظلم الشيخ!» على تعبيره، أن يدفع هذا التناقض عنه لا أن يثبته. لكنّ أخانا لمّا لم يجد مناصًا من نصوص انقطاع الألم الحسي عند الشيخ ابن عربي، لجأ إلى طريقة الاعتراف بالتناقض، ومن ثم التأويل لصالح نصوص بقاء الألم! لكنّ نظريته في تأويل تلك النصوص متهاوية، لما يلي:

أولًا: لا يصحّ تأويل النصوص القطعية، التي لم يستطع إبطال قطعية شيء منها فضلًا عن إبطال قطعيتها جميعًا؛ لأنّ «النص» الذي لا يحتمل إلا معنى واحدًا، إذا صرفته عن هذا المعنى الوحيد فقد أبطلته ورددتَه، فمن شروط التأويل قابلية الكلام للاحتمال، وما لم يبيّن أخونا المُدّعي قابلية كل نصّ للاحتمالات، فتأويلاته تبقى من باب إبطال الكلام وردّه، لا من باب تأويله، وهذا من بدهيات علم الأصول التي يدعونا لتعلمها وتطبيقها!
فإذا أراد تأويل نصوص الشيخ ابن عربي، فأمامه عمل كثير جدًا، لا يفي به مقاله هذا ولا مئات الصفحات؛ لكي يثبت قابلية كلّ واحد منها للاحتمال وبالتالي تأويله بما لا يلغيه ويبطله.

ثانيًا: لا يصحّ أيضًا حملُ الكلام الدالّ على انقطاع الألم على الكلام الذي يدّعي دلالته على بقاء الألم؛ لأنّنا لو سلّمنا جدلًا قابلية نصوص انقطاع الألم لمطلق التأويل، إلا أنّها لا تقبل التأويل الذي يدّعيه المُدّعي، فلا يصحّ تأويل النصوص الدالة على انقطاع الألم لتصبح دالّة على بقاء الألم! فمن شرط التأويل قابلية الكلام للمعنى المؤوَّل إليه.

فقول الشيخ ابن عربي -مثلًا-: «فيفقدون الإحساسَ بالآلام في نفس النار»، «فتتخدر جوارحهم بإزالة الروح الحساس منها»، «يفقدون الآلام»، «فلا يُحسّون بما تفعله النار في أبدانهم»، «إذا لم يحسوا بالآلام»، «بفقد ألم كانوا يجدونه‏ فارتفع عنهم».. إلخ، كيف تدل هذه العبارات على بقاء الألم؟

فبأي تأويل وأي قانون للفهم تدلّ هذه النصوص الصريحة في انقطاع الألم.. على بقاء الألم؟!

وهنا شوطٌ طويل آخر أمام أخينا المُدّعي -جزاه الله خيرًا-، ليثبت قابلية كلّ نصّ من هذه النصوص للمعنى المؤوّل إليه.

ثالثًا: لا يتحقق التناقض بين قضيتين مختلفتين بالسلب والإيجاب، إلا عند اتفاقهما في النسبة الحكمية، لكننا إذا تأملنا النصوص التي زعم أخونا وجود التناقض بين ظواهرها، وجدنا النسبة الحكمية فيها مختلفة، فلا تناقض، وسأبين بطلان التناقض المزعوم بين النصوص التي ذكرها الأخ صاحب المقال:

• إزالة التناقض الأول:
قال: [١-قوله في الفتوحات المجلد الثاني (لا يموت أهل النار….لا يحيون ولا ينعمون)..ويقول بمقابله في الفتوحات المجلد الأول (جعل لهم نعيما في منزلهم فلا يموتون فيه ولا يحيون فهم في نعيم النار دائمون مؤبدون)..نص فيه (لا ينعمون)..ونص آخر (فهم في نعيم النار دائمون مؤبدون)..وهذا تناقض..]. انتهى

أقول: ليس بين النصّين تناقض، لاختلاف وحدة الزمان، وبالتالي اختلاف النسبة الحكمية، وبيانه كالآتي:
النص الأول: يتحدث فيه ابن عربي عن المَواطن السبعة الأمهات يوم القيامة: العرض، الكتب، الموازين، الصراط، الأعراف، ذبح الموت، المأدبة. وهذا النقل جاء في سياق حديثه عن الموطن السابع وهو المأدبة. والمأدبة كالاستقبال لأهل الجنة، والمندبة كالاستقبال لأهل النار، فيأكل أهل الجنة أول طعامٍ من كبد الحوت، ويأكل أهل النار من طحال الثور، ويبقى العذاب الحسي على أهل النار ما شاء الله أن يبقى من الأحقاب التي بيّنها ابن عربي، حتى يخاطبهم الله تعالى ويقول: «اخسؤوا فيها ولا تكلمون»، «اليوم ننساكم»، فينساهم الله في العذاب بعد إخراج عصاة الموحدين، فلا يبقى عليهم من العذاب إلا خوف رجوع العذاب، وهو عذاب حسي لا نفسي. وقد بينتُ هذا في مقالي السابق.
والذي يدلّ على أن انتفاء النعيم المذكور يكون قبل انقضاء مدة المؤاخذة -سوى ما تقدّم-، قول الشيخ ابن عربي في هذا النصّ: «لا يحيون ولا ينعمون، فيورثهم أكله سقمًا ومرضًا، ثم يدخل أهل الجنة الجنة، فـ(ما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ)».

وهذا كله قبل انقضاء مدة موازنة الأعمال والأخذ بالجرائم.

والنص الثاني: يتحدّث ابن عربي عن زمان انقضاء مدة المجازاة والمؤاخذة بالجرائم، ولو ساق الأخ الناقل تكملة النص لظهر المقصود، قال الشيخ ابن عربي في الفتوحات (1/290): «فكتاب الأبرار في عليين، ويدخل فيهم العصاة أهل الكبائر والصغائر، وأما كتاب الفجار ففي سجين، وفيه أصول السدرة التي هي شجرة الزقوم، فهناك تنتهي أعمال الفجار في أسفل سافلين، فإن رحمهم الرحمن من عرش الرحمانية بالنظرة التي ذكرناها، جعل لهم نعيمًا في منزلهم فلا يموتون فيه ولا يحيون، فهم في نعيم النار دائمون مؤبدون، كنعيم النائم بالرؤيا التي يراها في حال نومه من السرور، وربما يكون في فراشه مريضًا ذا بؤس وفقر، ويرى نفسه في المنام ذا سطان ونعمة وملك، فإن نظرت إلى النائم من حيث ما يراه في منامه ويلتذ به، قلتَ: إنه في نعيم وصدقت، وإن نظرت إليه من حيث ما تراه في فراشه الخشن، ومرضه وبؤسه وفقره وكلومه، قلتَ إنه في عذاب. هكذا يكون أهل النار.
فـ(لا يموت فيها ولا يحيى)، أي لا يستيقظ أبدًا من نومته، فتلك الرحمة التي يرحم الله بها أهل النار الذين هم أهلها، وأمثالها كالمحرور منهم يتنعم بالزمهرير، والمقرور منهم يجعل في الحرور، وقد يكون عذابهم توهم وقوع العذاب بهم، وذلك كله بعد قوله: (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ) العذاب (وهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ)، ذلك زمان عذابهم وأخذهم بجرائمهم، قبل أن تلحقهم الرحمة التي سبقت الغضب الإلهي». انتهى

فتأمّل قوله: «وذلك كله بعد قوله: (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ) العذاب (وهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ)»

فالنعيم المنفي في النص الأول هو النعيم الحاصل وقت أخذهم بجرائمهم، والنعيم الثابت في النص الثاني «بعد قوله: (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ) العذاب (وهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ)» كما قال ابن عربي!

إضافة إلى ذلك، فالمحمول مختلف في النصّين، أي أنّ النسبة الحكمية مختلفة أيضًا، وبيان ذلك:
قسّم الشيخ ابن عربي كلًا من النعيم والعذاب من حيث الظاهر والباطن إلى قسمين: نعيمٍ نفسي ونعيمٍ حسي، وعذابٍ نفسي وعذاب حسي، فقال (الفتوحات 4/70): «والنعيم نعيمان: نفسي وهو الباطن، وحسي وهو الظاهر في النفس الحساسة. والعذاب عذابان: نفسي وهو الباطن، وحسي وهو الظاهر. والحال حالان: حال سابق وهو الأول، وحال لاحق وهو الآخر، وما ثم إلا رحمة سابقة وغضب لاحق، ثم رحمة شاملة سارية في الكل، فهي لاحقة سابقة».

وقسّم النعيم من حيث مقابلة الأعمال إلى قسمين: نعيم الجزاء، ونعيم المنّة والاختصاص، أما العذاب الحسي فلم يثبت منه إلا عذاب الجزاء.
قال (الفتوحات 3/387): «وهذا في حق السعيد والشقي، فهما في نتائج أعمالهما هذه المدة المعينة، فإذا انتهت انتهى نعيم الجزاء الوفاق وعذاب الجزاء، وانتقل هؤلاء إلى نعيم المنن الإلهية، التي لم يربطها الله بالأعمال ولا خصها بقوم دون قوم […] وما قال تعالى في الأشقياء: (عذابًا غير مجذوذ) كما قال تعالى في السعداء». انتهى

وإذا وجدنا نصًا للشيخ ابن عربي يثبت النعيم لأهل النار، علمنا أنّه النعيم النفسي، وهذا هو صريح كلامه، قال (الفتوحات 1/303): «فنعيمهم الراحة من العذاب الحسي».
أو نعيم المنن التي لم يربطها الله بالأعمال، قال مثبتًا هذا النعيم: «وانتقل هؤلاء إلى نعيم المنن الإلهية».

وإذا وجدنا له نصًا ينفي النعيم عن أهل النار، علمنا أنه نعيم الجزاء الخاص بالسعداء، وقد نصّ على هذا فقال في الفتوحات: «(ولا يحيون) أي ما لهم نعيم كنعيم أهل الجنان»، وقال في التفسير: «لتلذذه به، وإن كان بعيدًا عن نعيم السعيد».
فالسلب والإيجاب لم يتواردا على نفس المحل، فزال التناقض المزعوم.
——————————–

• إزالة التناقض الثاني:
قال: [٢-قوله في تفسير عجائب العرفان (وذلك أن الله لا يعذبهم إلا على كفرهم بالنوع الذي وعد على كل سيئة فإذا انتهى الزمان الذي كان قد كفروا به رجع عوده على بدئه فلا يزال يدور عليهم عودا على بدء إلى غير نهاية)…هذا النص يبين أن العذاب لا ينقطع بعد انتهاء الزمان الذي كانوا قد كفروا به ويبقى عودا على بدء إلى ما لا نهاية كما كان….

ويقوله بمقابله في الفتوحات (ولا بد لأهل النار من فضل الله ورحمته في نفس النار بعد انقضاء مدة موازنة أزمان العمل فيفقدون الإحساس بالآلام في نفس النار)..هذا النص الثاني يقول فيه بأنه بعد انقضاء مدة موازنة أزمان العمل أي بعد انتهاء الزمان الذي كفروا فيه يفقدون الإحساس بالألم مع بقائه..
ففي نص يقول إن العذاب لا يتغير ويعود كما كان عودا على بدء بعد انتهاء موازنة أزمان العمل ..ونص يقول فيه بأن العذاب يبقى بألم مع فقد الإحساس..وهذا ظاهره تناقض..] انتهى

أقول: ليس بين النصّين تناقض، لاختلاف وحدة المحمول، وبالتالي اختلاف النسبة الحكمية، وبيانه كالآتي:
النص الأول: يدلّ على رجوع «زمان» العذاب وعوده على بدئه، ولا يدل على رجوع «ألم» العذاب وعوده على بدئه!

وسياق الكلام بتمامه يبيّن أنّ الشيخ ابن عربي لا يتحدث عن عود «الألم»، بل عن عود زمان بقائهم في النار ومكثهم فيها، قال (ص116-117):
«(وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة): يقولون: وإن دخلنا النار علي زعمكم، فإن الله عادل لايعذبنا في النار إلا أيام كفرنا، وبعد ذلك نخرج.
وصدقوا فيما قالوا من اﻷيام المعدودة، وكذبوا في انقضاء ذلك، وذلك أن الله لايعذبهم إلا علي كفرهم بالنوع الذي وعد على كل سيئة من العذاب الخاص بتلك السيئة، فإذا انتهي الزمان الذي كان قدمًا كفروا فيه رجع عوده علي بدئه، فلا يزال يدور عليهم عودًا علي بدء إلى غير نهاية كما تدور أيام الجمعة وكما تدور فصول السنة، وإن كانت محصورة فدورانها ليس بمحصور». انتهى

أما النصّ الثاني، فيدل على بقاء العذاب مع انتفاء الألم، قال (الفتوحات 1/303): «ولا بد لأهل النار من فضل الله ورحمته في نفس النار بعد انقضاء مدة موازنة أزمان العمل، فيفقدون الإحساسَ بالآلام في نفس النار؛ لأنهم ليسوا بخارجين من النار أبدًا، فلا يموتون فيها ولا يحيون». انتهى

فلم يرد النفي والإثبات على نفس المحمول، فلا تناقض، ويبقى النص الأول دالًا على رجوع زمان العذاب عليهم عودًا على بدء إلى غير نهاية، والنص الثاني دالًّا على بقائهم في هذا العذاب بلا ألم إلى غير نهاية.

وأيضًا، لا يوجد تناقض لاختلاف وحدة الزمان، وبالتالي اختلاف النسبة الحكمية، وبيانه:
قسّم الشيخ ابن عربي مدّة العذاب إلى قسمين: مدة المؤاخذة والجزاء، وهي التي يقارن عذابها الألم الحسي، ومدة الامتنان، وهي التي لا يقارن عذابها الألم الحسي.

فإذا أثبت العذاب الحسي علمنا أنه أراد به قبل انقضاء مدة المؤاخذة، وقد نصّ على ذلك فقال (الفتوحات 2/648): «فيأخذ جزاء العقوبة الألم موازيًا لمدة المعمّر في الشرك في الدنيا، فإذا فرغ الأمد جعل لهم نعيم في النار»، وقال (الفتوحات 1/303): «ولا بد لأهل النار من فضل الله ورحمته في نفس النار بعد انقضاء مدة موازنة أزمان العمل، فيفقدون الإحساسَ بالآلام في نفس النار».

وإذا نفى العذاب الحسي، علمنا أنّ مقصوده بعد انقضاء مدة المؤاخذة على الأعمال، وقد نصّ على ذلك أيضًا فقال: (الفتوحات 1/303): «ولا بد لأهل النار من فضل الله ورحمته في نفس النار بعد انقضاء مدة موازنة أزمان العمل، فيفقدون الإحساسَ بالآلام في نفس النار».
——————————–

• إزالة التناقض الثالث:
قال: [٣-يقول في الفتوحات المجلد الأول (ولا يبقى عليهم من العذاب إلا الخوف من رجوع العذاب عليهم فهذا القدر من العذاب هو الذي يسرمد عليهم وهو الخوف وهو عذاب نفسي لا حسي)..فهنا ينفي العذاب الحسي ويبقي العذاب النفسي أبديا..
ويناقضه قوله في مراتب العلوم (أبد الآبدين لا يتناهى أمدها نعيم محقق وعذاب مطلق)..
في النص الأول يقول بأن العذاب الذي يبقى هو العذاب النفسي لا الحسي..وفي النص الثاني يقول بأن العذاب الذي يبقى هو العذاب المطلق..فالأول قيده بالنفسي..والثاني أطلقه بكل أنواع العذاب..وهذا ظاهره التناقض..] انتهى

أقول: لا تناقض بين هذين النصّين أيضا، فلم يتوارد النفي والإثبات على نفس النسبة الحكمية، وبيانه:

النص الأول: يثبت بقاءهم في العذاب النفسي وانقطاع العذاب الحسي.

أما النص الثاني: فسياق الكلام يبيّن معناه، فالشيخ ابن عربي يتكلم فيه عن نزول علوم الإنتاج في الصورة المائية، وأنّ هذه الصورة باقية لا تنقطع، فإما في نعيم وإما في عذاب، وهذا السياق يبيّن أنّ المقصود بالعذاب مطلق العذاب، أي الذي لا ينقطع، ولا يدل على أنه «أطلقه بكل أنواع العذاب» كما قال!
فالنص الأول يثبت بقاء العذاب بلا ألم، والنصّ الثاني يثبت بقاء العذاب وهو صادق بصورة العذاب عند الشيخ، وذلك كاف في تحقق ماهيته عنده، وصادق بالنفسي كما مر وسيأتي، فلا تناقض.

——————————–

• إزالة التناقض الرابع:
قال: [٤-قوله في شرح قوله تعالى عقلة المستوفز(اخسؤوا فيها ولا تكلمون:سخطي عليكم سخط لا رضى بعده فلا شيء أشد علبهم عذابا من هذا الخطاب)..هذا النص يبين أن غضب الله عليهم لا رضى بعده أي إلى ما لا نهاية…

وبالمقابل يقول في الفتوحات عن نفس الآية (فلا يجدون ألما ويدوم لهم ذلك ويستغنمونه ويقولون:(قال الله لنا:اخسؤوا فيها ولا تكلمون..فيسكتون وهم فيها مبلسون ولا يبقى عليهم من العذاب إلا الخوف من رجوع العذاب عليهم فهذا القدر من العذاب هو الذي يسرمد عليهم وهو الخوف)..
النص الأول يثبت سخطا أبديا لا رضى بعده..والنص الثاني يثبت أن العذاب الذي يبقى هو الخوف من رجوع الألم…يعني في النص الثاني يزول الألم الحسي ويبقى الألم المعنوي ولزواله لا بد من زوال السخط بالرحمة..فلا زوال لعذاب بلا رحمة تزيل السخط…وهذا ظاهره معارض لنص بقاء السخط…] انتهى

أقول: لا يوجد تناقض بين النصّين كما بينّا مرارًا، ومَن أراد مزيد بيان فليرجع إلى المقال السابق، وأقول هنا باختصار:

النص الأوّل: يدلّ على بقاء السخط عليهم بعد خطاب (اخسؤوا فيها ولا تكلمون)، ولا يبيّن ما هو السخط الذي يبقى عليهم.

والنص الثاني: يبيّن نوع السخط الذي سيبقى عليهم بعد خطاب (اخسؤوا فيها ولا تكلمون)، وهو: «الخوف من رجوع العذاب عليهم، فهذا القدر من العذاب هو الذي يسرمد عليهم، وهو الخوف»، فيتحقق بقاء السخط عليهم بإبقائهم في هذا العذاب النفسي.
——————————–

• إزالة التناقض الخامس:
[٥- قوله في تفسير قوله تعالى(فنسيهم) في الفتوحات:الباري تعالى لا يجوز عليه النسيان ولكنه تعالى لما عذبهم عذاب الأبد ولم تنلهم رحمته تعالى صاروا كأنهم منسيون عنده وهو كأنه ناس لهم أي هذا فعل الناسي ومن لا يتذكر ما هم فيه من العذاب الأليم)…في هذا النص يقول بأن النسيان هو عذاب الأبد الأليم الذي لا رحمة فيه..
ويقول في مقابله في الفتوحات كذلك(فنعيمهم الراحة من العذاب الحسي بما يجعل في قلوبهم من أنه ذو رحمة واسعة يقول الله تعالى:(اليوم ننساكم كما نسيتم)ومن هذه الحقيقة يقولون:نسينا إذا لم يحسوا بالألام)
النص الألم يفسر النسيان بالعذاب الأليم الأبدي الذي لا رحمة فيه..والنص الثاني يفسر النسيان بالعذاب بلا آلام والذي هو من رحمته الواسعة ..وهذا ظاهره التناقض..] انتهى

أقول: لا يوجد تناقض بين النصين، لاختلاف المحمول، وبيانه:
قسّم الشيخ ابن عربي الرحمة قسمة ثلاثية: الرحمة الذاتية، والرحمة المكتوبة للمتقين، ورحمة الامتنان الشاملة.

ونصّ على انتفاء الرحمة الذاتية والرحمة المكتوبة عن الكفار، فقال (الفتوحات3/496): «فلا مشهد لها إلا رحمة الامتنان، وهي الرحمة التي يترجاها إبليس فمن دونه، لا مشهد لهؤلاء في الرحمة المكتوبة، ولا في الرحمة الذاتية».
فإذا وجدناه ينفي الرحمة عن الكفار، علمنا أنّ الرحمة المنفية هي الرحمة الذاتية والرحمة المكتوبة، كما نصّ هو عليه.

ونصّ أيضًا على ثبوت رحمة الامتنان للكفار، «فإن الله يرحمهم برحمة الامتنان من غير وجود نعت، وهي الرحمة التي (وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ) وفيها يطمع إبليس».
فإذا وجدناه يثبت الرحمة لأهل النار، علمنا أنّ المراد هو رحمة الامتنان، كما هو نصّ كلامه.
وبالتالي يزول التناقض المزعوم لاختلاف النسبة الحكمية.

وقد سبق أن فصلتُ الكلام على هذا النص في المقال السابق وغيره، وهدمتُ الاستدلال به من خلال كلام الأخ المُدّعي، ومن كلام الشيخ ابن عربي، فليرجع إليه من شاء.

ونطلب من هذا الأخ التمهل، وترك التسرع في الرد، فنصوص الشيخ ابن عربي عميقة ودقيقة، ويصدر فيها عن نظريات له ولا يلقيها هكذا جزافًا، ولا تتكامل عندك رؤية المسألة إلا إذا قرأت المسألة كاملة في سياقاتها المختلفة، واستقصيت نصوصه وتأملتها معًا.
وها أنا قد جلّيتُ مقصوده من كلامه ونصوصه، فمن عنده فهم أفضل من فهمنا فليبينه لنا مشكورًا لنناقشه فيه.

ونسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقًا، ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلًا، ويرزقنا اجتنابه. والحمد لله رب العالمين.